وكالات الأنباء العالمية: تغطية دون مستوى الحدث والإمكانيات

يضطلع الصحفيون المستقلون بالدور الأكبر في عملية نقل الأحداث إلى الصحافة العالمية، بعد عزوف وكالات الأنباء والمؤسسات الإعلامية الكبرى عن المخاطرة بالدخول إلى أماكن الحروب في شتى أنحاء العالم، وعملت على الاستفادة من تقاريرهم وفق توجهاتها وسياساتها الخاصة.
الجمعة 2015/11/20
زين الرفاعي أصيب بجروح خطيرة فيما كان يغطي المعارك شمال حلب

لندن - لم تعد الأماكن المتوترة تغري وكالات الأنباء العالمية بالمغامرة بصحفييها لتغطية أخبارها، مكتفية بالاعتماد على الصحفيين المستقلين ونشطاء شبكات التواصل الاجتماعي، في نقل الأخبار وفق ما يناسب توجهاتها ومنظورها السياسي لهذه الأحداث.

وبرز الصحفيون المستقلون، كجزء أساسي من عملية التغطية الإعلامية لأماكن الحروب الأكثر خطورة على الصحفيين في العالم، في ظل ابتعاد الصحفيين العاملين لدى وكالات الأنباء والمؤسسات الإعلامية الكبرى عن المجازفة بحياتهم في هذه الأماكن.

واندفع أغلب الصحفيين المستقلين، وهم غالبا من أبناء المناطق الساخنة، بالحماسة والرغبة في إيصال أصوات أهالي هذه المناطق للرأي العام، ونقل معاناتهم إلى العالم، واستطاعوا تحقيق إنجازات مهمة، فقد حاز أول أمس، زين الرفاعي المصور المتعامل بشكل منتظم مع وكالة فرانس برس في سوريا، على جائزة روري بيك البريطانية المرموقة التي تحظى بتقدير عالمي وتكرم كل سنة أفضل مصوري الفيديو من الصحفيين المستقلين.

وتابع الرفاعي البالغ من العمر 28 عاما بين يونيو وفبراير 2015 يوميات السوريين المقيمين في المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في مدينة حلب العاصمة الاقتصادية السابقة في سوريا والمقسمة منذ يوليو 2012 إلى أحياء تسيطر عليها القوات الحكومية في الغرب وأخرى خاضعة للمعارضة في الشرق. وهو ينقل بكثير من الرهافة في عمله معاناة السكان تحت قصف قوات النظام.

وأصيب الرفاعي في أغسطس 2015 بجروح خطيرة، فيما كان يغطي المعارك بين مقاتلي المعارضة والقوات الحكومية في شمال حلب.

وقالت ميشال لوريدون مديرة الأخبار في فرانس برس “نظرا لأن معظم وسائل الإعلام الدولية لم تعد ترسل صحفيين إلى مناطق القتال في سوريا لاعتبارات أمنية، يضطلع المراسلون المستقلون مثل زين بدور لا غنى عنه في نقل حقيقة المأساة السورية إلى العالم”.
امتلاك القدرة على التقاط اللحظة والشجاعة على التصوير ينمان عن ذكاء مصور الأشرطة
وأضافت أن “زين ورفاقه يبدون شجاعة أثناء العمل في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق فظائع الحرب، ونحن فخورون جدا لتكريم عمله”.

وكانت وكالة الأنباء الفرنسية قد اتخذت قرارها بعدم إرسال صحفيين إلى مناطق تخضع لسيطرة تنظيم داعش أو الثوار السوريين، وذلك بعد انتشار مقاطع الفيديو التي تُظهر عناصر من تنظيم داعش في العراق وسوريا، يقطعون رؤوس صحفيين في أغسطس 2014، ونشرت وقتها لوريدون، مقالا على مدونة وكالة الأنباء الفرنسية أعلنت فيه عن أجزاء من سياستها الأمنية.

