"وفرة الاختيار".. مسرحية يقرر فيها الجمهور بقية الحكاية

المسرحية تطرح أسئلة وجودية عالقة مفادها، هل يختار الإنسان حياته، أم الحياة هي التي تختاره؟
الاثنين 2021/07/19
أربع نهايات ممكنة لنص واحد

على خشبة مسرح ميشيل بباريس يتواصل عرض مسرحية طريفة بعنوان “وفرة الاختيار” لسيباستيان أزّوباردي، حيث يجد البطل نفسه في كل مرة أمام أكثر من خيار، فيستعين بالجمهور، وعلى ضوء ما يراه، يوجه حكايته هذه الوجهة أو تلك.

المرء مدعوّ في حياته إلى خيارات، ولكنه لا يدري بالضبط إن كان ما يقرّره هو الخيار المناسب. لذلك غالبا ما يلجأ إلى صديق أو قريب ليسأله رأيه في ما قرّر، ولكن دون أن يكون واثقا تماما أن ما نُصح به هو الرأي السليم، فقد يتّضح له أن الطريق الذي اختاره ليس ما كان يرجوه. ثمّ إن بعض القرارات التي يتّخذها، وإن كانت تخصّ حياته الشخصية، يمكن أن يكون لها تأثير على من حوله. ومن هنا تأتي صعوبة الحسم.

فهل يختار الإنسان حياته، أم الحياة هي التي تختاره؟ هل يوجّه مسيرته كما يريد؟ أم أن عوامل أخرى تحدّد وجهته؟

هذه الثيمة، ثيمة تعدّد الخيارات التي يواجهها الإنسان في كل مرحلة من حياته، فيقف أمام كثرتها حائرا لا يعرف ماذا يقرّر، هي التي يعالجها المخرج والممثل سيباستيان أزّوباردي في مسرحية “وفرة الاختيار” التي تعرض حاليا على خشبة مسرح ميشيل بباريس. حين تطرأ على المرء مسألة تتطلب الحسم، يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يغامر فيختار بنفسه عن قناعة، وإمّا أن يعجز عن تلمّس طريقه بنفسه، فيلجأ إلى قريب أو صديق كي يهديه إلى سواء السبيل.

مكسيم بطل هذه المسرحية يعيش أزمة وجودية. عندما أتمّ عامه الخامس والثلاثين، بدأ يندم على ما فات، ويحسّ أنه أبعد ما يكون عن الحياة التي كان يأملها. فهو يمارس عملا لا علاقة له بما كان يرغب فيه، ويعيش مع امرأة وكان قد عشق سواها ولم يسع للارتباط بها. أي أنه وجد نفسه في مفترق طرق ولا بد من اتخاذ قرارات هامة.

بعد أن يلمّح للوضع الذي هو فيه، والمشكلة التي يواجهها، يتوجّه إلى الجمهور يسأله “وأنتم، ماذا ستفعلون؟”، وهو دائما موزّع بين الحياة الهادئة والمغامرة، بين العقل والعاطفة. ذلك أنه وجد نفسه صدفة أمام مشكلة: من ناحية، هو في وضع مهني وعاطفي مريح، فهو يعمل في مصاغة صهره وله زوجة، ليونور، تشاركه حياته، ولكن من ناحية أخرى، تظهر ألِيس، حبيبة شبابه الفاتنة بعد غياب دام عشر سنوات، فتحضره ذكرى تلك الأيام التي قضياها معا، في حياة بوهيمية تجللها سهرات على أنغام الروك وعيش اللحظة بنهم.

الغاية من العرض ليست مجرد تلاعب نصي ومسرحي، بل دعوة المتفرج إلى التفكير في خياراته الحياتية

كان قد نسي كل شيء، ولكن ظهور الفتاة التي أحبها ولّد في نفسه رغبة إحياء ذلك الماضي الجميل. فماذا يفعل؟ هل يترك زوجته ويلحق بصديقته؟ أم يعيش عيشة مزدوجة، بين زوجة وعشيقة؟ أم يلعن طيشه ويغلق شفتيه عن ذكر حبيبته الأولى نهائيا ليظل وفيا لزوجته؟

وهو على الخشبة، يتوقّف فجأة، ويلتفت إلى الجمهور ليختار من بينه واحدا يتوجّه إليه بسؤال “وأنت، ماذا كنت ستفعل؟ هل تقضي نهاية الأسبوع مع ليونور في ضاحية هونفلور، أم تخيّر سهرة مع أليس؟”.

وحين يجيب المتفرج “هونفلور!”، يردّ عليه مكسيم “ليس هذا ما كنت أرغب في سماعه، ولكنه عين العقل”، قبل أن يسترسل في سرد حكايته وأداء دوره، ولكن وفق ما اقترحه المتفرّج، أي بالبقاء مع زوجته. على هذا النحو يخاطب مكسيم الجمهور عدّة مرّات، ولكنها مرّات محسوبة ومدروسة.

فلئن كان الجمهور يقرّر، فإن مكسيم هو الذي يوجّه مسار المسرحية، بإلقاء سؤال على شخص واحد في كل مرّة، لأن المتفرّجين معا لا يقولون الحقيقة، ولذلك يفضل أن يضع الشخص المعني أمام إحساسه الخاص.

وبذلك يزداد اهتمام المتفرّجين، لكونهم معنيين بالأمر، يشعرون أنهم يمكن أن يغيّروا مسار الأحداث، لاسيما أن الإشكاليات المطروحة هي من واقعهم اليومي، وعرضها بشكل كوميدي يزيد تفاعلهم.

الجديد أن المخرج اعتمد، شأن أغلب المخرجين في مطلع هذا القرن، على التفاعل ولكن بإعطائه بعدا جديدا يتميّز عمّا يسمى بالفرجة الحية، حيث يستطيع الممثلون أن يتفاعلوا مباشرة مع الجمهور. ولئن سبق لأزّوباردي أن توسّل بهذه التقنية في أعماله السابقة لاسيما مسرحية “آخر قطع مقص”، فإنه طوّرها في هذا العمل، حيث تمضي أحداث المسرحية وفق رغبات الجمهور. ولا يعني ذلك أن في الأمر ارتجالا، فالمسرحية محبوكة بإتقان، وأيّا ما تكن النهاية، فالحكاية التي تسردها تبدو مقنعة.

يقول أزّوباردي “أريد أن أشرك الجمهور، غايتي من وراء ذلك أن تكون المسرحية مختلفة عن سابقتها عند كل عرض. في شجرة الأحداث توجد تفرّعات، وأربع نهايات ممكنة، لخلق توازن بين النص والمشاركة”.

والغاية ليست مجرد تلاعب نصي ومسرحي، بل دعوة المتفرّج إلى التفكير في خيارات حياته، والتساؤل عمّا يعترضه هو نفسه حين يجد نفسه في موقف البطل: هل يحيا الحياة التي كان يحلم بها حقا؟ وإذا كانت للمسرحية أربع نهايات ممكنة، فإن الموعظة الأخلاقية التي يمكن أن تستخلص منها هي أن الإنسان يمكن أن يغيّر مجرى حياته، سواء من تلقاء نفسه، أو بنصيحة أقربائه وأحبابه.

16