Push Message
المخرج الجزائري محمد الأخضر حامينا أخرج فيلما يشبه معاناة شعبه ليعترف به صنّاع السينما كواحد من أجمل ما "قالته الكاميرا" في تلك الفترة.

وقائع سنوات الجمر.. حين نطقت سعفة كان الذهبية بلسان عربي

المخرج الجزائري محمد الأخضر حامينا أخرج فيلما يشبه معاناة شعبه ليعترف به صنّاع السينما كواحد من أجمل ما "قالته الكاميرا" في تلك الفترة.
السبت 2019/01/05
الممثلة الأميركية آن مارغريت تقدم سعفة كان الذهبية للمخرج الجزائري محمد الأخضر حامينا تتويجا لفيله وقائع سنوات الجمر في 24 مايو 1975 خلال الحفل الختامي لمهرجان كان السينمائي الثامن والعشرين.

ما زال فيلم “وقائع سنوات الجمر” للمخرج الجزائري محمد الأخضر حامينا، يُعتبر “درّة العرب اليتيمة” في تاريخ مهرجان كان السينمائي الذي يعدّ من أعرق وأرقى في الاحتفاء بالفن السابع منذ انطلاقته الحقيقية في أواسط الأربعينات من القرن الماضي.

يرصد الفيلم معاناة الشعب الجزائري مع واقعه الاقتصادي والاجتماعي والطبيعي في أربعينات وخمسينات القرن الماضي قبل نضاله ضد الاستعمار الفرنسي بذلك المفهوم الدعائي الذي عودتنا عليه سينما البروباغندا السياسية رغم طابعه الملحمي وحسّه الثوري الغاضب.

نال الفيلم السعفة الذهبية لمهرجان كان عام 1975 في حدث يعدّ استثنائيا، ولم يتكرر إلى الآن مع السينما العربية رغم بعض التكريمات والجوائز الجانبية والخاصة التي حظي بها سينمائيون عرب من أمثال الراحلين، اللبناني مارون بغدادي والمصري يوسف شاهين، لكن السعفة الذهبية لم تمنح إلا للجزائري الأخضر حامينا الذي أنجز عملا سينمائيا عدّه النقاد، آنذاك، الأضخم خارج هوليوود، خصوصا أنه صوّر في بلد لم تمر إلا سنوات قليلة على حرب تحريره التي راح ضحيتها مليون ونصف مليون من المقاتلين لأجل الاستقلال الوطني، وكذلك جاء التكريم والتتويج من بلد المستعمر، في حدث أثار الكثير من الجدل حول حقيقة توجّه الفيلم وأطروحاته الفكرية والجمالية. صوّر فيلم “وقائع سنوات الجمر” الحياة القبلية في جبال الجزائر، في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، والتي كانت تعيش على حياة التنقل في الصحراء والرعي، ثم لم تلبث أن تحوّلت الصحراء إلى ساحة للقتال المستميت في سبيل الماء ومن أجل نيل الحرية، ويغلب على الفيلم روح التراجيديا، حيث سادت فيه مناظر البؤس والألم، والمجازر الدموية للمئات من المواطنين.

عرض المخرج الفجيعة الاقتصادية والاجتماعية للشعب الجزائري في تلك الفترة، وصوّر مشاهد الجفاف والبؤس، والنزاع على المياه بلغة سينمائية مرعبة في قسوتها ومقاربتها لواقع يشبه الكابوس، إذ تسيل الدماء لأجل الماء أكثر من سيل المياه نفسها، ويحس المشاهد بصعوبة الحصول على الطعام عبر صعوبة مضغ الطعام نفسه.

تقصد هذه الجحافل المغلوبة على أمرها، قبر الوليّ الصالح “لينوب عنها ويتوسّط لها عند الله لسقيها”. يهاجم الإمام تزايد شرب الخمر الذي سبّب غضب الله والجفاف. هذا الواقع هو الذي ألهم كاتبا جزائريا مثل مالك بن نبي، فكرة قابلية الشعب للاستعمار.

تم تقديم الأنثروبولوجيا القروية في الفيلم بصفة سردية لا وصفية، ففي لحظة غضب يفرّ “أحمد” من الحقل، بينما بقي المترددون يستظلون بالحضور الهائل لسلطة شيخ الضريح كقوة حامية وموحِّدة. رحل أحمد إلى المدينة مسلحا بدعاء شيخ الضريح. وصل فقاده مجنون يخطب في مقبرة نحو غايته. مع هذا العبث يبقى مرور الزمن وأثره واضحا بين اللقطات. فقد تسببت الهجرة نحو المدينة في تحول ديموغرافي أثّر على الوضع السياسي والاجتماعي. في المدينة وباء وحظر تجوّل ورجل يراوغ الموت عبر الدروب.. هذا المشهد الذي عاشه فرانز فانون، كطبيب وخلّده ككاتب طليعي في هجائه للاستعمار وتمجيده لنضال الشعوب المضطهدة. يبدو أن ذاك الوباء هو الذي ألهم ألبير كامو، ليكتب روايته “الطاعون” الحاصلة على جائزة نوبل 1960.

