وفاة فلسطينية تعيد جرائم الشرف للواجهة

منظومة القوانين الفلسطينية ما زالت تمييزية وغير متوائمة مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتشجع على العنف الأسري وتحمي مرتكبيه.
الاثنين 2019/09/02
ضحية الشرف

سببت وفاة الفتاة الفلسطينية إسراء غريب صدمة واسعة واحتل اسمها الصدارة على منصات مواقع التواصل الاجتماعي التي تناقلت مقتلها في جريمة شرف على أيادي والدها وأشقائها، بعد ذهابها لملاقاة خطيبها برفقة شقيقته قبل عقد قرانهما.

 الضفة الغربية (فلسطين) - عجت مواقع التواصل الاجتماعي منذ صباح الجمعة الماضي بأخبار تتحدث عن “جريمة شرف” أودت بحياة إسراء غريب (21 سنة) ابنة مدينة بيت ساحور في فلسطين. ووجه مستخدمو مواقع التواصل الاتهامات لعائلتها، بعد انتشار تسجيل يسمع فيه صراخها داخل المستشفى، تم تسجيله قبيل وفاتها.

وأثار مقتل الفتاة الفلسطينية الرأي العام العربي والعالمي، وتم تداول مقطع صوتي لصراخها، وآخر مكتوب، مفاده أن إسراء ذهبت لملاقاة خطيبها برفقة شقيقته في مكان عام وبعلم والدتها، فنشرت مقطع فيديو لهما في حسابها عبر إنستغرام، فما كان من ابنة عمها إلا أن قامت بتحريض والد الضحية وأشقائها عليها، فضربوها بالاشتراك مع زوج شقيقتها ما تسبب في كسر في عمودها الفقري، ليكملوا ضربها بعد نقلها إلى المستشفى، كما فسخوا خطبتها، وبعد خروجها من المستشفى حضر شقيقها من كندا وضربها على رأسها الأمر الذي أدى إلى دخولها في غيبوبة ومفارقتها الحياة.

وأطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ #كلنا_إسراء_غريب وآخر #إسراء_غريب، للتضامن مع الفتاة، وسرعان ما تصدر الوسمان موقع تويتر في عدد من الدول العربية، وأكدوا أن إسراء تجسد قضية كاملة للكثير من الفتيات اللائي يتعرضن للعنف الأُسري في كافة أنحاء العالم.

وطالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان السلطة الفلسطينية بالكشف عن ملابسات وفاة إسراء غريب في الضفة الغربية وما يثار حول مقتلها على خلفية ما يسمى “قضايا الشرف”، والعمل على التصدي للمفاهيم المغلوطة الرامية إلى “لوم الضحية” نفسها وإنقاذ “القاتل” من العقاب.

وقال المرصد ومقره جنيف إنه وفق إفادات جمعها من أصدقاء إسراء ومقربين من عائلتها فإن والد الضحية وأشقاءها ضربوها بشكل مبرح قبل وفاتها، لافتا إلى أنه رصد منشورات على وسائل التواصل تشير إلى تعرض إسراء ناصر غريب، لحالة تعنيف شديدة من أسرتها، ومشيرًا إلى أن صورا لها منشورة في الإنترنت تؤكد ذلك.

العادات والتقاليد الموروثة تلعب دورا أساسيا في تعزيز ظاهرة تعنيف النساء وقتلهن تحت مسوغات لها علاقة بشرف العائلة

وذكر أنه منذ وفاة الضحية في 22 أغسطس 2019، برزت روايتان، الأولى تمحورت حول كون الوفاة طبيعية إثر نوبة قلبية، والثانية ذكرت أن أخاها قتلها عمدًا بعد تعذيبها.

وقال محمد صافي، زوج أخت غريب في مقطعٍ مصورٍ نشره على صفحته عبر موقع فيسبوك إن إسراء توفيت إثر نوبةٍ قلبيةٍ في المنزل، وأن التسجيل الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ويُسمع فيه صوتها تصرخ كان قد سُجِّل قبل أيامٍ عديدة من وفاتها، فيما لم يكن صراخها ناتجًا عن الاعتداء عليها وإنما لأسبابٍ تتعلق بمشكلةٍ تواجهها قال إنه سيكشف عنها لاحقًا. وأضاف صافي أن إسراء لم تعان اضطرابات عقلية أو نفسية، وإنما هناك “شيء ثان، سنوضحه بمقاطع أخرى مع الأدلة”.

وأوضح المرصد أنه بينما أعلنت عائلة الضحية أنها توفيت جراء تعرضها لنوبة قلبية، كشف أصدقاء لها أن حادثة وفاتها بدأت عندما تقدم شاب لخطبتها، قبل أن تخرج برفقة شقيقتها وبعلم والدتها للتعرف عليه بشكل أوسع في أحد مطاعم المدينة، وقاموا بالتقاط فيديو قصير نشرته عبر حسابها على موقع إنستغرام، لتقوم إحدى قريباتها التي شاهدت الفيديو بإخبار والدها وأشقائها.

ونقل عن إحدى صديقات إسراء قولها “قد تكون إسراء فارقت الحياة أثناء محاولتها الهرب من العنف الذي تعرضت له حين قفزت من منزلها، لكن ثمة من أوقف قلبها بالاعتداء عليها والتحريض عليها منذ فترة طويلة”.

