وفدا الحكومة والمعارضة السورية في جنيف.. تسجيل حضور دون أفق

تواجه الجولة الجديدة من المفاوضات بين الحكومة والمعارضة السوريتين، كما سابقاتها، تباينا في المواقف يحد من إمكانية تحقيق اختراق على طريق حل الخلافات. ويلتقي وفد النظام السوري، وعلى رأسه مبعوث سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري، بممثلي المعارضة، فيما تبقى العناوين الرئيسية للخلاف محل جدل وعدم توافق. ولا يتوقع أن يكون للتغير الكبير في السياق العسكري الداخلي والسياسي الإقليمي والدولي، التأثير الكبير على القضايا التي لازمت الجولات السابقة من المحادثات.
الخميس 2017/02/23
طال الانتظار

جنيف - تُستأنف محادثات السلام السورية في جنيف، اليوم الخميس، بعد تعليقها لمدة عشرة أشهر، ضمن جولة جديدة تواجه معوقات عدة تحد من إمكانية تحقيق اختراق في طريق إنهاء الحرب المستمرة منذ حوالي ست سنوات.

ولا يأمل الأمين العام الجديد للأمم المتحدة في حدوث انفراجة مؤثرة في جنيف 4. ويشاطره الموقف مبعوثه الخاص لسوريا ستيفان دي ميستورا، الذي قال في تصريح صحافي الأربعاء إنه “لا يتوقع اختراقا” في محادثات السلام السورية في جنيف لكنه أعرب عن الأمل في أن تتمكن الأطراف من تحقيق “زخم” باتجاه التوصل إلى اتفاق.

ويأمل دي ميستورا في حمل الأطراف السورية المتحاربة على اللقاء وجها لوجه على النقيض من العام الماضي عندما كان مضطرا للقيام بزيارات مكوكية بين الوفود في محادثات غير مباشرة أثبتت عدم جدواها.

وسيقود السفير السوري لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري وفد الحكومة بينما سيكون وفد المعارضة، المؤلف من 22 عضوا، بقيادة نصر الحريري، ويتولى المحامي محمد صبرا دور كبير المفاوضين. ويشارك في جولة المفاوضات الرابعة أيضا وفدان من مجموعتين معارضتين أخريين تعرفان باسمي “منصة موسكو” و”منصة القاهرة”.

تضم “منصة موسكو” معارضين مقربين من روسيا أبرزهم نائب رئيس الوزراء سابقا قدري جميل، أما “منصة القاهرة” فتجمع عددا من الشخصيات المعارضة والمستقلة بينها المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية جهاد مقدسي.

آمال محدودة

يتوقع منذر آقبيق، المتحدث الرسمي لتيار الغد السوري، أن تكون المفاوضات صعبة وطويلة، وستكون هناك جولات متعددة، مشيرا في تصريحات لـ”العرب” إلى أنه لا توجد أي أوهام لدى أي طرف من المعارضة بإمكانية حصول اختراق سريع في مسار الحل السياسي في سوريا، حيث مازالت المسافات متباعدة جدا بين نظام الأسد والمعارضة رغم ذهاب الجميع ضمن مرجعيات محددة وهي بيانا جنيف وفيينا وقرارات مجلس الأمن ذات الصِّلة.

أما عن هيئة التفاوض فمازالت تغفل شيئا هاما وهو أن الحل السياسي في سوريا يجب أن يكون بتوافق جميع الأطراف بما فيها من يتبنون وجهات نظر مختلفة، وكذلك من هم في صف النظام حاليا، والمكونات المختلفة مثل الأكراد وغيرهم، ومن هم على الحياد.

ويؤكد آقبيق أنه لن تنتصر وجهة نظر واحدة في سوريا على وجهات النظر الأخرى، إنما المسار التوافقي هو المسار الوحيد المتاح في ظل المعطيات الحالية سواء العسكرية الداخلية منها أو العوامل الإقليمية والدولية.

منصة موسكو تضم معارضين مقربين من روسيا ومنصة القاهرة تجمع عددا من الشخصيات المعارضة والمستقلة

وقال “لسنا راضين في تيار الغد عن وفد المعارضة، حيث أغلبهم كانت لديهم خيارات خاطئة في الماضي القريب، وبالتالي من المتوقع أن يستمروا في ذلك. ومن حيث بروز ممثلي الفصائل العسكرية كمفاوضين سياسيين مازلنا لا نعلم إن كان (ذلك) مفيدا للعملية السياسية. وفي نفس الوقت تيار الغد لا يعارض العملية التفاوضية في جنيف، فالحديث على الطاولة أفضل بكثير (من الحديث) عبر المدافع”.

لطالما شكلت عملية الانتقال السياسي نقطة خلافية بين الحكومة والمعارضة خلال جولات التفاوض الماضية، إذ تطالب المعارضة بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات تضم ممثلين للحكومة والمعارضة، مشترطة رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، في حين ترى الحكومة السورية أن مستقبل الأسد ليس موضع نقاش وتقرره فقط صناديق الاقتراع.

ومن المتوقع أن يلتزم الجانب الحكومي بموقفه بأن كل “المعارضة المسلحة إرهابية”. ولأن الأسد في وضع أقوى عسكريا مما كان منذ سنوات فإن لدى الحكومة خيار مواصلة تفوقها على الأرض إذا لم تحصل على مبتغاها من مائدة المفاوضات.

وستضغط المعارضة من أجل إطلاق سراح سجناء ورفع الحصار الذي تفرضه الحكومة في عدد من المناطق وفوق كل ذلك من أجل الانتقال السياسي الذي سيؤدي إلى إنهاء حكم الأسد. وهذه النقطة بالذات ينظر إليها على أنها المعطل الرئيسي لأي انفراجة في المفاوضات.