وقائع سنوات الجمر، شريط غاضب. ينتمي إلى سينما تلك النخبة الثورية التي لم تضيع البوصلة عبر مغازلاتها للجهات الحزبية الحاكمة باسم الثورة والدفاع عن الشعب، بل أدان الجميع، وحمل المسؤولية للشعب نفسه عبر إدانة الفكر الغيبي الذي يحكمه ويتحكم في مصيره

لقد تحالف الجهل وغضب الطبيعة لتعميق فجيعة الشعب. ولكي يصل المخرج مطلع الفيلم بوسطه جعل الماء سبب التحوّل بل إنه يشبه شخصية فاعلة في الأحداث وليس مجرد مشهد أو خلفية تؤثث كادرا سينمائيا. اتضح أن ما يتقاتل عليه الجزائريون متوفر، لكنه محتكر من قبل المعمّرين الفرنسيين. يظهر القتال على الماء أن الشعب غير موحّد، بل قبلي. ويتم تفجير السد للحصول على الماء.. وهكذا يصبح عامل التفرقة سبيلا إلى الوحدة.

“وقائع سنوات الجمر” فيلم يمجّد الثورة وينتهي بتفاؤل، ينتهي بطفل يجري نحو أفق مفتوح. لكن ذلك لم يشفع لحامينا، فلقد تم وقف تمويل أفلامه رغم السعفة الذهبية التي حصل عليها. ويقول نقاد إن “الرفاق في حزب جبهة التحرير الجزائرية أحبوا السعفة وخجلوا من صورة الشعب غير الاشتراكي في أفلام حامينا.. فيلم عن جزائر زراعية لا عن جزائر صناعية ثورية كما حلموا وتوهموا”.

الإشارة أو الرسالة التي بعث بها المخرج الجزائري محمد الأخضر حامينا، في فيلمه وقائع سنوات الجمر، الفيلم العربي الوحيد الحاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1975، حول سطوة الغيبيات وتغلغلها في ذهنية المجتمع الجزائري، جعلت الرئيس الجزائري هواري بومدين، آنذاك، يأمر بهدم عدة أضرحة وزوايا يتجمّع حولها الجزائريون ويطلبون منها المباركة.

يرصد الفيلم الذي تمتد أحداثه مراحل عمرية متفاوتة لفئات اجتماعية مختلفة في الأربعينات، تجمعها حياة البؤس والتشرد، إذ نلمح شخوصا تركت لأقدارها مثل “أحمد” ذاك الذي فقد جميع أفراد أسرته ما عدا ابنه الرضيع.. وهنا يولد مفصل الحكاية وتبدأ الغواية السينمائية.

وقائع سنوات الجمر، شريط غاضب. ينتمي إلى سينما تلك النخبة الثورية التي لم تضيع البوصلة عبر مغازلاتها للجهات الحزبية الحاكمة باسم الثورة والدفاع عن الشعب، بل أدان الجميع، وحمّل المسؤولية للشعب نفسه عبر إدانة الفكر الغيبي الذي يحكمه ويتحكم في مصيره.

نحن إزاء عمل سينمائي “يتحمل مسؤوليته” بقوة وعنفوان على المستوى السردي والجمالي، ويقدّر بإخلاص ماذا يفعل بميزانية ضخمة رصدت لإنتاجه في بلد لم تندمل جراحه بعد، يعطي كما من المال لأحد أبنائه لعله يصنع شريطا يخبر عنه، ويوصل رسالته إلى العالم.

وقائع سنوات الجمر، حاز على السعفة الذهبية بمهرجان كان عام 1975 وهو الفيلم العربي الوحيد إلى حد الآن الحائز على هذه الجائزة، وهو عمل سياسي تاريخي عن رجال يهربون من الأرض اليباب للانخراط في جيش الاحتلال
وقائع سنوات الجمر، حاز على السعفة الذهبية بمهرجان كان عام 1975 وهو الفيلم العربي الوحيد إلى حد الآن الحائز على هذه الجائزة، وهو عمل سياسي تاريخي عن رجال يهربون من الأرض اليباب للانخراط في جيش الاحتلال

الأخضر حامينا لم يخن الأمانة. وأخرج فيلما يشبه معاناة شعبه ليعترف به صنّاع السينما كواحد من أجمل ما “قالته الكاميرا” في تلك الفترة، ولذلك احتد حوله السجال حتى كاد مشاهدوه أن ينقسموا إلى معسكرين بسبب حسه التوثيقي وسرديته المربكة للجميع.

