وكالة استخبارات تتقفى أثر الصواريخ الباليستية العابرة للقارات

الأحد 2017/12/17
تتبع أثر العدو

أوهايو – عندما تطلق كوريا الشمالية صاروخا باليستيا فوق المحيط الهادي يلجأ المسؤولون الكبار في الولايات المتحدة إلى المركز القومي للاستخبارات الجوية والفضائية (ناسيك) الموجود في قاعدة القوات الجوية رايت باترسون في أوهايو.

وتطلع التحاليل التي تقدمها وكالة ناسيك البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون على التهديدات القادمة من الجو والفضاء وشبكة الإنترنت وتحدد نوعية الأخطار التي يمكن أن يمثلها صاروخ يمكن أن يطلقه “بلد مارق” على الولايات المتحدة وحلفائها.

وتقيّم وكالة الاستخبارات العسكرية التهديد الذي يمثله رأس نووي لأحد الخصوم بينما تحلل ناسيك صواريخ خصم أجنبي يتجاوز مداها الألف كيلومتر. ويعلق لوران طومسون، المحلل العسكري في معهد لكسنغتون، على مهمة الوكالة مؤكدا أنه “ليس من المبالغة القول إن التقييمات التي تنجزها ناسيك يمكن أن تصنع الفارق بين الحرب والسلم”.

مقر جديد

افتتحت ناسيك، مؤخرا، مقرا جديدا بقيمة 29.5 مليون دولار في جزء ناء من قاعدة رايت باترسون. وفي خطوة نادرة سمحت القوات الجوية الأميركية لوسائل الإعلام بحضور الافتتاح، لكنها كشفت عن معلومات شحيحة جدا حول العمل الذي سيجري في هذه البناية، بحسب تغطية لوكالة “أسوشيتد برس”.

وتتولى الوكالة المتكتمة التي تضع طائرة مقاتلة من نوع “ميغ 29” خارج مقرها، تقييم قدرات التهديد الصاروخي الباليستي العابر للقارات للصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية وغيرها، وتفكك التكنولوجيا الأجنبية للبحث عن الأسرار لدى الخصوم.

ويقول ماك تومبري، النائب الأميركي الجمهوري عن ولاية تكساس، وهو رئيس لجنة القوات المسلحة، “الوكالة تركز بوضوح على المشكلات المتطورة التي تواجهها الولايات المتحدة، وهي مشكلات يسألني عنها الكثير من ناخبيّ كل يوم. ماذا سنفعل في ما يخص كوريا الشمالية؟ إلى أي اتجاه تذهب إيران؟ ماذا عن القدرات الروسية والصينية؟”.

مهمة ناسيك لا تقتصر على تحليل الأسلحة التي يملكها عدو ما، بل ما هي الأسلحة التي يسعى إلى اكتسابها ومتى تصبح هذه الأسلحة متوفرة وكيف من الممكن أن تستعمل

وتملك ناسيك 3100 موظف مدني وعسكري وتبلغ ميزانيتها 430 مليون دولار. وإلى جانب إطلاع أكبر القادة السياسيين والعسكريين على المعلومات، توفر المعلومات الاستخباراتية للمقاتلين في الحرب وإلى خبراء شراء الأسلحة لمجابهة التهديدات المعادية.

ويمتلك الموظفون في الوكالة مهارات علمية وهندسية وتكنولوجية وقد ارتفع عددهم بمعدل 100 موظف في العام منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فيما يتوقع أن يرتفع العدد أكثر مع زيادة حجم المعلومات الاستخباراتية المطلوب تأويلها وتقييمها.

وستحتاج ناسيك إلى تمويلات في المستقبل لتوسعة كبرى في مقرها الرئيسي من أجل تلبية الطلبات، بحسب قائد المركز العقيد سين ب.لاركن، الذي يضيف قائلا في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس “هناك الكثير من الأشياء تجري في العالم نراقبها”.

ويقول لوران طومسون، الذي يعمل أيضا مستشارا في الصناعة العسكرية، إن “ناسيك لديها دور أساسي في تقييم خطورة التهديدات العسكرية ضد الولايات المتحدة. تعتمد بشكل قياسي على الوسائل التقنية لجمع المعلومات الاستخباراتية، وقد تكون في حالة كوريا الشمالية المعلومات الوحيدة الموثوق بها التي بحوزتنا. ربما ليس هناك الكثير من الجواسيس الأميركيين الذين يعملون على الأرض في كوريا الشمالية”.

ويضيف “لا تقتصر مهمة ناسيك على تحليل الأسلحة التي يملكها عدو ما، بل تتولى أيضا البحث عن إجابات بخصوص ما هي الأسلحة التي يسعى العدو إلى اكتسابها ومتى تصبح هذه الأسلحة متوفرة وكيف من الممكن أن تستعمل؟”.

