وفاة عرفات: الحرج الطارئ في رام الله

الجمعة 2013/11/15

مرة أخرى نُستدرج جميعا للاندهاش مما كشفته تقارير سويسرية وأخرى روسية عن وجود آثار من مادة البلونيوم 210 المشع في رفات الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. السويسريون يعتقدون أن السمّ المشع تسبب في مقتل الرجل، فيما لا يجزم المختبر الروسي بذلك، ويرى أن الكمية التي عثر عليها لا تسبب وفاةً.

بين المختبرات في سويسرا وروسيا وجهات نظر متباينة في ما هو علمي عقلاني لا يحتمل اجتهاداً أو تأويلا. لكن خروج السويسريين، الذين لجأت زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل إليهم حكماً لتبيان حقيقة وفاة أبو عمار، بالخلاصة الصادرة في التقرير، أعاد تأكيد حقيقة بات الجميع، في فلسطين وخارجها، يدركها من أن وفاة «الختيار» جاءت اغتيالا سياسيا خبيثاً، وليس نتيجة مرض «مجهول» على ما روّج الأطباء الفرنسيون المعالجون.

في المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك آرييل شارون بمناسبة اعتراض اسرائيل (كانون الثاني / يناير 2002) لسفينة كارين A المحمّلة بأسلحة كانت متوجهة إلى غزة، وقيل إن مصدرها إيران، استطاع الصحافيون الحاضرون سماع عبارة التقطها الميكروفون المفتوح خلسة أطلقها رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك شاؤول موفاز وهو يهمس في أذن شارون: «علينا التخلص منه». على أن تلك العبارة المتسربة سهوا أو قصدا، ليست المؤشر الأول على نوايا اسرائيل العدوانية ضد عرفات، فالسوابق كثيرة وهي ضمن سياق دائم.

تعددت محاولات إسرائيل السرية لتصفية عرفات على مدى العقود التي سبقت وفاته، لكن إسرائيل انتقلت إلى الجهر بذلك من خلال استهداف طائراتها لأماكن تواجد الرجل في بيروت أيام حصار عام 1982، ثم استهداف مركز قيادته في تونس، وصولا إلى محاصرته في «المقاطعة» في رام الله. تحدثت مصادر إسرائيلية عن خطط عسكرية للقضاء على أبو عمار في رام الله منعها تعهدٌ قطعه شارون للرئيس الأميركي جورج بوش الإبن بعدم التعرض لحياة الزعيم الفلسطيني.

ولئن كانت إسرائيل تنكرُ الأمر هذه الأيام، فإنها لا تعترف بعملياتها الاستخبارية سواء تعلّق بإغتيال (كعملية قتل القيادي الحمساوي محمود المبحوح في دبي) أو بتدمير مواقع عدوّة (كمستودعات الأسلحة في السودان أو منشآت نووية مزعومة في سوريا). على أن اغتيال عرفات من قبل الأجهزة الإسرائيلية لا يسبب إحراجا داخليا لا داخل المؤسسات، ولا أمام الأحزاب والتيارات السياسية، ولا لدى الرأي العام الإسرائيلي. فقد تشكّل إجماع، على مدى السنوات التي سبقت وفاة عرفات، على كرهِ الرجل واعتباره العدو رقم واحد لدولة إسرائيل.

قبل وفاة الزعيم الفلسطيني بعدة سنوات، إلتقيت بأحد القياديين الفلسطينيين في لندن أوحى إليّ حينها امتعاضا عاماً من أداء عرفات السياسي، محمّلا إياه مسؤولية المراوحة الصعبة للوضع الفلسطيني وتعطيل تسوية أصبحت ناضجة. أردفت الشخصية الفلسطينية هذا الرأي بأن الأمر يحتاج إلى «إرادة ربّانية» لحلحلة الأمور، في إشارة إلى فوائد وفاة الرجل. بعدها بعدة أشهر إلتقيت بوكيل إحدى الوزارات الفلسطينية، وكان في زيارة لبيروت، فكرر لي وجهة النظر الامتعاضية السابقة.

