وفاة شادي حبش بين الارتباك الحكومي واستثمار المعارضة

المعارضة المصرية تشكك في رواية الحكومة بهدف حشد الشارع ضدها وتحقيق مكاسب سياسية.
الجمعة 2020/05/08
سجناء الرأي يربكون الحكومة المصرية

تحاول المعارضة المصرية استثمار حادثة وفاة المخرج المصري شادي حبش داخل حبسه، لتحقيق مكاسب سياسية بالتشكيك في رواية الحكومة حول الحادثة، ويستبعد مراقبون أن يلاقي تحريض المعارضة صدى لدى الشارع المصري المنهك في متاعبه الاقتصادية، ووسط التفاف شعبي حول سياسات الحكومة خاصة في معركتها ضد الإرهاب.

القاهرة - بدأت قوى سياسية مصرية معارضة حملة للاستثمار في وفاة المصور والمخرج الشاب شادي حبش بسجن طرة في جنوب القاهرة الجمعة الماضي، وتقديم المسألة على أنها جريمة مكتملة الأركان ارتكبتها الحكومة، والسعي لتحويل حبش إلى أيقونة لإعادة إنتاج مشهد سابق حدث منذ حوالي عشرة أعوام، عندما توفي الشاب خالد سعيد بأحد أقسام الشرطة في مدينة الإسكندرية، وجرى توظيف الحادث لممارسة ضغوط قوية على نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، الأمر الذي وجد تعاطفا من قطاعات عدة، وأدى، ضمن عوامل أخرى، إلى المساهمة في إشعال فتيل ثورة 25 يناير التي أسقطت نظام مبارك.

تؤكد رواية قوى يسارية وإسلامية معارضة، أن شادي حبش البالغ من العمر 24 عاما، ذهب ضحية إهمال جسيم في السجن، وتستند إلى خطاب كتبه داخل محبسه قبل وفاته، بث فيه معاناته، وكشف عن عدم التفاؤل بمصيره.

طالبت الأمم المتحدة بإجراء تحقيق شامل في وفاة الشاب، كما أعربت فرنسا عن قلقها عقب إعلان الوفاة، ودعت القاهرة إلى احترام التزاماتها الدولية، وسط موجة انتقادات قادتها منظمات حقوقية حول ظروف الاحتجاز في السجون المصرية عموما.

قوى المعارضة تعتقد أن النفخ السياسي في قضية المخرج شادي حبش، قد يخلق بيئة مواتية للحراك في الشارع المصري

وردت النيابة العامة في بيان لها الثلاثاء، على التقديرات والتكهنات المختلفة، بأن حبش توفي جرّاء تسمّمه بالكحول بعدما تناول مطهّرا للأيدي ممزوجا بمياه غازية ليكون له تأثير مثل تأثير الخمر، مؤكدة أن رفقاءه في الزنزانة قالوا إنه تسمم جرّاء تناوله مطهّر اليدين الذي يستخدمه السجناء للوقاية من فايروس كورونا.

اعتقل حبش منذ حوالي عامين بعد قيامه بإخراج أغنية مصوّرة للمطرب رامي عصام، سخرت من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ووجّهت إليه نيابة أمن الدولة العليا تهمتي نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة الإخوان التي أسّست على خلاف القانون، ولم يتم تقديمه لمحاكمة خلال هذه الفترة.

أخفق تبرير الحكومة للوفاة، وبدت روايتها الرسمية، بصرف النظر عن صحتها، غير قادرة على إقناع قوى سياسية درجت على التشكيك في تفسيراتها التي لا تلتزم بالشفافية مبكرا، وتفضل الرد بعد انتشار موجات متتالية من الشائعات، ما يجعل تغيير الصورة الذهنية عملية صعبة، وقد تحتاج إلى جهود مضاعفة في المستقبل.

وتقدمت نادية هنري العضو بالبرلمان المصري، قبل أيام، بطلب إحاطة ضد رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ووزير العدل، بشأن وفاة حبش، وطالبت النائبة، المحسوبة على الحكومة، بالإفراج عن السجناء المرضى، وعدم جعل الحبس الاحتياطي عقوبة، وتوفير ضمانات أخرى يمكن اتباعها، ولا يعقل أن يستمر حبس متهم عامين كاملين على ذمة اتهام.

روايات متصادمة

اعتقل حبش منذ حوالي عامين بعد قيامه بإخراج أغنية مصوّرة للمطرب رامي عصام، سخرت من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي
حبش اعتقل منذ حوالي عامين بعد قيامه بإخراج أغنية مصوّرة للمطرب رامي عصام، سخرت من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي

يسوق كل طرف رواية متصادمة مع الآخر، الحكومة والمعارضة. وبدت الأولى كأنها أغلقت الباب مع صدور بيان النائب العام الذي قدم معلومات رسمية للوفاة، بينما لا تزال المعارضة تعزف على وتر المؤامرة، وكشف الحقائق التي تعتقد أن الحكومة لم تقدمها، وقطعت بأن وفاة شادي حبش ليست طبيعية، ما يستلزم ممارسة المزيد من الضغوط الداخلية والخارجية.

تعتقد قوى المعارضة أن النفخ السياسي في قميص أو قضية حبش، قد يخلق بيئة مواتية للحراك في الشارع المصري، ويجبره على استجلاب قميص خالد سعيد الذي نجحت المعارضة في جعله دليلا على بطش جهاز الشرطة في عصر مبارك، والذي كان المدخل الذي استمدت منه ثورة يناير انطلاقتها الأولى.