وبررت وجهة نظرها بالقول “تتمثل الفكرة في ثني الصحفيين المحتملين عن القيام بمخاطرات كبيرة كهذه وأن نقول لهم: احذروا، فحتى لو ذهبتم إلى هناك وحدكم وجلبتم مواد صحفية ممتازة، فلن نستخدمها”.

وأضافت لوريدون أنه من خلال الإعلان عن هذه السياسة “أردنا أن ننشر رسالة داخل وكالة الأنباء الفرنسية، إذ أنه من الصعب على محرر الصور، على سبيل المثال، أن يمتنع عن نشر صورة جيدة”. وقالت “لقد شددت على أننا لن نستخدم مواد أجنبية، ولكننا نواصل استخدام أخبار وصور من أشخاص يعيشون هناك، من مواطنين سوريين”.

ولهذا اعتمدت الوكالة على زين الرفاعي، الذي كان ناشطا معارضا للنظام السوري عند انطلاق حركة الاحتجاجات في سوريا قبل أن يشارك في تأسيس مركز حلب الإعلامي. علمه زملاؤه وأصدقاؤه كيف يستخدم الكاميرا وهو يعمل منذ ذلك الحين كصحفي مستقل لحساب العديد من وسائل الإعلام الدولية وبينها وكالة فرانس برس.

تينا كار: لولا عمل الصحفيين المستقلين لما تمكنا من فهم العالم

ووصف حكام الجائزة أعمال زين بأنها “رائعة” و”تنقل الواقع عن قرب وذات مسحة شخصية”. وأضافوا “يصعب الحصول على تقارير من حلب والمواد المقدمة تسجل الحياة اليومية لصبية يسبحون في بركة تشكلت في حفرة خلفتها قنبلة… إن امتلاك القدرة على التقاط اللحظة والشجاعة للتصوير ينمان عن ذكاء مصور الأشرطة”.

وكان من المفارقة أنه لم يتمكن من حضور حفل تسلم جائزته لأنه لم يحصل على تأشيرة دخول لبريطانيا.

وقالت مديرة المنظمة تينا كار في بيان “لولا عمل الصحفيين المستقلين لما تمكنا من فهم العالم. إنهم يستحقون الاعتراف والدعم والحماية”.

ولم يكن زين الرفاعي الصحفي المستقل الوحيد الذي نقل تفاصيل الحرب السورية بتميز وصلت إلى العالم، حيث منحت جمعية مرسلون بلاد حدود مساء الثلاثاء في ستراسبورغ الصحفية السورية زينه ارحيم (30 عاما) التي تعمل في مدينة حلب جائزتها للعام 2015.

وأوضح المنظمون أن الصحفية السورية التي تعتبر بلادها من أخطر الدول في العالم بالنسبة للصحفيين، اختيرت على أساس “سلوكها وعزمها وشجاعتها وقدرتها على التركيز على البعد الإنساني في الحرب”.

وسلمت الجائزة إلى عمها خلال احتفال أقيم على هامش “المنتدى العالمي للديمقراطية” بحضور الأمين العام للمجلس الأوروبي ثوربجورن جاغلاند.

ومنذ عامين، تركت زينة بصمتها في هذا المجال، فقد دربت المئات من الأشخاص ثلثهم من النساء على الإعلام المرئي والإعلام المكتوب وساهمت في ظهور صحف ومجلات جديدة في سوريا.

نقل هؤلاء الصحفيون المستقلون تفاصيل الحياة اليومية لضحايا الحروب، لكن قضية التغطية الإخبارية لا تقتصر على مجرد نقل الخبر وإعادة تركيب صور الحدث وعرضه على المشاهدين؛ وإنما أصبحت تمتد إلى حد المساهمة في صناعة الأحداث بكل مكوناتها، بل إن فنيات تغطية الخبر في حد ذاتها هي معالجة مقصودة للتأثير على الحدث، وتوجيهه نحو أغراض مقصودة ومهندسة مسبقا، وهنا يأتي دور وكالات الأنباء العالمية التي تسوق هذه المشاهدات، وفقا لسياساتها.

18