ولادة الجمعيات والروابط الأدبية العربية وموتها

مئة عام على تأسيس الرابطة القلمية في نيويورك التي عاشت 12 سنة فقط، آلت بعدها إلى التفكك وانصراف أعضائها كل إلى شأنه الأدبي، على إثر رحيل جبران خليل جبران.
الأحد 2020/02/09
لعب جبران دور العراب في "الرابطة القلمية" وبوفاته تفككت وانفرط عقدها

هل انتهى زمن الاتحادات والروابط الأدبية في العالم العربي؟ بمعنى آخر هل استنفد هذا الشكل من أشكال التجمع واللقاء بين الأدباء إمكاناته، ولم يعد صالحا للحياة، بعد عقود من قيامه، لاسيما في ظل ما أخذت تشهده حركة التواصل والاتصال بين الأدباء والمثقفين من سبل جديدة أتاحتها لهم وأملتها عليهم التطورات التكنولوجية متعددة الأوجه التي دخلت على الحياة الثقافية؟

أطرح هذا السؤال والروزنامة العربية أمامي تؤشر على مرور مئة سنة على تأسيس أشهر الروابط الأدبية في الثقافة العربية، وأعني بها "الرابطة القلمية" التي أسستها نخبة أدباء المهجر الأميركي.

منذ الربع الأول من القرن العشرين شهدت الثقافة العربية ولادة الروابط الأدبية، أولا مع “الرابطة القلمية” التي تأسست في نيويورك رسمياً سنة 1920، على إثر جلسات في بيت كل من عبدالمسيح حداد (صحافي كان يصدر صحيفة “السائح”) وجبران خليل جبران، وضمت الاجتماعات كلاً من جبران، إيليا أبو ماضي، نسيب عريضة، رشيد أيوب، عبدالمسيح حداد، ندرة حداد، إلياس عطا الله، وليم كاتسفليس، وميخائيل نعيمة، وحسب الأخير في مذكراته فإن محضر التأسيس دوِّن بقلمه.

اعتبرت الرابطة القلمية، في بيانها التأسيسي، إطاراً يجمع الكلمة ويوحّد المسعى “في سبيل اللغة العربية وآدابها”. فالأساس في قيامها، من موقعها في نيويورك، كان أدبياً وفكرياً وجمالياً، وليس نقابياً، كما ستؤول إليه أهداف معظم الروابط والاتحادات الأدبية التي ستتأسس لاحقاً في العواصم العربية، خصوصا تلك التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين.

المظهر الغالب على وجود اتحادات الكتاب العربية هو العطالة الفكرية والأدبية لصالح النقابة المترهلة إطاراً للطامحين بالأدوار السياسية والاجتماعية والمغانم الشخصية صغيرة كانت أو كبيرة

ذكرت “الرابطة القلمية” لأنها لعبت دور الملهم في تأسيس جل الروابط الأدبية اللاحقة عليها.

ما نعرفه عن هذه الرابطة أنها عاشت 12 سنة فقط، آلت بعدها إلى التفكك وانصراف أعضائها كل إلى شأنه الأدبي، على إثر رحيل جبران خليل جبران عن عالمنا وقد كان صاحب فكرتها وأبرز أعضائها وأكثرهم شهرة أدبية وتأثيراً في الحياة الثقافية ليس في المهجر الأدبي وحسب، ولكن في دنيا الثقافة العربية مشرقا ومغرباً.

والسؤال الآن ما إذا كانت فكرة الرابطة التي تجمع أكثر من ذات أدبية على هدف أو فكرة أو مسعى، هي، عادة ما تكون مقترح شخص واحد حالم، يتطلع إلى إطار جامع يحقق من خلاله فكرته عن الأدب في علاقته بالمجتمع، وعن القلم المفرد بالجماعة الأدبية، فيلعب هذا الفرد دورا محوريا، ويحصل اللقاء بأدباء يورّطهم بما يفكر فيه ويجد صدى لديهم، ثم ما أن تتحقق الفكرة حتى تتضارب الأفكار وتختلف الآراء، وتبدأ المتاعب، فيعصف الخلاف وتفترق الطرق بالمجتمعين، فالإرادات المتعارضة لأفراد تشاركوا ووظفوا طاقاتهم في ظل وجود شخصية محورية طاغية الحضور (جبران في الرابطة القلمية) و(يوسف الخال في جماعة شعر) بعد نصف قرن من الزمن، فكان رحيل الأول، وانسحاب الثاني سببا في انفراط عقد الجماعتين، من قبل حتى أن ينتهي مبرر وجود الجماعة.