ويقول النائب الجمهوري مايك تورنر، وهو عضو في لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات في البرلمان، إن المشرعين يفهمون أن العمل الذي تقوم به ناسيك ازداد من حيث الأهمية مع مواجهة البلاد لتهديدات تزداد تعقيدا.

وتحتفل ناسيك بعيد ميلادها المئة هذه السنة. وكانت بدايتها سنة 1917 في ميدان ماك كوك القديم التابع للجيش في دايتون، حيث قام المهندسون بتفكيك طائرات أجنبية في الحرب العالمية الأولى لمعرفة أسرارها. وبعد ذلك، قام المهندسون في الوكالة بتشريح الطائرات المقاتلة من نوع ميغ الروسية الصنع والصواريخ جو-جو إلى جانب أسلحة أخرى، وذات مرة تزعمت التحقيق في تقارير عن الصحون الطائرة في ستينات القرن الماضي، وذلك في إطار ما يسمى مشروع الكتاب الأزرق.

التهديد الكوري الشمالي

قامت كوريا الشمالية التي هددت بتوجيه ضربة نووية ضد الولايات المتحدة الأميركية إذا هوجم النظام الشيوعي، بسلسلة متصاعدة من الاختبارات الصاروخية والنووية أثارت قلق حلفاء أميركا في الجوار ومنهم اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما.

ويقول غاري أوكونال، وهو عميل سابق في الوكالة، “كوريا الشمالية هي مشكلة صعبة جدا نتكفل بتحليلها لأنها شديدة الانعزال ولذلك لا نعرف التقدم الذي حققوه إلا عند قيامهم بالاختبارات. الأمر يعتمد على التنبؤات ضد بلد كهذا محاولين اكتشاف إلى أي مدى وصلوا قبل الإطلاق الفعلي؟”.

ويضيف أن الأمر الأصعب يبقى محاولة تحديد نوايا كوريا الشمالية المسلّحة نوويا، إذ تتعاون ناسيك مع وكالات استخباراتية أخرى لمحاولة العثور على ذلك الجواب. ويؤكد أن “الأسطول النووي الأضخم هو بالتأكيد روسيا ببساطة فيما يتعلق بالأرقام والقدرة التدميرية، لكن كوريا الشمالية الأصعب تنبؤا”.

ويقول طومسون “قد يكون الفهم الدقيق للقدرات التي تملكها كوريا الشمالية حاسما في نجاة الملايين من الناس في الولايات المتحدة والدول الحليفة”. ويتابع بالقول “لا تكفي معرفة أن الكوريين الشماليين يختبرون صواريخ بعيدة المدى. نحن في حاجة إلى معرفة ما إذا كانوا يملكون رؤوسا نووية يمكن تحميلها على الصواريخ، وما هي الطاقة التفجيرية، ومدى دقة إصابة الرؤوس النووية لأهدافها، ومدى قدرتها على الصمود أمام الحرارة المرتفعة الناتجة عند العودة إلى الغلاف الجوي للأرض”. وتملك الولايات المتحدة مجموعة من الأنظمة الغامضة لجمع مثل تلك المعلومات الاستخباراتية التقنية.

وكالة الاستخبارات العسكرية تقيم التهديد الذي يمثله رأس نووي لأحد الخصوم بينما تحلل ناسيك صواريخ خصم أجنبي يتجاوز مداها الألف كيلومتر.

وفي يونيو الماضي، نشرت ناسيك تقريرا عن “تهديدات الصواريخ الباليستية والمبرمجة” لتقييم التهديدات العالمية جاء فيه أن كوريا الشمالية أطلقت الصاروخ الفضائي “تايبو دونغ 2” حمل قمرا صناعيا إلى مداره في ديسمبر 2012 وفبراير 2016.

ويقول التقرير “إذا طوع هذا النوع من الصواريخ ليكون صاروخا باليستيا عابرا للقارات يمكنه الوصول إلى الولايات المتحدة”، مضيفا أن “هذا البلد كشف عن صواريخ باليستية عابرة للقارات منقولة على الطرقات وهو كذلك بصدد تطوير صواريخ باليستية تطلقها غواصات من بين مجموعة من الأسلحة القصيرة والطويلة المدى”.

ويقول خبراء ناسيك إن نسق اختبارات طيران الصواريخ الباليستية ارتفع بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ففي يوليو الماضي أطلقت كوريا الشمالية صاروخين باليستيين من نوع “هواسونغ 14” مما أثار تحذيرات جديدة عن قدرات هذا البلد المتقوقع على نفسه.

