وقوف الدراما في وجه الإرهاب سلاح ذو حدين

هل تنجح محاورات الدراما الفلسفية في تفكيك أفكار الجماعات الدينية.
الأحد 2021/05/16
أعمال تفتح ملف الإرهاب وتناقش نظريات التكفير

شهدت السنوات الأخيرة ولادة العديد من الأعمال درامية التي تناولت ظاهرة الإرهاب، فمنها الدرامي السياسي ومنها حتى الكوميدي، لكن هذه الأعمال رغم كثرتها وانتشارها في كل قطر عربي تقريبا، بما أن الإرهاب بات ظاهرة تؤرق المجتمعات العربية، فإن أغلبها لم يكن مدروسا بشكل كاف ليقدم نقدا موضوعيا للجماعات الإرهابية، وبالتالي يحقق الغاية من مواجهة التطرف بالفن الدرامي. فيما عرفت أعمال أخرى على غرار ما شاهدناه في رمضان 2021 توجها ذكيا في مجابهة الظاهرة بحرفية عالية خاصة في الأعمال الدرامية المصرية.

رصاص من كل صوب. لُغم هنا، شرر هناك، هجمات انتحارية تتوالى، ومهووسون ينضمون كل يوم إلى طوابير القتلة. كُلما تصدت يد العدالة لسافح دم خرج غيره وإذا قوضت مؤسسات الأمن في الدول العربية تنظيما إرهابيا، ورثه تنظيم آخر، لأن الحلول الأمنية وحدها لا تفي بإيقاف مسلسل الدم.

علينا تذكر أن أول عملية إرهابية لجماعة الإخوان المسلمين، وهي اغتيال أحمد ماهر رئيس وزراء مصر الأسبق مر عليها 75 عاما. صحيح قبض وقتها على القاتل وحوكم وأعدم، لكن عمليات القتل لم تتوقف، وتواصل العنف، وخلف القتلة قتلة آخرين، لأن أحدا لم يوجه طاقاته الفكرية لتفكيك أفكار تجنيد الإرهابيين جيلا بعد جيل.

اشتباك درامي

ثمة اختلاف جذري حدث في السنوات الأخيرة، تمثل في توظيف الدراما العربية بقوة وفاعلية لتفكيك فكر الإرهاب ومناقشته ودحضه بموضوعية ومنطقية، وبدأ استخدام الأعمال الفنية للقيام بدور فعال في نقد خطاب الجماعات الراديكالية الموجه للعامة لقطع الطريق عليها للتجنيد.

عززت مناقشات مستفيضة احتوتها دراما رمضان هذا الهدف عندما تطرقت بعمق إلى أفكار التكفير والحاكمية والاستحلال والفرقة الناجية وتبني العنف، وناقشتها وردت عليها علميا ودينيا، ما فتح الباب لجدل واسع حول قدرة محاورات الدراما على الحد من تنامي عمليات ضم إرهابيين جدد.

نظرة إلى بعض المسلسلات المصرية التي عرضت في رمضان 2021، مثل “القاهرة كابول”، و”الاختيار 2″، و”لعبة نيوتن”، و”هجمة مرتدة”، تؤكد وجود تخطيط احترافي قائم على استدعاء الفن للمشاركة في المواجهة الممتدة مع الإرهاب، بتغيرات تكتيكية تتجاوز مجرد استعراض الظاهرة أو رصدها وتصوير آثارها إلى الدخول بعمق في صلب الخطاب الإسلاموي الراديكالي، وخلخلته بموضوعية وتحطيم حججه بأسلوب مقنع.

لم يكن اللجوء إلى فن التمثيل عموما جديدا، فقد سبق لأفلام سينمائية عديدة الاشتباك مع فكر الإرهاب بشكل مباشر، وغير مباشر مثلما فعل الكاتب لينين الرملي في فيلم “الإرهابي” بطولة عادل إمام، والمنتج سنة 1994، ثم ما فعله السيناريست وحيد حامد في فيلم “طيور الظلام” في العام التالي، بطولة عادل إمام أيضا، وقد حاول قبلهما المخرج والمؤلف سعيد مرزوق في فيلم “انفجار” سنة 1990 الإسهام بدور كبير في هذه المجال.