 عرض الفيلم صورا توثيقية لمجزرة سطيف 1945 التي ارتكبها المستعمر الفرنسي في حق الشعب الجزائري. هنا تحدد الخيار: إما نضال سياسي قد يضيع الوقت وإما نضال مسلح قد نفنى من خلاله، لكن الاستعمار دخل بالسلاح ولا بد أن يخرج بالسلاح.. هل هي مقولة صالحة لكل الأزمنة والأمكنة؟ قدّم الفيلم فصيلين سياسيين متصادمين، لكن سيلان الدم وحّدهما.

كلما نوقشت المشاركة العربية في مهرجان كان ذكر فيلم وقائع سنوات الجمر باعتباره الفيلم الوحيد الحاصل على السعفة الذهبية. فيلم سياسي تاريخي عن رجال يهربون من الأرض اليباب للانخراط في جيش الاحتلال عند أربعينات القرن الماضي. مجذوب (درويش) يقدّم محاكاة ساخرة للتعبئة في مقبرة. حكاية كثيفة فيها قدرة هائلة على تركيب وتشبيك خطوط أنثروبولوجية واقتصادية وسياسية بدءا من قاع سحيق فيه صورة مريعة لفقر الشعب.

ظلم ذوي القربى

لم ينج فيلم وقائع سنوات الجمر من نظرية المؤامرة، وحمى التشكيك في صدقية التتويج. ففي الوقت الذي اعتبره البعض، من خلال عرضه وفوزه في مهرجان كان نوعا من “الثأر” للثقافة الجزائرية من البلد الذي كان مستعمرا للجزائر، لم يفت البعض الآخر أن يهاجم الفيلم باعتباره مواليا لفرنسا، وأن يقول إن هذه الموالاة كانت سبب فوزه. وكانت حجّة هذا البعض أن الفيلم، فيما يتحدث عن مسار الثورة الجزائرية، توقف طويلا عند التناقضات في صفوف الجزائريين أنفسهم أي أن تآكل الثورة مردّه لأصحابها والقائمين عليها.

ردا على هذا اللغط، قال مخرج الفيلم محمد الأخضر حامينا في إجابته عن تساؤلات الصحافيين “لقد قلت وأكررها: أنا لم أصنع هنا فيلما تاريخيا. فيلمي هذا ليس سوى رؤية شخصية وإن كان يستند إلى وقائع محددة (…) ولم أزعم أبدا تقديم رؤية شاملة لما كانت عليه الجزائر كلها خلال الفترة التاريخية التي أتحدث عنها، خصوصاً أنني، أنا شخصيا، كنتُ خلال تلك الفترة أعيش منزويا في قرية صغيرة”.

تستند رؤية الفيلم إلى مرجعيات تاريخية في ما يشبه الحس التسجيلي، إذ يظهر التصنيف في عناوين يظهر كل واحد منها على الشاشة تبعا لمجرى الأحداث التاريخية: سنوات الرماد، سنوات الغربة، سنوات الجمر، سنوات الحملة، سنوات النار، الأول من نوفمبر 1954، الحادي عشر من نوفمبر 1954… وهكذا.

واضح هنا أن التقسيم الذي يورده الأخضر حامينا في كلامه، بعدما أورده في سياق الفيلم، إنما يعكس تتابع الأحداث والحقب التاريخية التي قادت إلى الثورة الجزائرية. والمدهش هنا أن هذا المخرج، سعى إلى تقديم صورة تاريخية لمجريات الثورة، في الوقت الذي عرف كيف يضفي على تتابع الأحداث ذلك، طابعا ذاتيا.

الأخضر حامينا فسر ذلك بأن قال “في تلك الآونة لم يكن لدى الفلاحين وعي سياسي بالمعنى الذي يمكن أن نفهمه اليوم. كان هناك، وحسبما يمكنني أن أتذكر، احتجاج وثورة، لكن المستعمر كان يعرف كيف يسيّر هذه الأحاسيس وما ينتج عنها من أفعال في قنوات قبلية…”.

تعبير الفيلم عن هذا الواقع هو الذي أثار غضب الكثير من الذين كانوا يريدون من الفيلم أن يقول إن كل جزائري كان، قبل اندلاع الثورة، على وعي بها، عاملا من أجلها، ولما لم يقل الفيلم ذلك اعتبر أنه “يخدم فرنسا”، وهي تهمة يمكننا أن نتصوّر كيف زاد من حدّتها ذلك الفوز الكبير الذي حققه الفيلم في مهرجان كان.