في تلك المرحلة، اشتدت الخصومة بين أبو عمار وحركة حماس التي اتهمت الرجل بالعمالة ونعتته بالأوصاف السلبية المتوفرة، فيما تولى السيّد حسن نصر الله الدعوة إلى قتل عرفات نصرةً لحماس، وتعزيزاً لتيار الممانعة الممتد من طهران إلى غزة مرورا بدمشق وبيروت.

في تلك المرحلة أيضا، استسلم النظام العربي لإرادة دمشق في منع الرئيس الفلسطيني من إلقاء كلمته مباشرة من رام الله في قمة بيروت عام 2002.

في سياق الحصار الإسرائيلي لمقر أبي عمار في رام الله، زار وزير الخارجية الأميركي كولن باول الزعيم الفلسطيني للتوسط، المنحاز طبعا، بينه وبين القيادة الإسرائيلية.

المقاربة الأميركية للشأن الفلسطيني بدأت تأخذُ أشكالاً من المقاطعة منذ فشل مفاوضات كامب دايفيد بين عرفات وأيهود باراك في منتحع كامب دايفيد برعاية مميّزة من قبل الرئيس الأميركي بيل كلينتون (عام 2000)، وربما أن لقاء باول- عرفات الفاشل دشّن مرحلة أخرى من العدمية بين واشنطن والقائد الفلسطيني.

النظام السياسي الدولي (وفق المزاج الأميركي) والنظام السياسي العربي (الذي أهمل التواصل مع «المقاطعة» إبّان الحصار) والنظام السياسي الفلسطيني (المنقسم بين رئيس محاصر ورئيس وزراء معتكف) كان مجمعا على أن ياسر عرفات أصبح حملا زائدا يتمنون زواله. في تقاطع تلك الوقائع المعطوفة على عداء تاريخي إسرائيلي، جرى التخلص من الرجل بالبلونيوم 210 وفق المختبر السويسري المحايد.

الجهة السويسرية تعمل وفق طلب مزدوج من عقيلة الرئيس الراحل وقناة الجزيرة القطرية. سهى عرفات كانت وجّهت قبل يومين من وفاة زوجها نداء من خلال الجزيرة، مُحّذرة من أولئك الذي يريدون «دفنه حياً» غامزة من قناة الدائرة المحيطة بعرفات.

قللت القيادات الفلسطينية من تصريحات زوجة قائدهم (التي لم يهضموا يوماً زواجه منها)، لكنها قلّلت أيضا من تصريحات ناصر القدوة (إبن أخت عرفات وكان وزيراً للخارجية في السلطة الفلسطينية آنذاك) والذي جاهر بشبهة الوفاة وبأن الأمر اغتيال سياسي.

الجزيرة القطرية، صاحبة الهمّة في الكشف عن ملابسات وفاة عرفات، كانت قد تولّت أيضا (في الأول من عام 2011) نشر وثائق سُرقت من مكتب صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، تدين خيارات فريق أبو مازن التفاوضي، على نحو كان يروم إحراج القيادة الفلسطينية في إطار خصومتها مع حماس، لاسيما منذ سيطرة الأخيرة بالقوة على قطاع غزة. لذلك أتى مشروع الجزيرة في الاتفاق مع المختبر السويسري بالتعاون مع سهى عرفات، ليس فقط في سبيل نيل سبق صحفي بريء، بل من أجل النيل أيضا من سمعة القيادة في رام الله من تداعيات كشف سويسري محتمل.