توغل الدراما في الأفكار المؤسسة للإرهاب ضرورة في ظل خلو الساحة الفكرية من خطاب تنويري مؤثر

لم تكن الدراما بعيدة عن قراءة ظاهرة الإرهاب، فقد قدمها الجزء الرابع من المسلسل المصري الشهير “ليالي الحلمية” للكاتب أسامة أنور عكاشة سنة 1992 في إطار حديثه عن تغيرات صاحبت المجتمع المصري خلال حقبتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ودفعت الكثير من الشباب إلى الانضمام للجماعات المتطرفة، وفيما بعد حاول وحيد حامد في مسلسل “العائلة” سنة 1994 تقديم لمحات أخرى للظاهرة والتحذير من خطورتها.

جاء مسلسل “الجماعة” بأجزائه الثلاثة نموذجا لدراما تاريخية راصدة لتاريخ الجماعة منذ التأسيس سنة 1928 وحتى وصولهم إلى السلطة في مصر سنة 2012. غير أننا نستطيع القول إن هذه النماذج اكتفت بالحكي وسرد الأحداث دون توغل فعلي في استقراء الفكر القائم عليه تيار الإسلام السياسي، وعدم السعي لتحليله والرد عليه بصورة تقرب الفكرة للجمهور.

أخذ التوجه الدرامي لمقاومة الإرهاب شكلا أكثر واقعيا منذ عام 2017، وقدمت مسلسلات عربية من نوعية، “غرابيب سود”، ثم “وضع أمني”، “أرض جو”، “كلبش”، “نسر الصعيد”، “أمر واقع”، “السهام المارقة”، و”أبوعمر المصري”، جوانب أكثر تفصيلية من أفكار الجماعات الإرهابية، وتصوراتهم للحياة والمرأة والحريات والآخر، وفلسفتهم في وجوب العنف، والتعامل بقسوة وتصفية المخالفين معهم.

توغل عميق

الإرهاب ظاهرة تتوارثها الأجيال الجديدة
الإرهاب ظاهرة تتوارثها الأجيال الجديدة

في الأعمال الأحدث، خلال رمضان هذا العام، توغلت الدراما أكثر في مواجهتها الفكرية. ففي مسلسل “القاهرة كابول” تأليف عبدالرحيم كمال، وإخراج حسام علي، ثمة حوار شديد الواقعية تعرض له كاتب السطور نفسه قبل أكثر من ربع قرن من خلال محاورته مع إسلامي يحاول تجنيده.

 في هذا الحوار يتكرر استخدام حديث نبوي يقول فيه النبي (ص) “تفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.. قيل ومن هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي”.

وتعتبر كل جماعة راديكالية ذاتها الفرقة الناجية، لكن صناع مسلسل “القاهرة كابول” لجأوا إلى تقديم شخصية مناوئة لرجل مثقف، خلوق وواع هو مدرس التاريخ السابق حسن (نبيل الحلفاوي) والذي يناقش الفكرة ببساطة ويرد عليها بفهم واضح، فيشير إلى أن عامة الناس هي الفرقة الناجية، باعتبارها تحب النبي ونهجه ولا تقبل لأي فرقة الاستئثار بالحق أو احتكار صفة الفرقة الناجية. ويؤكد صاحب الرد أن هناك طرقا عديدة للوصول إلى الله، كلها مقبولة ولا علاقة لها بالفرقة الناجية.

وفنّد حسن مقولة كفر المجتمع بأكثر من حال، وبشكل منطقي بحت موضحا عدم وجود حاكم عربي يرفض الإسلام علنا، وأن الحكم بما أنزل الله، هو حث على العدل والرحمة، والإنسان باعتباره خليفة الله في الأرض مكلف بالتشريع وفق القيم النبيلة الراشدة.

 وحتى التطرف المجتمعي المتمثل في استحباب تحريم كل شيء، والقول بكفر المختلفين يجد ردودا قوية في المسلسل من حسن نفسه.