لم تفلح التضحيات الكبيرة التي قدمها هذا الجهاز، مع الجيش، في مواجهة الإرهابيين، في تغيير الصورة النمطية القاتمة عنه، ولم يتمكن من محو ما يتردد حول استخدامه وسائل غير مشروعة في التعامل مع المعتقلين الذين تضاعفت أعدادهم في السنوات الماضية، حسب تقديرات حقوقية، وأصبحت واحدة من المنغصات التي تؤرق الحكومة المصرية، حيث تستخدمها منظمات دولية في الحديث عن العيوب الكامنة في السجون.

تتكاتف وفاة حبش مع مطالبات حثيثة تنادي بالإفراج عن بعض المعتلقين، وتلقى هذه هوى لدى جماعة الإخوان التي تطالب بإخلاء سبيل قياداتها، بحجة حمايتها من انتشار فايروس كورونا، ومنع نقل العدوى إليها جراء التكدس، وهو ما أدى إلى زيادة تركيز الأضواء على ملف حبش وتعميم إثارته، بغرض وضعه في قالب يتساوى مع خالد سعيد، على أمل أن يؤدي إلى تحرك مشاعر قطاع كبير من الشباب يشعر بعدم الرضا عن الأوضاع العامة في مصر.

يتجاهل أنصار فريق التحريض حجم التحولات التي طرأت في مصر، من نظام وأجهزة أمنية وعسكرية وشعب مؤيد لهم وقوى سياسية ممزقة، وأن السنوات العشر الماضية كافية لتغيير قناعات كل طرف في المعادلة، بحيث يصعب على أي قوى معارضة داخلية أو خارجية هز أركانها، عكس الأجواء التي سادت إبان سعيد، وأسهمت في إندلاع شرارة الاحتجاجات.

نتائج متباينة

المشكلات التي تحيط بالمواطنين أنست شريحة كبيرة منهم السياسة وأمواجها المتلاطمة
المشكلات التي تحيط بالمواطنين أنست شريحة كبيرة منهم السياسة وأمواجها المتلاطمة

تظهر القوى الساعية للاستثمار السياسي في وفاة حبش وكأنها تتعامل مع أوضاع جامدة لم تتحرك قيد أنملة، وترى النظام الحاكم حاليا مرادفا في ضعفه لنظام مبارك، وهي مغالطة واضحة، لأن مبارك وقع في أخطاء منهجية قاتلة ولم يتمكن من إنقاذ نفسه، وترك مؤسساته تعصف بها انتفاضة شعبية في أيامها الأولى، بينما النظام الراهن خبر كل الخبايا السابقة، ولوّح الرئيس السيسي أكثر من مرة بأن ما حدث في 25 يناير لن يتكرر.

علاوة على تزايد التفاف المواطنين حول النظام، حبا أو كرها، حيث يتبنى مشروعات تنموية طموحة ويتجاوب من جزء معتبر من احتياجتهم الرئيسية، كما وفّر الأمن والاستقرار ومنع البلاد من الانزلاق في أتون سيناريوهات وصراعات شبيهة حدثت في دول مجاورة، وعزز قبضته في السيطرة على المفاصل التي قد يتسلل منها القلق والتوتر والثورة.

وتغيرت اهتمامات الناس السياسية وانتقلت إلى مستويات أدنى، ففي ظل أزمة كورونا وما أفضت إليه من تداعيات، لم تُترك مساحة للتعاطف مع شاب توفي في أحد السجون، أو حتى للانشغال بمعرفة الحقيقة، فالمشكلات التي تحيط بالمواطنين أنست شريحة كبيرة منهم السياسة وأمواجها المتلاطمة، وإذا كانت المياه تحركت مع وفاة خالد سعيد فذلك لأن المناخ العام كان مواتيا، والناس مستعدة لتشب على الطوق، وتتمسك بالاحتجاجات كطريق للخلاص.

تشبه طروحات المعارضة الآن من يصر على نزول النهر مرتين، في نفس المكان والزمان، متناسيا أن المياه تتدفق وتتغير ويصعب تكرار ما سبق. من هنا يمكن فهم عدم القبول الشعبي للدعاية التي تقوم بها قوى سياسية مختلفة في قضية حبش، وعدم حدوث أصداء خارج دوائرها القريبة. الأمر الذي يجعل الحكومة لا تفرط في روايتها، بعيدا عن دقتها، وتتعامل مع عملية تشكيك المعارضة فيها على أنها “طق حنق”، أو وسيلة للإيحاء بوجودها في الشارع.

تواجه الحكومة المحاولات المستميتة لإثارة الغبار حول تصوراتها وتصرفاتها بقلب الطاولة على أشرس معارضيها، وهم التيار الإسلامي بفروعه المختلفة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، عبر التركيز على البطولات والتضحيات التي قدمتها الأجهزة الأمنية، جيشا وشرطة، في مكافحة التكفيريين، وهو ما عكسه مسلسل مثل “الاختيار” المعروض حاليا ويحكي جانبا من المآثر الإيجابية لضابط جيش، ويفضح ألاعيب المتشددين.

تعرض هذا التيار لضربة مادية ومعنوية قوية خلال السنوات الماضية، أفرغته من طاقته الصلبة التي مكنته عندما كان قويا من التواجد في الشارع وبين صفوف أحزاب سياسية عدة وقت أن أثيرت قضية خالد سعيد، في حين تلاشى هذا الأمر الآن، ما يفقد الباحثين عن قميص جديد يتشدقون به واحدة من الأدوات التي تزعج النظام.

7