وشهدت الضفة الغربية خلال عام 2018 -بحسب إحصائيات رسمية أصدرتها الشرطة الفلسطينية- 24 جريمة قتل منها 12 بالمئة ضد نساء على خلفية ما يسمى قضايا الشرف. وفي مارس 2018 قررت الحكومة الفلسطينية إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات الساري في الضفة الغربية، والتي تعفي مرتكب جريمة الاغتصاب من العقوبة في حال زواجه من الضحية، وتعديل المادة 99 منه التي باتت تحرم مرتكب “جريمة الشرف” من الاستفادة من العقوبات المخففة.

وأفاد المرصد بأنه رغم انضمام دولة فلسطين في العام 2014 إلى العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ودون تحفظات، إلا أن وضعية المرأة وحقوقها في فلسطين ما زالتا بشكل أو بآخر تراوحان مكانهما.

وأشار إلى أن التشريعات الفلسطينية السارية ما زالت تمييزية وغير متوائمة مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، والالتزامات القانونية المترتبة على دولة فلسطين بعد انضمامها إلى هذه الاتفاقيات، وما زالت العادات والتقاليد الموروثة تلعب دورا أساسيا في تعزيز ظاهرة تعنيف النساء وقتلهن تحت مسوغات عديدة تبرر ذلك بمسميات لها علاقة بمفاهيم سائدة مثل “شرف العائلة”، أو “سلوكيات المرأة” والمفاهيم التي تدور في فلك “لوم الضحية” نفسها، وإنقاذ “القاتل” من العقاب.

وطالب بضرورة مواءمة التشريعات الفلسطينية القائمة تجاه المرأة مع التزامات دولة فلسطين وتعهداتها في الاتفاقيات والمعاهدات التي وقّعت عليها.

القتل باسم الشرف جريمة تستحق أشد العقوبات
القتل باسم الشرف جريمة تستحق أشد العقوبات

كما شدد على ضرورة إنجاز برامج تثقيف وتوعية مجتمعية؛ بغرض التأثير في المفاهيم والعادات والتقاليد والسلوكيات التي تعزز دونية المرأة على الرجل والتمييز ضدها على أساس الجنس، وبناء ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع الفلسطيني وحق المرأة في التمتع بجميع حقوقها دون أي شكل من أشكال التمييز.

وفي السياق ذاته أكدت النيابة العامة الفلسطينية في بيان، استمرار التحقيق في قضية وفاة الفتاة إسراء، وتقرير الطب الشرعي لم يصدر بعد، مؤكدة أنها “باشرت بإجراءات التحقيق عقب ورود بلاغ من الشرطة يفيد بوصول جثة الفتاة إلى مستشفى بيت جالا الحكومي”، وأشارت إلى أنها “أجرت الكشف الظاهري على الجثمان، وصدر قرار بإحالته للطب الشرعي لإجراء الصفة التشريحية عليه وفق الأصول”، مضيفة أنها باشرت سماع إفادات الشهود وجمع الأدلة والبيانات الأولية والتحقيق وفقا للوقائع والملابسات.

ومن جانبها صرحت مديرة جمعية “تنمية وإعلام المرأة” (الفلسطينية) سهير فراج بقولها “ما حصل مع إسراء ليس جريمة شرف، إذ لا يمكن لأحد ادعاء ذلك فهو ظلم حتى لإسراء، والقضية بالنسبة لنا شبهات عنف أسري فالأسر تعتقد أنها بذلك تربي بناتها، ويمكن القول إن النميمة والشائعات هما ما دفع إلى هذه الكارثة، ونتكلم عن تقصير في الجانب الطبي وتعاطي المنظومة الطبية مع شائعات الشعوذة ولبس الجن وهذا ما نرفضه تماما، وحتى إن كانت نتائج الطب الشرعي تشير إلى أن سبب موتها جلطة نحن نرفض ذلك، فقد يكون السبب خلف الجلطة الكسر في عمودها الفقري ربما نتيجة عنف أسري شديد”.

كما أفادت في تصريح لموقع “النهار” بأن “منظومة القوانين الفلسطينية تشجع على العنف وتحمي المعنف ونحن كجمعية نطالب بإقرار قانون حماية الأسر من العنف، وتغيير قانون العقوبات الذي يحمي الجاني لا الضحية، وبتعديل الإجراءات والسياسات في مراكز تقديم الخدمات للنساء حيث يسهل النظام الموجود حاليا العنف على الرغم من أن لدينا نظام التحويل الوطني للنساء المعنفات لكن غير مفعل، وحتى الأجهزة الطبية والأمنية ضعيفة لعدم وجود إمكانيات وتأهيل وكوادر كافية للعمل في قضايا كهذه”.

وكتبت مؤسسة “أبعاد” اللبنانية في صفحتها على فيسبوك، “نضم صوتنا إلى جميع المدافعات عن حقوق النساء الإنسانية في وطننا العربي.. كلنا نريد العدالة لـ #إسراء_غريب، كلنا نريد العدالة لكل النساء. القتل باسم الشرف جريمة تستحق أشد العقوبات”.

21