وقف التطرف على شبكات الإنترنت

الأربعاء 2017/06/21

هل نقوم بما يكفي لوقف التطرف. عدت إلى المنزل بعد صلاة التراويح في الثالث من يونيو مثل العديد من المسلمين لأشاهد أمامي صورا لهجوم إرهابي جديد. هذه المرة وقع العمل الإرهابي في مكان كنت قد زرته قبل أيام.

تقودنا مثل هذه الحوادث إلى التساؤل: لماذا يفعلون ذلك وكيف يمكننا إيقافهم؟ تحدث الكثير من التجاوزات في وسائل الإعلام، والسياسيون يصدرون التصريحات. أما أنصار الإرهابيين فيجلسون بأريحية يستمتعون بمشاهدة الفوضى التي تجري من حولهم. تعج وسائل التواصل الاجتماعي بكل ماهو صالح وسيء وقبيح. تعمل تلك الحوادث أحيانا على توحيد القوى، ولكنها تهدف في الكثير من الأحيان إلى إحراز بعض النقاط.

يقول الناس إنه يجب فعل أي شيء لإيقاف ذلك، ولكن ما هو هذا “الشيء”؟، يتساءل الناس عن مدى معرفة باقي المسلمين أو الأجهزة الأمنية بالحادثة مسبقا. هل كان من الممكن إبطال تلك العملية؟ هل نقوم بما يجب لوقف هذا التطرف في المساجد البريطانية وعلى شبكات الإنترنت؟

نعلم بالفعل أن واحدا من هؤلاء القتلة على الأقل تمت مواجهته من قبل أفراد مجتمعه وأبلغوا السلطات عن وجهات نظره المتطرفة والشديدة الخطورة. أين وكيف حدث ذلك؟ وما مدى التطرف الذي يحدث في المساجد البريطانية المعتدلة؟

تأخذ عادة تلك المجموعات المعنية مكانها على هامش المجتمع الرئيسي، متخذة من عالم الإنترنت مقرا لها لإصدار التعليمات التي تتمكن من خلالها من تجنيد الجهاديين.

عندما أقول “متطرف” فهذا بالضرورة لا يعني متطرفا يعتنق وجهات نظر متطرفة ومنغمسا فيها منذ فترة طويلة. في الغالب، أشير من خلال كلامي إلى شخص ذهب في رحلة تصفح سريعة على الإنترنت وتحول من مجرد فضولي ومعتدل في الرأي إلى متطرف بأفكار متشددة. لقد رأينا ذلك في الكثير من الأحيان؛ فبمجرد قراءتهم قليلا عن التطرف على شبكات الإنترنت، يترك الشباب الصغار الموهوبون كل شيء خلفهم وينطلقون ليعلنوا انضمامهم لصفوف كتيبة الموت داعش.

لذا، إذا أردنا تصفح الإنترنت، فكيف يتم ذلك؟ كيف يمكن للمرء أن يصل إلى شاب مسلم يبحث عن شيء ما ثم يقنعه باعتناق فكرة الكراهية بكل تلك السهولة؟

تم مؤخرا إطلاق حملة على الإنترنت تستهدف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أُطلق عليها اسم “من أين نبدأ؟”. استهدفت الحملة بشكل كبير الشباب الذين عاشوا فترات من التشوّش في أعقاب ثورات الربيع العربي لعام 2011. تلك الفترة التي طمح فيها الشباب إلى التغيير من خلال مشاركتهم في التظاهرات السلمية آملين في الإصلاح والتغيير، لكن فشل حكوماتهم في تحقيق الاستقرار والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كان السبب الرئيسي في أن يفقدوا الشعور بالتفاؤل والأمل. وبالنسبة إلى البعض بدا وكأن كل سبل وطرق التغيير السلمية استنفدت.

استغلت المنظمات المتطرفة بداية من تنظيم داعش وحتى الجماعات المحلية تلك الظروف لتوسيع نطاق عملياتها واتصالاتها. وبالنسبة إلى بعض الشباب توفر هذه الجماعات الملاذ والسبيل الموثوق به للتغيير والتي تنقل للشباب شعورا بالقوة.

لذلك عملت حملة “من أين نبدأ؟” على تقديم البدائل لمثل هؤلاء الشباب، وهي طريقة إيجابية وعملية وذات مغزى لتمكين الشباب العربي من المساعدة في تغيير عوالمهم. انضمت إلى الحملة مجموعة كبيرة من النشطاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك أحمد نجيب، مؤسس “مدارس بلا جدران” المصرية غير الحكومية، وشيرين زيادة مؤسسة مركز الباليه في رام الله.

حصدت الحملة عبر الإنترنت على إعجاب 4 ملايين مستخدم وحققت أكثر من مليون مشاهدة على موقعي فيسبوك ويوتيوب، وتبين أن حوالي 90 بالمئة ممن شاهدوا المحتوى كانوا ينتمون إلى الفئة العمرية المستهدفة. وجاءت النتائج المبدئية مبشّرة. فبالنسبة إلى الكثيرين، ساعدهم التواصل مع شخصيات ملهمة على توسيع شبكة تواصلهم مع شباب آخرين يتمتعون بنفس طريقة التفكير. وقاموا بتبادل أفكارهم وطموحاتهم. كما ساعدت شبكات الإنترنت على تنمية ونشر رسالتهم الإيجابية التي طغت بمرور الوقت على الكراهية والبغض.

وفي الوقت الذي كان يحتج فيه الكثيرون على سلبية الأصوات التي تم اختيارها لتمثيل الشباب، كان هذا الطريق هو البديل المتاح للتصدي لتلك المحاولات.

هنا أيضا يجب أن نوضح أن مكافحة التطرف الإسلامي لا تعني بالضرورة التمسك فقط بالعقيدة الإيمانية وبكتاب الله. فتلك الحملات التي تم إطلاقها على الإنترنت لا تتجاهل بدورها الحاجة إلى التصدي للتطرف الديني ولا تقف عائقا أمام السلطات لرصد أفعال التحريض والكراهية على شبكات الإنترنت، لكنها أيضا تقدم بديلا لزرع الأمل في الشباب وتحويل مسارهم عن طريق الموت والدمار.

لم تترك تلك الحملة تأثيرها الإيجابي على إرهابيي مانشستر ولندن لأنهم كانوا قد انغمسوا بعمق في كراهيتهم وبغضهم، ولكن المتطرف لا يولد أبدا متطرفا، حيث يسير وفق رحلة يمكن أن تكون لها العديد من المداخل والمخارج والعديد من التقلبات والمنعطفات المختلفة. يستجيب بعض الشباب بشكل جيد لرسالة أمل بسيطة تقول إن العنف ليس السبيل الوحيد لتغيير العالم، والأهم من ذلك تؤكده له أنه ليس وحده.

رئيس قسم الدين والأخلاقيات السابق في بي بي سي

6