السجال السياسي الذي ثار من حول فيلم وقائع سنوات الجمر، لا يجب أن ينسينا أن هذا الإنجاز السينمائي لم يكن خطابا تعبويا يعجّ بالشعارات، كما كانت حال أفلام القضايا الكبرى. بل كان فيلما مدهشا بكامل المواصفات الفنية، “عابقا بلغة سينمائية متميزة،
وبقدرة على جعل الكاميرا تتسلل إلى داخل الأحداث فتصوّر جمالها: جمال البيئة والجموع والملابس والطبيعة، من دون أي تضخيم احتفالي”، كما قال الناقد السينمائي إبراهيم العريس، مضيفا أن “هذه السمة أضفت على الفيلم طابعه الملحمي، وجعلته قريب الشبه ببعض أجمل كلاسيكيات السينما الروسية (من أعمال بودفكين ودوفجنكو) تلك التي عرفت كيف توائم بين الفن والمضمون السياسي المتميز”.

محمد الأخضر حامينا: أنا لم أصنع فيلما تاريخيا. فيلمي هذا ليس سوى رؤية شخصية وإن كان يستند إلى وقائع محددة (…) ولم أزعم أبدا تقديم رؤية شاملة لما كانت عليه الجزائر كلها خلال الفترة التاريخية التي أتحدث عنها، خصوصا أنني، أنا شخصيا، كنت خلال تلك الفترة أعيش منزويا في قرية صغيرة.
محمد الأخضر حامينا: أنا لم أصنع فيلما تاريخيا. فيلمي هذا ليس سوى رؤية شخصية وإن كان يستند إلى وقائع محددة (…) ولم أزعم أبدا تقديم رؤية شاملة لما كانت عليه الجزائر كلها خلال الفترة التاريخية التي أتحدث عنها، خصوصا أنني، أنا شخصيا، كنت خلال تلك الفترة أعيش منزويا في قرية صغيرة.

ويعقب الناقد اللبناني بقوله إنه من المؤسف أن يكون الجمال الشكلي والتشكيلي الطاغي على هذا الفيلم قد جعله فيلما “ملعونا” في نظر البعض. إذ في تلك الأحيان، وفي مقابل شعار رفعه مبدعون تقدميون حقيقيون يقول إن “كل ما هو جميل هو ثوري بالضرورة”، كان بعض المنظّرين السياسيين، من ورثة ستالين، ينادون بأن “كل ما هو ثوري هو جميل بالضرورة”. وكان هؤلاء الأخيرون هم الذين هاجموا “وقائع سنوات الجمر” بضراوة.

يذكر أن الأخضر حامينا كان أنجز بين عامي 1965 1966- فيلم رياح الأوراس، الذي عزّز نجاحات السينما الجزائرية في صعودها اللافت، وتميّز بلغة سينمائية في غاية الجمالية على مستوى الصورة والحوار والتقطيع المشهدي، والمرجح أن هذا العمل المتميز كان بمثابة التمهيد لفيلم وقائع سنوات الجمر.

فيلم حامينا دخل، منذ ذلك الحين، بفضل فوزه الكبير في مهرجان كان، حلقة كلاسيكيات السينما العالمية، ليعتبر واحدا من الأفلام التاريخية الأضخم التي حققت خارج هوليوود، وليصبح من علامات السينما التي كانت تحقق باجتهاد، في ذلك الحين، في العالم الثالث الذي كان يبحث عن دروبه الخاصة في المجالات كافة بما في ذلك مجال السينما.

حياة تشبه السينما

ولد محمد الأخضر حامينا العام 1934 في مسيلة بالقرب من مدينة سطيف الجزائرية، وهو بعد مغامرات مدهشة مع المدارس الابتدائية والثانوية (حيث كان يطرد دائما بسبب أفكاره المشاكسة) وصل إلى كلية الحقوق في اكس آن بروفانس، جنوب فرنسا، ثم جُنّد بالقوة في
الجيش الفرنسي، فهرب بعد شهرين متوجها إلى تونس (عام 1958) حيث انضم إلى قسم الإعلام في دوائر الحكومة الثورية الجزائرية المؤقتة. وهكذا بدأت حقا حكايته مع السينما والفن والكاميرا. وهي حكاية لا تزال متواصلة حتى الآن، وإن كنا نعرف أن حامينا لم يحقق أي أفلام خلال السنوات الأخيرة، وهو كان، قبل رياح الأوراس حقق العديد من الأفلام التسجيلية النضالية. وفي العام 1967 حقق حسن ترو الذي كان واحدا من أنجح الأفلام الجزائرية، ويغلب عليه الطابع الكوميدي. وفي العام 1972 حقق ديسمبر الذي أتبعه بوقائع سنوات الجمر الذي حقق ذلك النجاح الكبير الذي نعرف. وكان الصورة الأخيرة في العام 1985 من آخر أفلامه.

16