وفاء آخر لعدنان حسين

عدنان حسين، هادئ، كفء، ثري، عطوف، وجميل الروح، حتى لو اختلفت معه. يعطيك الانطباع بأنه يقبل كل شيء.
الاثنين 2019/10/14
يتقبله الله بجناحين من العطف والمغفرة

 يعجزني الموت. لا أملك شيئا حياله. حتى البكاء يتأخر لينتظر خلوة مع النفس وصفاء. أو قد ينفجر كينبوع مكتوم.

غياب إنسان شيء قاس. ولكنه محفوف بالذكريات التي تبدو وكأنها نوع من حياة أخرى، حتى ليغمرك الاعتقاد بأن الإنسان يموت ولا يموت. يمضي جسدا، ولكنه يبقى في النفس والقلب والذاكرة. فيبقى حيا حتى تموت أنت نفسك.

وهذا واحد آخر يبقى فيك. لينغص البكاء في عينيك. إنه عدنان حسين. هادئ، كفء، ثري، عطوف، وجميل الروح. حتى لو اختلفت معه، يعطيك الانطباع بأنه يقبل كل شيء، يستوعبه، يأخذك بابتسامة متعالية، حتى لو سخرت مما قد تفترضه موقفا أيديولوجيا جاهزا.

لم أعد أعرف مقدار تحزبه، أو حزبيته، تلك التي تشاركت معه فيها ذات سنين، ولكنها لم تكن شأنا على الإطلاق. هو واحد من القلائل الذين يضعون الحياة فوقها لا تحتها. ولهذا السبب، فإن من طبيعته ألا يتطرف.

هل توفيه أي كلمات حقه؟ الصحافي لا يوفى حقه أبدا. إنه شمعة توجد لتحترق كل يوم. ولئن كان واحدا من أكثرهم براعة وتطويعا، فقد كان –ببساطة الأشياء كلها- يعرف ما يقول، ويقوله. وهذا لغز. إنه واحد من أسرار مهنة لا يدركه إلا من انعجنوا فيها وانخبزوا.

وهو صاحب رأي، إنما من ذلك النوع العريض. ونادرا جدا أن يضيق أو أن يقبل تفسيرا لما قد يضيق. حتى لتشعر أنه، لو كان صحافيا بريطانيا لكان واحدا من القلائل الذين يكتبون باللغة نفسها في الغارديان وديلي تلغراف على سعة المسافة بينهما.

بين “المدى” و”الشرق الأوسط” المسافة نفسها. إلا أنه هو نفسه. ولغته هي ذاتها.

ينحشر في صدري القول حتى ليتوجب عليّ أن أقوله من دون تمهيد. أو حتى لكي أنزعه من نفسي، لا لكي أتحرر من دينه، بل لكي أجعله نوعا من دين عام سأظل أحمله ما بقيت.

في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، كنت لا أزال أتعثر في تشكيل حرف. لاحظ ذلك، فصوبه لي مرة، بنوع من أيسر السبل. بقيت مدينا له، وبقيت أعتبره معلمي إلى يومنا هذا. ولم يكن ذلك هو الدين الوحيد. ثمة من ديون العِشرة، ما لا يسهل تقديمه أو شرحه.

في يوم غيابه، وقفت لأصلي، فصليت لأجل روحه ركعتين. دعوت ربي أن يتغمده برحمته، وأن يتقبله بجناحين من العطف والمغفرة. وأن يبقيه في نفسي حيا لا يموت.

شاهدت الصورة التي اختارتها له “العرب” في مقال رشيد الخيون، لأكتشف كم أنه كان جميل الوجه أيضا. شيء لم ألتفت له من قبل. قررت أن أطبعها لأعلقها في غرفة مكتبي. ليس نوعا من الوفاء لصداقة تقاطعها الفراق، بل نوع من حيلة مع النفس، من أجل القول: ترحم له كلما نظرت إليه، لعل وجهك أنت يبدو أجمل يوم تغيب.

18