وقعنا في الفخ

السبت 2016/05/28

قبل أن يبلغ الرابعة من عمره، فاجأني طفلي الصغير بسؤال غريب مازلت أجهل إجابته “هل يمتلك الديناصور حاجبين”! لم يشغلني السؤال في حينها، بينما كنت غارقة في الضحك بعد أن تذكرت مشاهد من مسلسل قديم كان اسمه “الحديقة الجوراسية” على ما أذكر، وكيف كنت أرتعد وأنا أتجنب النظر إلى المشهد المرعب الذي يحاول فيه أحد الديناصورات افتراس ضحيته، ولهذا لم تسنح لي الفرصة للتحقق جيدا من ملامح المخلوق الجوراسي وهل كان بحاجبين أم لا؟ قدمت التبرير كإجابة مؤقتة لطفلي لكنه لم يقتنع بها، وبدلا عن ذلك رمقني بنظرة شك وريبة وكأني فشلت في امتحان بسيط لجدول الضرب.

ومع مرور السنوات، ازدادت أسئلة الصغير تعقيدا، ثم صارت تصول وتجول في التاريخ والجغرافيا والذرة ونظرية الانفجار الكوني والكواكب والنجوم حتى وصلت إلى السماء السابعة، فكان سؤاله الأخير الذي جاء على شكل فخ، يقول “إذا كان الله يحب الصغار جميعهم كما تقولون، فلماذا خلق صديقي (إيلدن) ببشرة سمراء وجسد مترهل فجعله أضحوكة لبقية تلاميذ الصف؟”.

يقع الأهل في حرج كبير في أحيان كثيرة بسبب أسئلة صغارهم وملاحظاتهم المضحكة، بل إن نزاهة وصدق الصغار قد يتجاوزان كل الحدود خاصة في الأماكن العامة، حيث يبدوان على سجيتهما من دون إضافة المساحيق الاجتماعية التي يستخدمها الكبار عادة للتعاطي مع الناس بالثناء عليهم ومجاملتهم. يتكرر هذا المشهد كثيرا، حين يضع طفل صغير يده على كتفي رجل مسن يجلس قبالته في الباص فيقول لوالده “أنظر يا أبي، هذا الرجل كم هو قبيح!” كما قد تفاجئ طفلة صغيرة والدتها وسط اجتماع مدرسي تأخرت على حضوره، باعتذار للمعلمة وهي تقول “لأن أمي كانت تعاني من نوبة قيء، تأخرنا عن الحضور في الموعد المحدد”!. أما بعض الصغار فلا يترددون في الإفصاح عن الرقم السري لحساب الأم في البنك، أو كلمة الدخول الخاصة بها في موقع الفيسبوك لأول غريب يصادفونه في الشارع فقط ليعرفوا وقع المفاجأة على ملامحه.

في الأحوال العادية، لا يتسبب نزق الصغار هذا إلا في بعض الحرج والإزعاج مع الغرباء وأغلبه يضفي جوا من المرح في المنزل، ربما لأن تعاطي الطفل المفرط مع الصدق والنزاهة يعد غريبا في عالمنا المليء بالأكاذيب والنفاق الاجتماعي، لكن بعض الصغار قد يمررون كلاما إلى الآخرين هو في الأساس تعبير فعلي عن رغبة آبائهم وطبيعة مشاعرهم الحقيقة تجاه أشخاص معينين، كان الصغار قد استنتجوه بالاستماع مصادفة إلى حوار دار بين الأم والأب.

في أجواء الرهبة التي تعيشها شعوب حُكمت أو مازالت تحكمها أنظمة دكتاتوية، يمثل مثل هؤلاء الصغار ألغاما أرضية جاهزة للانفجار في أي لحظة للإطاحة بشجرة العائلة بكل أوراقها وأغصانها، بسبب زلة لسان أو تصريح واضح قد يفصح عنه الصغير قبالة جار يتضح في ما بعد أنه جاسوس متطوع أو رجل أمن متنكر يتخذ من مهنة القتل هواية منذ الصغر؛ وقد يكون التعبير عن مقت الشخص الرئيس أو حتى انتقاد نشاطه المدني الأخير من قبل الأهل الذين، لا يراعون استخدام الحوار الهامس في مناقشة القضايا المصيرية، هو الفخ الذي يكون سببا في ضياع الأسرة بأكملها، حين يتطوع الولد الجميل فيتوسط قاعة درس في العربية في اليوم التالي، ليدلي لمعلمته بالتصريح التالي: “بابا يكره السيد الرئيس وكلما رأى صورته في التلفزيون رماها بفردة حذائي القديم، لم أحصل على حذاء جديد منذ العيد الأخير، أنا أيضا أكره بابا”!

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21