التقارير السويسرية لن تحرج إسرائيل ولن تنال منها. ففي الظاهر هي مُمعنة في النفي وفق تصريحات سلفان شالوم (وزير الطاقة الذي شغل عام 2004 منصب وزير الخارجية، وكان عضوا في الحكومة الإسرائيلية المصغرة المعنيّة بشؤون الأمن) الذي يعتبر الأمر «هراء وزوبعة في فنجان» مؤكدا أن حكومة بلاده «لم تخطط أبدا لإيذاء عرفات بدنياً»، فيما سوابق إسرائيل في استخدام السموم جليّة في محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن، وبشكل لم يعترف به، في اغتيال وديع حداد. ويروح النفي الإسرائيلي في قضية عرفات إلى حدّ ذهاب العقيد السابق في المخابرات الاسرائيلية مردخاي كيدار إلى القول إنه في حال ثبوت فرضية التسمم فإن عقيلة عرفات هي أول المتهمين بدسّ السم.

لكن التقارير السويسرية تُحرج لاشك الجانب الفلسطيني. ذلك أنه حتى لو كانت اسرائيل هي المتورطة في تسميم غريمها، فإن اليد التي دست السم في الماء أو الشاي أو الأكل (وهي الطريقة التي وصل فيها السمّ إلى جسد عرفات حسب الرواية السويسرية) هي يد فلسطينية تنتمي إلى الدائرة الضيقة التي كانت تحيط بالزعيم الفلسطيني الراحل (التقرير يقول أنه انهار مريضا بعد وجبة أكلها في 12 اكتوبر 2004).

يجوز للشبهات أن تتخصّب في هذا المضمار في مسارعة القيادة إلى دفن الرجل وصبّ الإسمنت فوق قبره (قيل منعا لمحاولات سرقة رفاته من قبل أنصاره ودفنها في القدس كما أشيع)، دون كثير اهتمام لدعوات تشريح الجثة، ودون تحقيق جديّ في ظروف وفاة الزعيم التاريخي للفلسطينيين، والاكتفاء بالخلاصات الفرنسية المتعجلة، (إلى درجة إتلاف المستشفى الفرنسي العيّنات الخاصة بعرفات، والتي من المفترض الاحتفاظ بها قانونا لعشر سنوات). ناهيك عن التجاوز السريع للعرفاتية، فلا نعلم عن كتب أو مراكز أو مناسبات لاحياء ذكرى الرجل كواحد ممن صنعوا التاريخ الفلسطيني منذ الستينات.

اللواء توفيق الطيراوي، رئيس اللجنة المكلفة بمتابعة الملف، يعدُ بمواصلة البحث عن اليد التي دسّت السم، بالمقابل يتحدث عريقات عن إمكانية المطالبة بلجنة تحقيق دولية على منوال ما اتبع في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

وفيما يستعر خلاف مملّ هذه الأيام بين حماس وفتح حول إقامة مهرجان في غزة إحياء لذكرى وفاة الزعيم الفلسطيني، يتجنب ناصر القدوة (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حالياً) الدخول في جوّ تلميحات سهى عرفات، ومن ورائها الجزيرة حول احتمالات التورط البيتي. يصوّب القدوة سهامه نحو إسرائيل: «انتهت المجادلة لأن إسرائيل هي الجهة الوحيدة المعنيّة التي يمكن لها امتلاك واستخدام مادة مشعة مثل البولونيوم 210، ناهيك عن كل القرائن والدلائل الأخرى التي كررناها مرارا»، داعيا، إلى نقل ملف التحقيق في وفاته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

بين كشف وآخر، ستتبرع التقارير العلمية بصب زيت على نار، وباعادة فتح ملفات، وبإزالة الغبار عن تاريخ حديث. ستتولى السياسة تدوير الزوايا وتتولى اللجان تمييع القضايا. ستصوّب السهام نحو القاتل الإسرائيلي الكبير، وقد لا نعرف أبداً من هم القتلة الصغار الذين تولوا إزاحة رجل كان يتمنى الجميع إزاحته.

______________


* صحافي وكاتب سياسي لبناني

9