ولادة فكر التسامح بين المنطلقات الفكرية والصراعات المذهبية

الثلاثاء 2014/04/01
البابا فرنسيس يسعي لنشر التسامح الديني وتحقيق التقارب بين الشعوب

يطرح الباحث الجزائري أوحمنه دواق في دراسته التي عنونها بـ”مفهوم التسامح المنشأ والخصائص”، جملة من الأفكار التي تتبع المفهوم تاريخيا وتحاول التركيز على الأبعاد التي يريد التسامح كقيمة إنسانية، الوصول إليها من خلال التذكير بالنّص التأسيسي لإعلان الأمم المتحدة لمبادئ التسامح.

ينطلق الباحث أوحمنه دواق من التأكيد على أن التسامح من الناحية التاريخية واقع ثقافي دعت إليه الحاجة، أي أنه نتج من ظروف ألحت على إيجاد حالة من التوافق التشاركي المتيح للمختلف والمخالف بأن يبقى ويستمر في ظل ما يميزه. وهو ما يجعل الإنسان يبحث عن الاستمرار في ظل الاختلافات التي تميز البشر ثقافيا ودينيا.

كما يرى أوحمنه أن الصراعات المذهبية والإثنية الموجودة داخل أوروبا دفعت إلى ضرورة خلق وعي متسام على الوضع التاريخي.

ثم يعمد الباحث الجزائري إلى تقديم رأي أحميدة النيفر، أحد منظري اليسار الإسلامي، حول نشوء مفهوم التسامح الذي يرى أنّ الفكر التاريخي النقدي يوصل إلى أن التسامح في الغرب وقع اكتشافه تدريجيا، إذ انطلق مع القرن السادس عشر عبر حركية داخلية وأخرى خارجية وضعت الضمير الأوروبي أمام واقع أفرزته الحروب الدينية، وأثبتت من خلاله وجود أطراف داخل المجتمعات الأوروبية لا تشاطر المعتقدات السائدة.

ويذهب النيفر إلى أنه لما انتشر الوعي المتصل بالغرب في أرجاء العالم جراء الحركات التبشيرية والاستعمار، أدّى ذلك إلى دخول قاموسه الفكري وحمولته المفاهيمية واستعمالاته الاصطلاحية إلى البلدان المستعمرة، فنتج شكل من الوعي منمط يبرر مشكلات الغرب التاريخية.

التسامح كان نتاج ظروف ألحت على إيجاد حالة من التوافق التشاركي المتيح للمختلف والمخالف بأن يبقى ويستمر في ظل ما يميزه

هذا التفسير ربّما يبرر ذاك النزوع الغربي إلى محاولة ترسيخ رؤيته الثقافية للعالم، والعمل على تكريسها في البلدان التي يستعمرها.

ويعمد أوحمنه في دراسته إلى تقديم جملة من التعريفات للتسامح، فيقدم لنا تعريف جون لوك الذي يرى أن التسامح هو ما يميز الكنيسة الحق، بمعيار أخلاقي مذهبي يميز مجموعة روحية مرتبطة فيما بينها بشراكية إيمانية تتجاوز حدود الجدران إلى تلقي التنوع والاختلاف.

أما جون جاك روسو فيؤكد على مراحل من المعاناة تمر بها البشرية قسرا، لذا تعمد إلى البحث عن آلية تخرج بها إلى بر الأمان وجوديا وتاريخيا والتمكين لحلول سياسية معينة ورفض حالة الخصام الشامل والصراع التام، وليس ثمة عن التسامح والرأفة بديل.

بعد أن طرح جملة المفاهيم والرؤى حول التسامح، يركز أوحمنه حديثه عن الإعلان العالمي لمبادئ التسامح وأهمية النص التأسيسي لإعلان الأمم المتحدة لمبادئ التسامح.

ويقدم الباحث أمثلة من تلك المبادئ، من بينها:

- إن التسامح يعني احترام وقبول وتقدير التنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد. إنه الوئام في سياق الاختلاف وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا. والتسامح هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام وتسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب.

- إن التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل هو قبل كل شيء اتخاذ موقف إيجابي وإقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا، ولايجوز بأية حال من الأحوال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الإنسانية. والتسامح ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول.

يتعزز التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد وقبول التنوع لثقافات عالمنا

- إن التسامح مسؤولية تشكل عماد حقوق الإنسان والتعددية بما في ذلك التعددية الثقافية والديمقراطية وحكم القانون.

- لا يتعارض التسامح مع احترام حقوق الإنسان ولذلك فهو لا يعني تقبل الظلم الاجتماعي أو تخلي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها، بل يعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته. والتسامح يعني أيضا الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم لهم الحق في العيش بسلام.

من خلال تأكيده على هذه المبادئ، فإن الباحث الجزائري يبين الأهمية التي يحظى بها التسامح على المستوى الدولي، ولا غرابة في ذلك إذا ما نظرنا إلى الأخطار التي تهدد العالم من خلال عدة صراعات قائمة على أسس طائفية ألغت كل سبل التواصل والحوار.

13