وعلى أساس هذه الاختبارات، استخلص ثلاثة باحثين أن هواسونغ 14 لم يشكل آنذاك تهديدا نوويا للولايات المتحدة للولايات الـ48 المنخفضة، بل “خدعة متقنة التصوير من كوريا الشمالية لإحداث انطباع زائف” بأنه تهديد للبر الرئيسي للولايات المتحدة، حسب التقرير المنشور في مجلة علماء الذرة في أغسطس الماضي ونقلته مجلة نيوزويك أيضا.

كما أثارت استنتاجات الباحثين شكوكا في قدرة الصاروخ على ضرب مدينة أنكوريج في ولاية ألسكا بقنبلة نووية. لكنهم لاحظوا أن كوريا الشمالية بصدد تطوير مهاراتها. وتبقى بعض الأسئلة دون جواب، حسب تيودور أ. بوستول، أحد الباحثين الثلاثة، وهو أستاذ فخري في معهد ماستشوستس للتكنولوجيا مختص في العلوم والتكنولوجيا والأمن القومي ومستشار علمي سابق لدى رئيس العمليات البحرية.

ومن بين المسائل المجهولة، هل بإمكان كوريا الشمالية صنع سلاح نووي خفيف الوزن يمكن تحميله على صاروخ؟ هل يستطيع رأس نووي الصمود أمام قوى الجاذبية لرحلة عبر الفضاء والحرارة الشديدة الناتجة عن العودة إلى الغلاف الجوي؟ ما هو مدى دقة هذا السلاح؟

ودفعت الاختبارات الكورية الشمالية الولايات المتحدة نحو زيادة الإنفاق على التكنولوجيا المضادة للصواريخ الباليستية. ويعقّب خبير الصواريخ قائلا “أرى بالأساس أن بيونغ يانغ لا تملك قدرة نووية ضد الولايات المتحدة حاليا. أنا هنا أقدم ما أدعي أنه تخمين مرتكز على حسن اطلاع، لكنه يبقى تخمينا، وحتى أكون صريحا تماما أعترف بأني أخطأت في التخمينات حول هؤلاء الرجال في الماضي”.

ويضيف أنه “من غير المرجح للغاية” قيام كوريا الشمالية بصنع رأس نووي مصغر “لكن لا أحد بما في ذلك مجتمع الاستخبارات الأميركية لديه علم إلى أي مدى وصلت كوريا الشمالية في تكنولوجيا التصغير وتقسية الرؤوس النووية؟”.

وكان خبراء عسكريون أميركيون أعلنوا مرارا أن الولايات المتحدة لا تملك منظومة دفاعية قادرة على حماية الولايات المتحدة من الصواريخ المهاجمة بنسبة 100 في المئة.

الولايات المتحدة لا تملك منظومة دفاعية قادرة على حماية الولايات المتحدة من الصواريخ المهاجمة بنسبة 100 في المئة

ووفقا لتقدير أعده خبيرا الصواريخ الألماني ماركوس شيلر والأميركي ديفيد رايت من “اتحاد العلماء القلقين”، تستطيع صواريخ منطلقة من أراضي كوريا الشمالية الوصول إلى مدينة نيويورك في زمن قدره 40 دقيقة. وإذا أطلقت كوريا الشمالية صاروخا من إحدى غواصاتها الكثيرة الموجودة في وسط المحيط الهادي فيمكن أن يصل السلاح النووي الفتاك إلى أراضي الولايات المتحدة في زمن قدره 15 دقيقة.

وتستغرق عملية إعداد الصاروخ للانطلاق من أراضي كوريا الشمالية 5 دقائق، في حين تستطيع غواصات الأسطول الكوري الشمالي إطلاق صواريخها بعد 15 دقيقة من تلقي الأوامر المناسبة. وحسب تقديرات ديفيد رايت، فإن فسحة الوقت التي قد يملكها الرئيس الأميركي ليقرر توجيه الضربة الثأرية لن تزيد على 10 دقائق، في حال أطلقت كوريا الشمالية الصواريخ البعيدة المدى من أراضيها.

ودفعت تهديدات كوريا الشمالية النووية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى افتتاح مقر لها في كوريا الجنوبية. وكشفت الـ“سي أي آيه” في بيان لها “المقر سيتعامل بشكل وثيق مع كافة أجهزة الاستخبارات، وأجهزة الأمن القومي للولايات المتحدة بأكملها”.

وقال مدير المخابرات الأميركية مايك بومبيو، إن “افتتاح المركز الكوري سمح لنا بدمج وتوجيه جهود وكالة الاستخبارات المركزية بشكل أكثر تحديدا، لمكافحة التهديدات الخطيرة لكوريا الشمالية على الولايات المتحدة وحلفائها”.

7