يرى البعض أن التميز الأهم في هذا العمل، هو تجنبه فكرة التلقين المتعمد، وخلوه من النبرة الزاعقة ونجاته من اللجوء لتصوير الإرهابيين جميعا باعتبارهم مجانين أو مرضى نفسيين.

البحث عن الواقعية

مقاومة الإرهاب بالكلمة والفكر والقوة أيضا
مقاومة الإرهاب بالكلمة والفكر والقوة أيضا 

أما مسلسل “الاختيار 2” فحاول مؤلفه هاني سرحان بالتعاون مع المخرج بيتر ميمي تقديم خطاب الإرهابيين التقليدي الخاص بتكفير الشرطة ومؤسسات الدولة، واعتبارهم يمتلكون حق تحديد المسلمين والرد عليه بشكل عملي من خلال استعراض سير وأخلاق ضباط الشرطة الحسنة، والتأكيد على كونهم كثيرا ما يدفعون أرواحهم للحفاظ على أرواح الناس.

واتساقا مع الواقعية لم يقل العمل إن رجال الأمن لا يلجأون للعنف مع المتهمين بالإرهاب بحثا عن المعلومات الخاصة بعمليات إرهابية مرتقبة، ففي بعض المشاهد إشارات واضحة لتهديدهم للمتهمين أو ممارسة ضغوط عليهم، مثل إجبارهم على الوقوف لساعات طويلة، لكنه يُبرر ذلك بفلسفة دور الضرر الأصغر (الضغط على المتهمين) في منع ضرر أكبر مثل تفجير موقع ما أو تنفيذ عملية إرهابية تسفك فيها الكثير من الدماء.

كما لجأ المسلسل إلى توضيح واستعراض أفكار منظر الإرهاب الأول في العالم العربي سيد قطب (1906ـ1966) بشكل تفصيلي من خلال شهادة وتقارير ومحاضرات الضابط محمد مبروك (إياد نصار)، مع توضيح المغالطات التي تتضمنها هذه الأفكار، ما يعني قطع الطريق أمام التنظيمات الإرهابية لإعادة استخدامها مع الجمهور العام بغرض تجنيد عناصر جديدة.

وقدم المسلسل شخصيات الإرهابيين بتوازن شديد وقرب للواقعية دون افتعال أو توجيه مسبق، ما جعله جديرا بتقبل المشاهدين.

في مسلسل “هجمة مرتدة” فإن الربط بين أجهزة الاستخبارات المعادية وظاهرة الإسلام السياسي بدا ممنطقا، وإن لم يتعرض بشكل مباشر للأفكار المؤسسة للإرهاب أو حاول الرد عليها.

هناك مسلسلات قدمت نموذج المتدين المتطرف باعتباره بداية طبيعية لشخصية الإرهابي مثلما فعل مسلسل “لعبة نيوتن” رابطا بين الإنغلاق الاجتماعي وأفكار المتشددين دينيا.

ويرى البعض من النقاد أن توغل الدراما في الأفكار المؤسسة للإرهاب ضرورة في ظل خلو الساحة الفكرية من خطاب تنويري مؤثر، وضعف الوعي الثقافي السائد في المجتمعات العربية نتيجة تدهور نظم التعليم.

إن نسبة القراء في العالم العربي مازالت رغم تطورها خلال السنوات الأخيرة أقل كثيرا من أن يعول عليها لنشر ثقافات مضادة للفكر الإرهابي.

وفي رأي الباحث والناقد الأدبي علي حامد، فإن الدراما بشكل عام تتميز كفن واسع الانتشار، ويمكن أن تدخل إلى كل بيت، كما أنها ترتبط بالنظام الأسري إذ تفضل الكثير من الأسر متابعة الدراما معا، بخلاف الأفلام السينمائية التي تغلب الفردية على مشاهدتها.

ويقول حامد لـ”العرب” إن البعد عن الخطاب الغاضب الذي يكتفي بوصم الإرهابيين بالتخلف والتوحش دون الولوج داخل أذهانهم وتفكيكها يحقق مكاسب شديدة التأثير في الحرب على الإرهاب.

