وفائي ليلا : دمشق مدينة منتهكة والشعر وخز في القلب

الثلاثاء 2014/03/18
ليلا: الشاعر ميكانيكي العالم الذي يستخدم اللغة لفهم ما يحدث على الأرض

دمشق- يكتب وفائي ليلا قصيدة النثر منذ مطلع التسعينات، جرّب وجازف وتمرّس وأنجز، وكانت أطوار مشروعه الشعري مُلزَمة موضوعيا بالاختمار في سياق مزدوج الضغط بعد تركه لسوريا واستقراره في البحرين؛ «العرب» كان لها هذا الحوار مع الشاعر السوري وفائي ليلا حول تجربته الشعرية وعديد القضايا الأدبية.

عن المؤثرات الأولى التي أسهمت في تكوين وفائي ليلا وتشكيل وعيه الشعري وعن دمشق، يقول ليلا: “المؤثرات الأولى هي أناي وأسئلتي وبعض من ساهم في وضع الكتب بين يديّ لا أعرف من أسهم في ذاكرتي وزرع تلك الخصوبة لعلي نسيت ما أذكره هو أني كنت أهتمّ للقراءة والإنصات للموسيقى ولصور الشارع والناس″.

ويضيف قوله: “أما بالنسبة إلى دمشق فقد كان لها أثر هائل فيما كتبت إنها مدينة كبيرة حقا، وصادف أني شاهدت مرحلة أو مراحل إهانتها في السنوات التي سبقت الثورة والتعامل معها بفظاظة وجهل ممن لا يفهم معنى “المدنية”، ولا معنى التحضر والأناقة.

كنت أحتاج أن أعيشها بكل مخاطرها، وكل تفاصيل يوميات حياتها الظاهرة والباطنة، وأعتقد أنني مازلت أشمّ بعض رائحتها إلى الآن وأمشي على أرصفتها وأتحرّى وجوه ناسها، شحاذيها، وحدائقها وبيوت الدعارة فيها، وأجهزة الأمن التي توسطت أرقى شوارعها.

الشاعر يريد من النص كل شيء ولا يريد أن يهرب من مسؤوليات هذا الوجود وتبعاته

دمشق مدينة أهينت حينما حاول العسكر محو تفوقها وثقافتها، حوّل مسارحها وصالات السينما فيها للعاطلين والهاربين من المعسكرات والوظائف والمدارس″.


تذوق اللغة


هل ما يزال وفائي مسكونا بالهاجس التجريبي اللغوي في نصه الشعري؟ وما هي تأثيرات الواقع السوري في نصه؟ يجيب وفائي، قائلا: “أتذوّق اللغة وألامس أجراسها بتؤدة العاشق، الكلمات لها وزن وإيقاع ومسار من الجمال أحاول أن أكتشف إمكانيات أخرى ومساحات أوسع في الكلمات عبر اللعب بها وتغيير مطارحها وأحيانا تهجينها دون خوف ولا رُهاب تقديس.

اللغة كائن قابل للتطوير وملامسة الحداثة والعصر بكل خفة وليونة وجمال. هكذا أرى وأفعل طوال الوقت”. ويضيف وفائي قوله: “قبل الثورة كان ثقيلا أو مُثقلا بالذات. لم تكن الحياة خارجه، ولم يكن العام يعنيه.

ليلا: اكتشفت كم أنا أنتمي لذلك المكان الذي أنجبني

ربما لأنه اختار أن يكون صدى نفسه فقط، وعذاباته وجروحه الشخصية. وربما كان أيضا أقل رشاقة في تناول النص من جهة التكنيك. بعد الثورة اقتحمت البلاد والناس والأوجاع والأسئلة كل النصوص لديه، وفتحت كل أنهار المشاعر والأحاسيس التي تدفقت بشكل غير مسبوق فغسلته بالجدة والاختلاف.

تذوّقت لأول مرة أن يكون لي وطن، ومدينة، وأم من خلال هذا الذي خلع موتنا من جذره وأنبت لنا أجنحة للحلم والخلاص من هذا المهيمن والثقيل الذي ألجم أرواحنا وقلوبنا. بعد الثورة بكيت ليس من أجلي بل من أجل الناس.

