وقفة عند ظل الغريب

السبت 2017/06/17

“ظل الغريب”، رواية جديدة للكاتب المغربي أحمد المديني، وهي آخر ما قرأت له، لعلها هي الأخرى، آخر ما كتب حتى الآن، فالمديني لا يتوقف عن الكتابة ولا ينقطع عن جديد يصدره، وضعاً أو ترجمةً، نقداً أو إبداعاً، رواية أو قصة قصيرة أو نصّاً رحلياً، يسعفه في ذلك انصراف إلى الكتابة التي يغنيها بقراءات ومتابعات وحوارات لا حدود لها، وثقافة عميقة وتجربة حياتية متميزة.

وفي هذه الرواية يستحضر المديني تجربة عاشها وهو شاب تخرج توّاً من الجامعة، فالتحق ببعثة تعليمية مغربية إلى الجزائر بعد استقلالها، حيث عرفت مصاعب اقتصادية وإدارية واجتماعية وسياسية، فاكتوى مدرس التاريخ الفتي”علي بن زروال” بما كان لا بد أن يشمله من تلك المصاعب، وكان قبل ذلك قد اكتوى بما عرفته بلاده من إشكالات سياسية، إبان ما صار يعرف بسنوات الجمر، في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، وكان له نشاطه في صفوف القوى المعارضة.

إن رحلته إلى الجزائر في بعثة تعليمية، اقترنت بمهمة سياسية ملتبسة وغامضة، ظلت حاضرة ومؤثرة في السياق الروائي على امتداد زمن “ظل الغريب”، إذ حمل رسالة كان عليه أن يوصلها إلى قوى مغربية معارضة تمارس نشاطها في الجزائر ومنها، فتدخله هذه المهمة في ما يزيد حياته ارتباكاً.

إن ما أود الوقوف عنده، من هذه التجربة الروائية المتميزة حقاً، هو استحضار الكاتب في روايته هذه أحداثاً يفترض أنه عاشها قبل ما يقرب من خمسة عقود من الزمن، سواء في المغرب أم في الجزائر، وهي أحداث بقدر تداخلها وما تثير من إرباك، لا بد أن تثير حساسيات وردود أفعال، وبخاصة لو تم تناولها في زمنها.

وإذا كانت هذه العودة إلى ما قبل نصف قرن تتسم بالصعوبة في تحديد عدد من مقومات السرد، المكان والأحداث والأشخاص، فإنها كما اكتشفت ذلك في “ظل الغريب”، كانت -العودة إلى ما قبل نصف قرن- في صالح الرواية إبداعياً، على عكس لو افترضنا أن الروائي كتب عن تجربته هذه أياما عاشها أو بعد ذلك بزمن قصير، فعلى صعيد الخبرة السردية بجميع مصادرها المعرفية، ما كان ليتوفر على كل ما يتوفر عليه الآن من هذه الخبرة التي استطاع من خلالها أن يكتب رواية بالغة التميّز.

أما على صعيد الرؤية النقدية العميقة للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، سواء في الجزائر أم في المغرب، حيث فضاء هذه الرواية، بما في ذلك واقع الجماعات الثورية، حتى لو كانت هذه الثورية مجرد أقوال وأحلام وشعارات، فلم تكن تلك المرحلة تتيح مثل هذه الممارسة النقدية، بافتراض حضور الوعي النقدي، حيث سيواجه بالقمع السلطوي من جهة، وبالتشويه والاتهام بالتخاذل والجبن، بل بالعمالة والخيانة، من قبل رفاقه وزملائه، من جهة ثانية.

وهذا لا يقتصر على ما هو سياسي فقط، بل يشمل ما هو اجتماعي، فمن المتوقع أن الكثير مما ورد في الرواية، على الصعيد الاجتماعي ومنه ما يتعلق بالمرأة، كان سيفهم على أنه انحراف أخلاقي واجتماعي ، يستدعي العقاب، بل القتل، كما حاول ذلك -في ظل الغريب- ابن عم المرأة التي رافقت علي بن زروال إلى أماكن عامة، وكان سيجعل منها عصابيون، من سلالة القائلين:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدمُ

قضية تتجاوز ما هو اجتماعي إلى ما هو وطني وديني.

هذا لا يعني أن الواقع، سياسياً كان أو اجتماعياً، قد تغير تماماً، ولكن وعي الكاتب هو الذي تغير، وفضاء الكتابة قد تغير أيضاً، وصار أكثر انفتاحاً، كما أعطى البعد الزمني مجالاً أوسع وفعلاً أقوى للمخيلة، وهذا ما منح رواية “ظل الغريب” حضوراً على صعيدي الفكر والجمال.

كاتب عراقي

16