ويعد تركيز الدراما العربية على قضايا الإرهاب ضرورة تفرضها الأخطار المحدقة بالعالم العربي، وصناعة صورة ذهنية واضحة عن الإرهاب وفلسفته تساعد في تقديم رسالة تحذير للعامة من خطاب الجماعات العاطفي، المتدثر بشعارات دينية زائفة.

لكن هناك من يرى أن الدراما العربية تمثل سلاحا ذا حدين في التعامل مع قضية التطرف والإرهاب. فإذا كانت بعض المسلسلات بنضجها الآني تساهم في ضرب خطاب الجماعات الراديكالية في جذوره، وتبرهن على عدم  منطقيته، واعتماده على سوء التأويل، فقد تُنبه الجماعات الإرهابية إلى ضرورة تطوير خطابها وتصحيحه كل حين.

وهناك من يرى أن الاعتقاد بإمكانية تغيير الدراما لعقول أعضاء الجماعات الراديكالية تصور غير واقعي، لأن هؤلاء الأشخاص في الغالب هم من منقطعي الصلات بالفنون الحديثة، ويرون فن التمثيل عموما فعلا مرفوضا تماما من الإسلام لما يتضمنه من اختلاط، وادعاء لأمور لم تحدث، واعتماد فكرة نقل الواقع كما يكون لا نشر العظة والاعتبار.

تبدو عقول هؤلاء المتطرفين مغلقة تماما، ولا يمكن أن تستقبل فكرة أو حوارا مبثوثا عبر الدراما، وليس أدل على ذلك مما يطرحه الباحث الفرنسي أوليفر روي في كتابه “الجهاد الموروث” من أن معظم الإرهابيين الحاليين، خاصة في أوروبا، لم يشنوا هجماتهم الإرهابية انطلاقا من أي فكر، وإنما خصومة مع المجتمع المنفتح، نتيجة تجاربهم في العزلة والانفصال عن الواقع.

وكل من انضم إلى تنظيم داعش الإرهابي من أوروبيين لا يعرفون اللغة العربية ولم ينجذبوا له اقتناعا بأفكار رومانسية جاذبة مثل حلم الخلافة، وإنما جاء انضمامهم تعبيرا عن رغبات ذاتية لديهم لممارسة العنف والقسوة الشديدة في التعامل مع الآخر.

ولا يعني تقويض الخطاب منع انضمام ملتحقين جدد بالتنظيمات الإرهابية، لأن هناك أسبابا عديدة لا فكرية تدفع البعض للانضمام، ربما ثأرا من مجتمع كان قاسيا أو عداء لحكومة لا تمنح مواطنيها فرص الحياة اللائقة.

وقد تُسهم بعض الأعمال الدرامية في توجه مضاد، إذ تروج للإرهاب باعتباره فعلا عادلا، خاصة إذا افتقرت للبناء السليم وتورطت في الأداء المنفعل والتوجيه الواضح، واكتنفتها أجواء تاريخية غير مواتية مثلما حدث عند عرض الجزء الأول من مسلسل “الجماعة” سنة 2010، في ذروة تذمر المصريين من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

من خلال الاتكاء على مسلسل “الجماعة” نجحت ماكينة الدعاية الإخوانية في الترويج بشكل أوسع للجماعة، وتم ربط المسلسل بالحزب الوطني الحاكم في عهد مبارك، ما آثار حالة من التعاطف مع الجماعة، وساهم في اكتسابها شعبية واسعة. ولم يكن غريبا أن ينشر موقع “إخوان أون لاين” قصيدة شعرية لأحد أعضاء الجماعة يشكر فيها صناع المسلسل على دعايتهم لها.

لكن الآن تسير الأعمال الدرامية على خطى ثابتة وتفند أفكار الجماعات الدينية، وأصبحت شرائح مختلفة من المشاهدين تنجذب لهذه النوعية من المسلسلات، وتعتقد يقينا أنها مهمة وتعري المتطرفين، وهو ما يبرز دور الفن في مقاومة الإرهاب.

14