ولادة الواقع بين رفّ الكتب

عالم الاجتماع الفرنسي تيبو لوتيكسيي يثبت بالدليل في كتابه "حكاية كذبة" أن تجربة أثر السجن السلبي في نفوس المساجين كان أكبر خدعة فكرية في القرن العشرين.
الأحد 2018/07/08
حكاية أخرى للواقع والفكر يرويها الفيلسوف الإيطالي موريسيو فيرّاريس

منذ زمن طويل والفلسفة تروي حكاية محبطة، تقول إن ثمة أنا يبني العالم عبر اللغة والفكر، فيما تبني الأنوات الأخرى الماضي. هذه الحكاية حزينة لأن هذا الموقف الذي يزعم الثورية هو في الواقع محافظ بشكل عميق: بل هو رجعية خالصة، ونفي لكل حدث. يعلمنا ألا جديد يمكن أن يصيبنا، سواء في شكل تهديد أو وعد، بدعوى أن العالم كله بداخلنا.

في لغة حداثية مبتكرة وبراهين ساخرة ومُرغمة يروي لنا الفيلسوف الإيطالي موريسيو فيرّاريس في كتابه "بروز" حكاية أخرى. الواقع والفكر الذي يعرف ذلك الواقع متأتية من العالم، عبر مسارات وانفجارات وصدمات وتفاعلات ومقاومات وغيريات لا تنفك عن مفاجأتنا. من البيغ بانغ إلى الأرضة، ومن الإنترنت إلى المسؤولية الأخلاقية، ما يعطينا إياه العالم (أي كل ما هو موجود) يظهر ويتجلى بمعزل عن الأنا وخوفها من الأماكن المغلقة.

التظاهر والاحتشاد.. وسيلة لفك العزلة والتهميش
التظاهر والاحتشاد.. وسيلة لفك العزلة والتهميش

ضد البطالة لفك العزلة

ليست البطالة حرمانا من الشغل فقط، بل هي محنة اجتماعية من جرائرها في الغالب عزلة وتهميش. لذلك تحدث علماء الاجتماع عن "تظاهر بعيد الاحتمال" عندما قرر المعطلون عامي 1997 و1998 احتلال المؤسسات وتعطيل نشاطها.

غير أن عالمي الاجتماع كزافيي دونزا وفاليري كوهين يفندان تلك الفرضية في كتابهما "عندما يتجند العاطلون". 

من خلال بحثين إثنوغرافيين أكدا أن مجموعات العاطلين كانت مؤلفة من أشخاص ذات سمات متباينة، وهو ما يفند النظريات القائلة إن الاحتشاد يضع وجها لوجه المناضلين بدافع الضمير والمستفيدين من العمل المشترك.

فمن العمل النضالي إلى احتلال مراكز العمل وتناول الكلمة لا يتجلى تقسيم العمل فقط وإنما أيضا توتر دائم يرين على المجموعات ذات المطالب المتناقضة أحيانا، كمطلب الشغل لدى هذا الطرف ومطلب الترفيع في الأجر لدى الطرف الآخر. ويستخلص الباحثان أن التظاهر والاحتشاد ضروريان للعاطلين لأنهما وسيلة لفك العزلة والتهميش وما يتولد عنهما من أمراض.

كذبة زيمبارو

ظلت "تجربة ستانفورد حول السجن" التي أجراها عالم النفس الأميركي فيليب زيمباردو مثالا علميا ودليلا قاطعا على أثر السجن في نفوس المساجين، وكيف يتحول الإنسان المسالم فيه إلى شخص عدواني عنيف.

 غير أن عالم الاجتماع الفرنسي تيبو لوتيكسيي أثبت بالدليل في كتابه "حكاية كذبة" أن تلك التجربة كانت أكبر خدعة فكرية في القرن العشرين.

ذلك أن التجربة التي أجراها زيمبارو عام 1971 كانت عبارة عن مسرحية رديئة الإخراج، لأن "المساجين" هم طلبة متطوعون، و"السجن" هو جناح في جامعة ستانفورد، والتجربة التي كان يفترض أن تدوم أسبوعين توقفت بعد ستة أيام، بدعوى أن الحراس (وهم طلبة أيضا) مارسوا عنفا ساديا ضد "المساجين".

أما النتائج التي انتهى إليها زيمبارو فكانت محررة مسبقا، والبروتوكول الذي استعمله لا صلة له بالعلم إطلاقا. وبين لوتيكسيي بالوثائق والأدلة الملموسة كيف أن الدافع كان ناتجا عن تنافس أكاديمي، في مرحلة برز فيه الصراع بين الثقافة المضادة والمركب العسكري الصناعي الجامعي.

11