وتدرك المعارضة أن هناك واقعا جديدا على الأرض في سوريا وهناك تغيرات على الساحة الدولية وأن الأوضاع ليست مثلما كانت في 2011، وأن مفاوضات جنيف 4 تختلف عن جنيف 1 و2 و3، كما تختلف عن المفاوضات التي تمت منذ وقت قريب في أستانة، عاصمة كازاخستان.

الظروف الميدانية والوضع السياسي تغيرا، والمتابع لهذه التغيرات يجد أن روسيا لها أدوار متعددة فيها، فهي تدعم نظام الأسد وحليفته إيران، لكنها تفتح أبواب التقارب مع تركيا الداعمة للمعارضة، وسعت مؤخرا لسحب البساط من محادثات جنيف عبر تنظيم محادثات في أستانة.

لكن بحلول الجولة الثانية من المحادثات ازداد الوضع سوءا فقد كانت المعارضة السورية تناقش حتى اللحظات الأخيرة مسألة حضور المحادثات من عدمه قبل أن ترسل في نهاية المطاف وفدا مصغرا وصل إلى عاصمة كازاخستان لانطلاق جولة جديدة. وأفضت العداوة العميقة بين طرفي الصراع السوري والتناقضات بين الجهات المشاركة في رعاية المفاوضات إلى قطع الطريق أمام الخطة الروسية.

ورغم أن روسيا لن تلعب أي دور مباشر في المحادثات، على غرار إيران وتركيا، إلا أن ذلك لا ينفي قدرتها على التأثير في مجريات المفاوضات. وروسيا، وفق آقبيق، تبدو الآن اللاعب الأهم في الشأن السوري، وبدأت المعارضة، بمختلف أطيافها، تدرك ذلك بعد أن كان الكثير منها في حالة إنكار للأمر.

ويضيف آقبيق “روسيا تقول إنها ملتزمة بالحل السياسي التفاوضي بين السوريين بحسب بيان جنيف، ولكن علينا أن نتابع ونرى مدى التزام روسيا بذلك، والأهم مدى رغبتها، وقدرتها في نفس الوقت على الضغط على نظام الأسد من أجل التعاون الجاد في موضوع الانتقال السياسي الحقيقي، وهو مفتاح الحل” .

وصرح إبراهيم الجباوي،العميد المنشق عن الجيش السوري، لـ”العرب” بأنه يتبنى الرأي القائل إن روسيا لا تريد نهاية للأزمة السورية إلا وفق منظورها؛ فقد سعت منذ جنيف 1 وحتى اللحظة إلى إفشال كل ما يتعلق بالمفاوضات وعرقلة نتائجها.

وستعمل كذلك على عرقلة جنيف 4؛ حيث أن جنيف ليس من إنتاجها ولم تكن مخرجات جنيف 1 كما تريد، لذلك أنتجت منصة موسكو ومن بعدها منصة أستانة إضافة إلى مشاركتها ودعمها لمنصة القاهرة ثم أخيرا منصة حميميم.

وأضاف الجباوي أن روسيا تستغل خمود الدور الأميركي لمحاولة فرض حلول تلبي رغباتها، لكن تلوح بوادر تغيير في الأفق الأميركي.

إبراهيم الجباوي: روسيا لا يمكنها أن تكون راعية لعملية سلمية في سوريا ولا حتى ضامنة للهدنة

الموقف الأميركي

لم يصدر عن دونالد ترامب، الذي طلب من البنتاغون خططا جديدة قبل نهاية فبراير لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، أي مؤشر على مشاركة بلاده في جهود حل النزاع الذي أدى إلى مقتل أكثر من 310 آلاف شخص ونزوح الملايين. لكن، المحلل السياسي عطا كامل يرى أن الموقف الأميركي، رغم أنه لم يتبلور بعد بشكل كامل، فإن التصعيد ضد إيران سينعكس برأيه إيجابيا على أجواء المفاوضات.

وأشار عطا كامل، في تصريحات لـ”العرب” إلى أن روسيا ﻻ تبحث عن حل بقدر ما تبحث عن بعثرة كل اﻷوراق والظهور أمام العالم على أنها تبحث عن حل لتخفيف وطأة الضغط الدولي عنها للدور الذي تمارسه في سوريا.

وترى مرح البقاعي، مستشارة الهيئة العليا للمفاوضات، أن الموقف الأميركي بدأ يتبلور بالتأكيد على مشاركة التحالف في تحقيق المناطق الآمنة مع القوات الموجودة على الأرض. وسياسيا أعرب وزير الخارجية ريكس تيليرسن في مؤتمر ميونيخ للأمن عن أن لا تواصل مع روسيا في الشأن السوري ما لم تفرق موسكو بشكل واضح بين ما هو إرهاب وما هو معارضة معتدلة.

وتخشى بعض شخصيات المعارضة ودبلوماسيون غربيون وعرب أن يستمر العنف إلى ما لا نهاية إذا بقي الأسد في السلطة، لكن ذلك لا يعني التخلي عن مطالب الشعب السوري المحقة التي تبناها المجتمع الدولي أيضا، كما أكدت على ذلك مرح البقاعي، مشيرة في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن وفد المعارضة جاهز بالخبرات والوثائق والإرادة السياسية من أجل إنجاح العملية التفاوضية وتنفيذ القرارات الأممية التي أقرها المجتمع الدولي، وأي فشل تتحمل مسؤوليته الأطراف الأخرى وليس المعارضة.

6