من أجل أوطانهم، وبيوتهم، وأعراضهم وأطفالهم تجدّدت لأنني اكتشفت كم أنا أنتمي لذلك المكان الذي أنجبني، بعد الثورة صرت أسأل عن جدوى الخارطة، وأهمية الأرض أمام قيمة الإنسان وكرامته، العلم مات. وصار يخفق الكائن أعلى. صرت أريد بلادا تليق بالكون وبناس بلادي، بقدر كرامتم وجدّهم، وصبرهم، وكفاحهم. من أجل الكفاية والستر -كما يرون-.

الناس العاديون الذين كنا نشيح النظر عنهم لأنهم ليسوا أكثر من جموع. نحن المثقفين كثير منا خانهم، لأنه أعتقد أنه أعلى وأهم وأكثر اتساعا، ليسقط في الأنانية والقسوة والتعالي والكثير الكثير من التطرف العلماني الذي لا يحترم ولا يتفهم حاجة الناس لمقدسات بسيطة تعينهم على جرّ محراث الحياة الثقيل في حقل التجربة التي يعيشونها بصعوبة هائلة. وأيضا في البحث عن وطن أجمل وأرقى ولقد قدّموا في سبيل ذلك حياتهم. أي أثمن ما يملكون دون تردد”.


وخز في القلب


وعن نص الحداثة، وما الذي يريد خلخلته وتفكيكه “اللغة، الشعر، الشاعر”؟، في هذا الشأن يقول ليلا: “الشاعر يريد من النص كل شيء ولا يريد أن يهرب من مسؤوليات هذا الوجود وتبعاته.

يريد من الشعر أن يقول الأشياء الهائلة القيمة والتي تعبر في كل لحظة مجريات حياته ووجوده، يريد من الشعر فعلا أو حقا أن يخلخل المدى، أن يدرك المعنى، أن يعيد الأمور إلى نصابها.

يريد روح الإنصاف، والعدالة، يريد أن يقول ما لا تستطيع أن تقوله الأشياء المحددة والواثقة من كينونتها ومحكم إغلاقها، خلجات الكائن الأدق، ما لا يستطيع أن يرويه بالضبط، المساحات المجهولة في الحسّ والإدراك والفهم.

اللغة كائن قابل للتطوير وملامسة الحداثة والعصر بكل خفة وليونة وجمال

إنه ميكانيكي العالم الذي يستخدم اللغة بكل أدواتها ومجساتها ومشارطها وإبر رتقها ومقصاتها لفهم هذا الحدث الفريد على هذه الأرض الإنسان.

يريد أن يصل كي يقول الجمال والحكمة وأيضا التشويش والغبش والقليل غير المدرك واللامرئي. السرّ في أبهى غموضه واختلالات فهمه. الشعر عصا الكائن الأعمى كي يُبصر حقا هذا الوجود الساحر الذي تهبه الصدفة -ربما- للكائن ولمرة واحدة وأخيرة”.

ولكن أما زلنا نحتاج لوصف الشعر، لكي نقول إنه شعر؟ يجيب وفائي ليلا قائلا: “الشعر نفسه الآن صار أقل تكلفا وصار بسيطا وعميقا وجارحا وينبض بالحقيقة.

إنه تنهيدة الكائن والصمت الذي يعني تفهّم الأشياء واحترام غموضها الفاتن دون حاجة للشرح. لا شيء يصف عظمة تلاشي هباءة ثلج في يدك إلا حين يوظفها شاعر ليعبّر من خلالها مثلا عن ضياع حبيب.

الشعر شيء واخز في القلب، ولا يمكن تفسيره إلا بابتسامة أو إيماءة رأس. يحدث أن الشعر العظيم يترك أثره في الروح ولا يُمحى.. تعيده الأجيال وتستدعيه كي يقوي إيمانها بها وبالعالم وبخير الكائن والرغبة أن يرقى ويصعد إلى شرفات الآلهة يشاركهم ذاك الخلود، ولو للحظة”.

15