وقاحة الأبناء في سنّ المراهقة

المراهقون من حقهم بناء شخصياتهم دون شذوذ لفظي أو سلوكي أخلاقي، فقوة الشخصية مثلا ليست وقاحة، ودون السقوط في مطب خلخلة المنظومة الأخلاقية برمتها.
الأحد 2019/03/24
أنا المراهق أنا مستقل

تفشت في كل المجتمعات، دون استثناء، ظاهرة اجتماعية سلوكية تستحق الدرس والتمحيص، حيث يشكو الكبار وأولياء الأمور والآباء والأمهات من وقاحة الأبناء حين يكونون في سن المراهقة. تبدو الظاهرة طبيعية إذا كان من البديهي أن فترة المراهقة مرحلة عمرية شديدة الحساسية، باعتبار أنها المرحلة التي تتشكل فيها الشخصية جسديا ونفسيا وفكريا وذهنيا واجتماعيا وأخلاقيا أيضا.

فالتعريف السائد والمألوف للمراهقة هو “المرحلة التي تنقل الفرد من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد والبلوغ، وتحدث في هذه المرحلة مجموعة من التغيرات الجسدية والنفسية، ويمكن حصرها في تغيّرات جسمانية ونفسية وعقلية واجتماعية، كما أنّ هذه المرحلة تغيّر الطفلة إلى امرأة والطفل إلى رجل”.

ولكن هل تبرّر حساسية هذه المرحلة “الخروج عن النص” وإتيان سلوكيات تتناقض كليا مع المنظومة الأخلاقية السائدة؟ ساد في الأوساط الاجتماعية أن الوقاحة تعني التفوّه بكلام بذيء غير لائق وممارسة سلوكيات يعيبها الآخرون وفق منظورهم الأخلاقي السائد، ولكنّ المتمعن في هذا المصطلح يكتشف أن الوقاحة مفهوم متغير لدى الأشخاص والأسر والمجتمعات بفعل تغيّر الأزمنة والأمكنة والمعطيات الحضارية الأخرى، ولعل أهمها بنية الفكر والعقل والثقافة دون نسيان التأثير الديني طبعا، وبذلك فما يراه البعض وقاحة تتطلب التدخل العاجل يراها آخرون تصرفا عاديا في إطار طبيعة العلاقات التي تجمع الناس وخاصة التي تجمع أولياء الأمور في أسرهم بمنظوريهم من أطفالهم.

تشكو الأمهات من وقاحة أبنائهن ولديهن مجموعة هائلة من تعريفات الوقاحة؛ فمنهن من يعتقدن أن رفض الابن تكليفه بإنجاز عمل ما في المنزل أو خارجه، أو حتى التململ قبل القيام به، هو وقاحة. ونسجا على هذا المثال يمكن اعتبار التفاخر بالنفس وإيذاء الآخرين وقاحة، أو المقاطعة المستمرة أثناء التخاطب بمعنى أنا المراهق، أنا مستقل، أنا لا أخضع لسطوة أي كان، أنا أسمع صوتي فقط وقاحة.. كما يمكن اعتبار اللعب بأعصاب الوالدين ومشاعرهما عن طريق اللامبالاة المطلقة يعتبر وقاحة، كما الأنانية وحب الذات وقاحة.

في علاقاتنا بأولادنا يختلط الحابل بالنابل أحيانا، فهناك تعارض في نقاط ما بين السلطة المعنوية التي يمتلكها الآباء والأمهات وبين سعي المراهقين لتشكيل شخصياتهم بشيء من الاستقلالية وعدم الوصاية. تتجلى أيضا التغييرات على مستوى التلفظ والسلوك لدى المراهقين في المؤسسات التربوية، فقد تغيرت الصلة التي تربط المربي بتلميذه حيث كانت عمودية يحتلّ فيها المدرّس مكانة اجتماعية اعتبارية تصل حدّ القداسة أحيانا، ولعل القول المأثور “كاد المعلّم أن يكون رسولا” خير دليل على ذلك.

مع تغيّر طبيعة الحياة اليومية وطبيعة العلاقات الاجتماعية كان لا بدّ من تحوّل يطرأ على علاقة المدرّس بتلميذه نتيجة تقلّص مفهوم ما يمكن تسميته بـ”النموذج الاجتماعي الإطار”، وقرب التلميذ من معلّمه أو أستاذه وانتفت بعض الحواجز “المقدّسة”، وقبل المربي بذلك قناعة أو إكراها، ولكن بعض المراهقين تمادوا في هرسلة هذه العلاقة حتى أصبحوا يتفوهون بكلام بذيء على مسمع من مربيهم، كما أصبح الفضاء التربوي مسرحا للعنف اللفظي والمادي، فأصبح ما يأتيه هولاء وقاحة لأنه مسّ جوهر العلاقة التربوية مما انعكس سلبا على المردودية التعليمية.

مجال آخر يختلط فيه الناس من الذين تربطهم ببعضهم البعض روابط دموية أو صداقة أو زمالة.. ومن الذين لا يعرفون بعضهم البعض ولا تربطهم أي علاقات من أي نوع كان، يعجّ بتلفّظ يخرق كل الأسس الأخلاقية المتوارثة بحيث ينتفي احترام الطفل والمرأة والمسن، فتجد المراهقين يمطرون أسماع الآخرين بوابل من الكلام البذيء دون مراعاة لأي قيم أخلاقية.

أما السلوكيات الشاذة فتظهر في حركاتهم الموحية جنسيا وفي طريقة تندّرهم وركوبهم وسائل النقل وفي الطريق العام.. ما دفعني ودفع العديدين مثلي إلى عدم ارتياد الأماكن التي تعجّ بمثل هذه السلوكيات، وعلى سبيل الذكر لا الحصر قررت، كما غيري من الناس، عدم ارتياد الملاعب والأماكن العمومية لعدم احتمال ما يدور فيها من وقاحة.

كما أسلفنا الذكر فإن مفهوم الوقاحة خاضع لأنماط تربوية وأخلاقية كثيرة ومختلفة وقد تصل حدّ التناقض الصارخ في بعض الأحيان، وعليه فلا بد من التوصل إلى الحدّ الأدنى من التوافق في تقييم الظاهرة، فالمراهقون من حقهم بناء شخصياتهم دون شذوذ لفظي أو سلوكي أخلاقي، فقوة الشخصية مثلا ليست وقاحة، ودون السقوط في مطب خلخلة المنظومة الأخلاقية برمتها.

كما على الكبار أن يقيسوا مفهومهم للوقاحة وفق شرطين؛ أولهما عدم السماح بتهديم القيم الأخلاقية المتوارثة خاصة في المجتمعات الإسلامية، وثانيهما مراعاة التغييرات الأسرية والاجتماعية والحضارية عموما والتي فرضت بعضا من تحرر المراهقين.

21