وكالة بازرعة "مول" تجاري بمعالم إسلامية في القاهرة

كانت كل وكالة في القاهرة القديمة بمثابة مجلس موسع، حيث يلتقي فيه التجار القادمون من المحافظات البعيدة إلى العاصمة المصرية لعقد الصفقات وتفعيل التبادل التجاري في ما بينهم، لكن هذه الوكالات أصبحت في حاجة إلى ترميم للمحافظة على وجهها المعماري الحقيقي.
الجمعة 2016/03/04
مجلس التجار

القاهرة - في منطقة الجمالية بحي الأزهر الشريف التي تعد قلب القاهرة الفاطمية، تحيط البنايات والآثار الإسلامية بزائر المنطقة من كل صوب، حيث يلتفت حوله فلا ترى عيناه إلا أثرا أو سوقا تجاريا قديما.

خلال سيره لابد أن يمر على وكالة بازرعة، وهي تعد من أشهر “مولات” العصر العثماني التي مرت بمراحل حياتية متقلبة مثلما هو حال المنطقة وسكانها، فبعد عقود من الإهمال عاد إليها الاهتمام من خلال مشروع لترميم الوكالة تكلف 641 ألف دولار واكتمل تماما عام 2008.

أنشئت الوكالة في القرن الـ17 الميلادي، وعرفت في البداية بوكالة “الكيخيا” نسبة إلى صاحبها حسن كتخدا المُلقب بنفس لقب “كيخيا”، وكانت مخصصة في البداية لبيع الأخشاب، الأمر الذي استمر حتى أواخر القرن التاسع عشر حين اشتراها محمد بازرعة ليحول نشاطها من بيع الأخشاب إلى تجارة البن المستورد من مدينة حضرموت باليمن وكذلك الصابون النابلسي من مدينة نابلس بفلسطين.

يتوسط الوكالة صحن مكشوف على شكل مستطيل، ويبدو المبنى، الذي يتكون من قسمين، عريقا، وكلاهما مكون من طابقين، أحدهما للتجارة ويضم حواصل البضائع على جانبي الصحن فيٍ الطابقين الأرضي والأول، وتتراص بهما المحلات التجارية التي تطل على واجهة الوكالة الرئيسية المطلة على شارع التمبكشية بالطابق الأرضي.

أما الجزء الثاني فكان مخصصا لإقامة التجار، وله مدخل خاص به يؤدي إلى الغرف والأجنحة ومطبخ، فضلا عن غرفة كبيرة خصصت لاستقبال الضيوف، وصمم المكان بشكل يحافظ على خصوصية النزلاء بعيدا عن ضوضاء التجارة وحركة التجار هنا وهناك.

الجهة الرئيسية للوكالة يبلغ اتساعها 5.40 متر ويتوجها عقد نصف دائري مكون من صنجات حجرية، والباب الخاص بالمدخل الرئيسي للوكالة لافت للنظر بسبب حجمه الضخم، ويتكون من ضلفتين صُنعتا من الخشب وخاليتين من الزخارف، وإن كان يحيط بالمدخل الرئيسي والباب نوع من الزخارف يسمى “جفت لاعب” يرجع تصميمه إلى العصرين المملوكي والعثماني حيث تم تشكيل حرف الميم ليعطي شكل الميمات السداسية.

عدد كبير من الوكالات على نفس الشاكلة بالقاهرة الإسلامية يرجع تاريخها إلى العصر العثماني، لكنها أهملت إلى درجة أن هناك أجيالا عديدة من المصريين لا تعرف عن أمرها شيئا

الدكتور مختار الكسباني، أستاذ التاريخ الإسلامي ورئيس المجلس الأعلى للآثار سابقا، قال لـ”العرب” إن ترميم الوكالة كان دقيقا للغاية استخدمت فيه أدوات خاصة لتجديد الحوائط والنوافذ والأخشاب، كما تم طلاء الخشب الأثري بمادة عازلة تحافظ عليه من التآكل.

والوكالة تعتبر من أجمل الوكالات التجارية التي بُنيت في العصر العثماني، الذي اشتهر بهذا النوع من الأبنية التي تشبه فيٍ تصميمها المجمعات التجارية فيٍ الوقت الحالي، لكن الفارق أن الوكالات التجارية في ذلك العصر كانت تقوم على التخصص، بمعنى وكالة متخصصة في الخشب فقط، وأخرى للملابس، وثالثة للتحف و”الأنتيكات”.

وهناك عدد كبير بالفعل من الوكالات على نفس الشاكلة بالقاهرة الإسلامية، وكلها يرجع تاريخها إلى العصر العثماني، مثل وكالة الغوريٍ وغيرها، لكنها أهملت إلى درجة أن هناك أجيالا عديدة من المصريين لا تعرف عن أمرها شيئا.

وأشار الكسباني إلى أنه تقدم بمشروع للحكومة من أجل إحياء وكالة بازرعة وتحويلها إلى فندق تراثي يدر دخلا قوميا لمصر، لأن مثل هذه الفنادق أو النُزل التراثية لها مكانة خاصة لدى السائحين الأجانب ويدفعون أموالا طائلة للإقامة فيها، كان ذلك في وقت تولي فاروق حسني وزارة الثقافة المصرية، فأعجب بالفكرة ووافق على تنفيذها، لكن تطورات الأحداث الأمنية والسياسية بعد ثورة يناير جمدت المشروع بالكامل.

أمينة عبدالمجيد المرشدة السياحية قالت لـ”العرب”، إن وكالة بازرعة وغيرها من الآثار الإسلامية لا تدخل في برامج شركات السياحة للأسف، لكن بعض السائحين يطلبون زيارتها بشكل منفرد.

صحن الوكالة المميز لا يزال يحتفظ بمساحته كاملة حتى الآن، حيث يبلغ طوله 27.65 مترا، وعرضه 10.75 أمتار، ويرتكز على 4 جدران مرفوعة بدعامات حجرية مربعة تمثل واجهة الممر الذي يفضي إلى الحواصل.

حرص مصمم الوكالة أن تطل الغرف والأجنحة السكنية على باحة الصحن الموجود في منتصفها، من خلال نوافذ خشبية على شكل مشربيات أو ما يسمى بشباك حجاب كان يستر من يقف خلفه، وقد بنيت الوكالة من الأحجار الضخمة والتي استخدمت في الدور الأول للوكالة كحوائط حاملة للمبنى، بينما بنيت باقي الجدران من الحجر الآجر “القرميد الأحمر” أو الطوب، كما طُليت باللونين الأصفر والأسود.

محمد عبداللطيف رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار في مصر، قال لـ”العرب” إن الوكالة واحدة من أهم العمائر الإسلامية التي تتميز بمعمار مملوكي عثماني، وهي على قائمة اهتمامات الوزارة، ولفت إلى أن الوكالة استغرق ترميمها 5 أعوام وافتتحتها السيدة سوزان مبارك حرم الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2008، استعدادا لإقامة أنشطة فنية وثقافية بها على غرار وكالة الغوري.

20