وعّاظ السَلاطين ومستشارو السياسيين

المستشارون اليوم، في أروقة السياسة والحكم، خلفاء الأسلاف الوعاظ وهم حلقة في إطار الأنظمة الحديثة التي في الغالب هي مكملة للتراجع في مؤسسات السلطة في بعض التجارب.
الخميس 2018/11/22
تاريخ الوعظ حسب الوردي ليس بجديد، إنه منذ بواكير الفكر الإنساني

أجدني مضطرا لقراءة جديدة ومتأنية لكتاب أستاذي في الدراسات العليا الدكتور علي الوردي في حصة علم الاجتماع، “وعّاظ السَلاطين”. وبلا شك أنه كتاب نقدي لاذع لتأريخنا وتناقضاته الكثيرة، هو من نوع السهل الممتنع، كونه التقاطا دقيقا لظواهر يعيشها الناس ولا يفكر أغلبهم بمسوغاتها وبواعثها، حتى تكاد تخرج بحصيلة أن الوردي كمن يستخرج قطع الجمر من مكامنها ويعيد ترتيبها علينا، لكي نكوى بها ليدلّنا عما يحدث في حياتنا حين يكون الوعاظ الذين أبتلي بهم تاريخنا العربي، وتاريخ المنطقة، بل استحال اسم الوعاظ رويدا رويدا إلى مستشارين، وأصحاب الدرجات الخاصة، مهمتهم واحدة وهي تجميل الصور أو تقبيحها أمام الحاكم والوزير والوكيل والمدير، إلى رؤساء الشركات وأصحاب الحظوة والنفوذ.

هم أفراد كثر يحسنون بدرجات متفاوتة توصيف الأمور إلى صاحب القرار بأن كل شيء على ما يرام! حتى لو أن الأمور توشك على الانهيار، يمتلكون مهارات التلون والتزلف والتودد والتفاعل مع المراجع لتزوير صور الأشياء وقلب الحقائق حتى وإن وصلت إلى حافة الهاوية.

وتاريخ الوعظ حسب الوردي ليس بجديد إنه منذ بواكير الفكر الإنساني، ويصفه بأنه “من نمط التفكير الخبيث، الذي نما في أحضان الطغاة، وترعرع على فضلات موائدهم”، بل يذهب الوردي الثائر على ظاهرة المفكرين الوعاظ إلى أنهم يتبعون أسلوب “الذي يصفق للظالم ويبصق في وجه المظلوم”. وقد امتلأت بلاطات الملوك والأمراء “سابقا” بالوعاظ المتنمرين الذين أنهكوا الفقراء والعامة وأبعدوا أصحاب الأفكار الخيرة.

المستشارون اليوم، في أروقة السياسة والحكم، خلفاء الأسلاف الوعاظ وهم حلقة في إطار الأنظمة الحديثة التي في الغالب هي مكملة للتراجع في مؤسسات السلطة في بعض التجارب حين يقوم هؤلاء بمهمة ملاصقة أصحاب القرار ليكونوا هم المريدون الثقاة ويقلبون معادلة الحكم على أساس الولاءات لا الكفاءات، نتيجة تحريف وتجريف الحقائق وعزل الصالحين من قبل هؤلاء ويحطون في المحصلات والنتائج من مكانة الدولة والحكم معا، ولا يرفعون شأنها، إلا من رحم ربي من الولاة الذين يتمكنون من الاختيار الحصيف بتحشيد نخبة خيرة من الموظفين الذين يجسّرون الهوة مع العامة ويكون وجودهم منة من الله وحسن اختيار الحاكمين، ممن أنصفوا أنفسهم ومعيتهم وشعوبهم ليكونوا أسوة حسنة للشعب، الذي ينهل منهم ويعدهم معلمين كبارا يتصفون بالتواضع والصدق، ليوصلوا معيتهم إلى نتائج باهرة في البناء وقدوة حسنة في العمل والتقوى.

24