كانت الحاجة إلى وجود منابر ومنصات ثقافية من المسوّغات الكبرى لولادة الروابط الأدبية في كل من دمشق والقاهرة وبغداد وبيروت وغيرها من عواصم العرب، وذلك في ظل ندرة المنابر الأدبية. ونعرف من تاريخ الصحافة العربية أن عددا لا يستهان به من المجلات الأدبية إنما توالى صدورها على إثر ظهور جمعيات ونواد أدبية، فكانت صوتا لتلك الجمعيات والنوادي، كما هو الحال بالنسبة إلى مجلة “الرابطة الأدبية” التي تأسست في دمشق سنة 1921 وكانت المنبر الرسمي لأول رابطة أدبية ظهرت في بلاد الشام، والتي أعلن مؤسسوها وبينهم الناقد أحمد شاكر الكرمي والأديبة ماري عجمي والمترجم أبفانيوس زائد، والشاعر محمد الشريقي، وآخرون غيرهم، أنهم استلهموا في تأسيسها تجربة جبران ورفاقه، بل إنهم تلقوا رسالة تحية وتهنئة من “الرابطة القلمية” موقعة بخط جبران.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن نشوء “الرابطة القلمية” استدعى ولادة منابر أدبية وثقافية منها مجلة “الفنون” وناشرها نسيب عريضة، جريدة “السائح” وناشرها عبدالمسيح حداد، ومجلة “السمير” وناشرها إيليا أبو ماضي. والحال ينطبق على جماعة أبولو التي تشكلت في القاهرة سنة 1932، وهي جماعة شعرية رومانتيكية كان لسان حالها مجلة “أبولو” ومؤسسها هو الشاعر أحمد زكي أبوشادي وضمت أعلاما مصريين وعرباً من أمثال إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وأبي القاسم الشابي، وآخرين.

بعد عام واحد من نشوء جماعة أبولو تأسست “العصبة الأندلسية” في مدينة ساو باولو بالبرازيل على يدي الشاعر اللبناني المهاجر ميشيل نعمان وشفيق معلوف، وعاشت زمنا أطول من رابطة جبران، وقد ترأسها بعد رحيل مؤسسها الشاعر القروي رشيد سليم الخوري وذلك بدءاً من سنة 1958. وكان من بين أبرز أعضائها الشعراء فوزي والمعلوف وإلياس فرحات.

كانت الحاجة إلى وجود منابر ومنصات ثقافية من المسوّغات الكبرى لولادة الروابط الأدبية في كل من دمشق والقاهرة وبغداد وبيروت وغيرها من عواصم العرب

مع منتصف القرن الماضي توقف تأسيس العصب والجمعيات الأدبية في المهجر وكان آخرها جمعية “النادي الفينيقي” التي أسسها عقل الجر، وكان من بين أعضائها ميشيل معلوف.

لعب أدباء المهجر بانفتاحهم على تجارب الثقافات الأميركية دوراً أساسيا في إلهام الأدباء العرب تأسيس الجمعيات والنوادي الأدبية. وسوف يشهد العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين قيام عشرات الجمعيات والنوادي والجماعات الأدبية من دمشق إلى صنعاء ومن القاهرة إلى الدار البيضاء ومن بغداد إلى بيروت. ومما لا شك فيه أن هذه الجمعيات التي جمعت أدباء متعددي الاتجاهات الفكرية والمشارب الأدبية والسياسية، لعبت أدوارا بالغة الأهمية في نهضة الأدب العربي.

على أن التحولات السياسية العاصفة، وسياسة الانقلابات العسكرية وهيمنة الأيديولوجيا على المجتمع، والسلطة على الدولة، وظهور الدولة الشمولية العربية، ومعها النظم البوليسية، وما استتبع من تكميم الأفواه، وتحويل الأدباء إلى سجناء ضمير، أو لاجئين في بلدان أخرى أو كتبة تقارير، أو اشخاص معزولين ومنبوذين، حوّل الاتحادات والجمعيات الأدبية إلى مقرات إضافية للحزب الحاكم والجماعة الحاكمة. وأنهى بالتالي المسوّغات الحقيقية للمنتدى الأدبي والرابطة الثقافية. بل وأصاب بالأمراض نفسها الروابط الأدبية الحرة التي لم ترتبط مباشرة بالسلطة.

واليوم فإن المظهر الغالب على وجود اتحادات الكتاب العربية هو العطالة الفكرية والأدبية لصالح النقابة المترهلة إطاراً للطامحين بالأدوار السياسية والاجتماعية والمغانم الشخصية صغيرة كانت أو كبيرة.

ولم يبق ما يقال في حال كهذه إلا الترحم على براءة الفكرة وطفولتها المضيئة.

10