وكالة الغوري من فندق سلطاني إلى قبلة للعرائس تخشى التآكل

تنفرد وكالة الغوري، الواقعة في قلب القاهرة القديمة بالقرب من مسجد الحسين وشارع الأزهر، بالجمع بين بهجة الحاضر المستمدة من فرحة العرائس اللائي يأتين إلى الوكالة للتسوّق الأخير قبيل الزفاف، وتراث الماضي الساكن في ثنايا الجدران والأرضيات، مؤتمنا على ما يزيد على خمسة قرون من تاريخ مصر، غير أنّ ذلك لا يُخفي ما يتهدّد بعض نواحي الوكالة من تآكل.
الثلاثاء 2015/06/02
وكالة الغوري تشهد على تاريخ عريق، لكنها تشكو الإهمال وغياب الصيانة

القاهرة - تقع وكالة الغوري بشارع الإمام محمد عبده، بجوار الجامع الأزهر ومسجد الحسين، أي في منطقة تعتبر قبلة للراغبين في استنشاق عبير القاهرة الفاطمية. وتتكوّن الوكالة من فناء مستطيل الشكل غير مسقوف، تحيط به قاعات ترتفع على خمسة طوابق، تربط بينها سلالم حجرية.

ومن المفارقات أن وكالة الغوري، التي تعتبر حاليا واحدة من أشهر أسواق الملابس النسائية وثياب العرائس، كان السلطان المملوكي، قنصوة الغوري، قد أنشأها في الأساس لتكون فندقا لضيوفه، فقد كانت مئات المحلّات المنتشرة حاليا في الطوابق الخمسة للوكالة غرفا وأجنحة لكبّار زوّار السلطان.

تحمل المحلات التجارية المصطفّة على جانبي الوكالة سمات العراقة والقدم، فتعود بالزائر مئات السنوات إلى الماضي، وتأخذه تحديدا إلى العصرين المملوكي والعثماني، لكنّ حركة النساء والفتيات المصريات المقبلات على الزواج تعيده إلى الحاضر، ليشهد على ازدحام الشوارع الضيقة للوكالة بعرائس المستقبل مُقْبلات على التسوّق استعدادا لحياتهن الجديدة.

وتعدّ الوكالة جزءا من المجموعة المعمارية للسلطان المملوكي، أبوالنصر قنصوة الغوري، آخر سلاطين دولة المماليك الذي تولى حكم مصر خلال الفترة من 1501 حتى 1517 ميلادي. وتضمّ أيضا مدرسة الغوري والخانقاه والسبيل والكتّاب والمنزل، وتنتهي بوكالة الغوري الأثرية التي تخصّصت في وقت ما في حياكة الملابس السلطانية وعرض أجود أنواع القماش الفاخر، وهي مسجلة ضمن عداد الآثار الإسلامية والقبطية.

العثمانيون استولوا على التحف التي جمعها السلطان قنصوة الغوري في وكالته، ونقلوها حيث تعرض إلى اليوم بإسطنبول

الحاج أحمد حسنين الذي يستأجر محلا صغيرا داخل الوكالة قال لـ”العرب” إنّه ورث المحل عن أبيه الذي استأجره بدوره منذ حوالي 30 سنة من وزارة الأوقاف، التي تتولّى إدارة الوكالة باعتبارها من المناطق الأثرية.

محل حسنين يتخصص في بيع ملابس النوم للعرائس، وكذلك مفارش وموائد الطعام، لكنه يقول إنّ تجارته ليست في حال جيدة، بسبب تراجع الإقبال على الشراء، من جرّاء الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها مصر في السنوات الأخيرة، لكنه يأمل أن تتحسّن الأحوال بعد استقرار الوضع الأمني والسياسي ووجود مؤشرات على تحسن الوضع الاقتصادي.

محمد عبدالعزيز، شاب وقف ينادي على بضاعته من المفروشات المنزلية المعروضة على جدران محله الأثري القديم، قال لـ”العرب”، إن وكالة الغوري مقصد لعدد كبير من النساء، وفيها يجدن كافة ما يحتجنه من مستلزمات منازلهن وتجهيز العروس المقبلة على الزواج.

عبدالعزيز، قرأ كثيرا عن تاريخ الوكالة وسمع عنها حكايات من جده الذي كان أوّل من استأجر متجره الحالي، لكن الجد كان متخصصا في بيع العطور الشرقية المميزة، قبل أن يحوّل حفيده نشاطه التجاري إلى بيع مفروشات التي يتمّ استيرادها من الصين.

رأفت النبراوي: خطر المياه الجوفية يهدد وكالة الغوري ويعرض جدرانها للتآكل

ومن المعروف أن السلطان قنصوة الغوري كان يحب الغناء والشعر، وكان قارئا نهما للتاريخ، كما كان مغرما بجمع التحف، ولاسيما منها التي تخصّ العصر النبوي. لكن ما جمعه الغوري من تحف استولى عليه العثمانيون، بعد أن تغلّبوا عليه في موقعة مرج دابق، وقاموا بإرساله إلى الاستانة، حيث لا تزال تعرض حتى الآن في متحف طوب كابي في إسطنبول.

يقول رأفت النبراوي، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، إن وكالة الغوري تتميّز بشكل معماري يميّزها عن باقي العمارة الإسلامية، وقد راعى مشيّدها أن تكون خطوطها المعمارية متجانسة ومتقاربة، مشيرا إلى أن تلك المجموعة تحديدا تناولتها بالشرح والتحليل الكثير من الكتب والبحوث الجامعية، بما يوازي أهميتها الكبرى في التاريخ الإسلامي.

وكانت الحكومة المصرية قد قامت، في عام 2005، بترميم الوكالة ضمن مشروع إحياء القاهرة الإسلامية، والتي أصبحت الآن تتبع وزارة الثقافة، وقد تحوّلت إلى مركز ثقافي تقدم فيه عروضا فنية لفرق التنورة والإنشاد الديني.

ومع ذلك، يرى النبراوي أن الوكالة من الآثار الإسلامية التي تتعرّض لإهمال شديد من الحكومة المصرية خلال الفترة الأخيرة، مؤكدا أن تلك الآثار لا يوجد لها مثيل بالعالم، مع ذلك لا تخضع للترميم الدقيق منذ فترة طويلة.

وأشار إلى أن خطر المياه الجوفية يهدّد وكالة الغوري ويعرض جدرانها للتآكل، ما لم تتدخّل وزارتا الآثار والثقافة معا بشكل سريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، معيبا على وزارة الأوقاف تأجير المحلات الأثرية لتجار لا يعرفون قيمتها التاريخية. جدير بالذكر أن وكالة الغوري تشرف عليها أربع وزارات مصرية، هي الأوقاف والسياحة والآثار والثقافة.

20