ولاية أفريقيا الوسطى الداعشية دعاية أم حقيقة

عدة مجموعات ترتبط بداعش وتنتشر بمنطقة الساحل وفي غرب القارة والآن في أفريقيا الوسطى بالكونغو الديمقراطية.
الثلاثاء 2019/07/23
بعد غاو المالية داعش يركز على الكونغو الديمقراطية

ليس جديدا أن يتم الحديث عن أن أفريقيا، هي بوابة بديلة للتنظيمات المتطرفة كتنظيم الدولة الإسلامية، الذي مُني بهزائم كبرى في سوريا والعراق، كما أنه ليس من قبيل اللاّفت للانتباه أن تكون أيضا أفريقيا ساحة ملتهبة بنيران الجماعات الإرهابية المتمرّدة؛ فمنذ عقود وجدت تنظيمات مثل جماعة بوكو حرام في نيجيريا وأنصار الدين في مالي وشباب المجاهدين في الصومال، أو تنظيم القاعدة في مالي والنيجر وموريتانيا في القارة الأفريقية حاضنة لأعمالها العنيفة، لكن السؤال الآن يدور حول حقيقة ما يتم تداوله عن استعراض تنظيم داعش لعضلاته في الكونغو الديمقراطية وخاصة حول نجاحه في الاستحواذ على ما يسميه ولاية أفريقيا الوسطى مع مزاعم تشي بأنها معقل الخلاقة الجديد.

كينشاسا – لا حديث راهنا في التقارير الدولية، سوى عن الخطوات الدعائية التي ينتهجها تنظيم داعش في القارة الأفريقية، وتحديدا في الكونغو الديمقراطية التي يريد أن يُصور التنظيم المهزوم في سوريا والعراق على أنها معقله الجديد.

رغم أن التنظيم الإرهابي، بات يسارع في كل مرة للإعلان عن تبنيه التفجيرات المتفرّقة في محاولة لاستعراض عضلاته، إلا أن القراءات الملازمة لهذه الإعلانات الداعشية غير مجمعة حول حقيقة ما ينشره داعش عبر وكالة أعماق الإخبارية.

وأصبح السؤال الملازم للخبراء متمحورا حول هل تمكّن تنظيم الدولة الإسلامية من التغلغل في الكونغو الديمقراطية وهل نجح فعلا في تأسيس محافظة تابعة له قد تكون مستقبلا بمثابة المطبخ الذي تتشكّل فيه كل المخططات الإرهابية؟

هذا الجدل الجديد حول انتشار داعش في أفريقيا، أجّجه إعلان التنظيم منذ أبريل، مسؤوليته عن هجومين على قريتين في شرق الكونغو الديمقراطية.

ويعود تقرير أصدرته مؤسسة “جايمس تاون” الأميركية إلى ما تم إعلانه في أبريل الماضي حين نسب مقاتلون داعشيون لأنفسهم هجوما على قرية كمانغو القريبة من مدينة “بني”. وزعم التنظيم أنه قتل وجرح عدة جنود في القرية الواقعة على مقربة من حدود الكونغو مع أوغندا.

وفي بيان لاحق ادّعى التنظيم أيضا مسؤوليته عن هجوم آخر على قاعدة عسكرية في قرية بوفاتا في منطقة بني. وزعم مقتل ثلاثة جنود في الهجوم وجرح العشرات من المدنيين.

وقد استخدم التنظيم وفق التقرير الأميركي المكاسب المزعومة لإعلان تكوين ولاية أفريقيا الوسطى كمعقل للخلافة، حيث يقال إن التنظيم وضع رايته في المنطقة وفق تقرير سابق لـ”ذي إيست أفريكان”.

ولم يتم التأكد من مزاعم داعش، حيث يقول المحللون إنه لا يمكن تجاهل حضور هذا التنظيم بالنظر إلى الميليشيات المحلية الكثيرة التي تعمل في المنطقة. لقد نجح داعش بعد ذلك في القيام بعمليات إرهابية داخل المناطق الشمالية والشرقية والغربية من أفريقيا بواسطة مجموعات محلية تابعة له، والآن تظهر عملية تمرد حول بحيرة التشاد مرتبطة بفصائله المتحالفة مع تنظيم بوكو حرام المتطرف والمتمركز شمال نيجيريا.

وترتبط عدة مجموعات بداعش وتنتشر بمنطقة الساحل وفي غرب القارة والآن في أفريقيا الوسطى بالكونغو الديمقراطية. وتم مؤخرا تسجيل أعمال مرتبطة بفصائل داعشية في الصومال التي تمثل مركز تنظيم الشباب، وهو فصيل القاعدة في أفريقيا الشرقية.

داعش يروج لتغلغله في الكونغو الديمقراطية ونجاحه في الاستحواذ على محافظة ستكون منطلقا للمخططات الإرهابية

ويرجح الكثير من الخبراء في شأن كل هذه الخطوات الداعشية أن التنظيم المتطرف بدا وكأنه يضع بصماته في كامل أرجاء أفريقيا. لكن البعض الآخر يدحض ادعاءات الدولة الإسلامية بتأكيده أن كل ذلك هو محاولة يائسة من التنظيم لتصوير نفسه كتنظيم جهادي دولي.

وقال بعض المسؤولين الحكوميين إن الهجوم على القريتين كان بخصائص تلك التي نفذتها سابقا القوى الديمقراطية المتحالفة، وهي تنظيم إسلامي متمرد يحارب حكومتي الكونغو الديمقراطية وأوغندا على مدى عقود.

وفي بداية شهر أبريل عندما كان رئيس الكونغو الديمقراطية فليكس تشيسكندس في زيارة إلى واشنطن صرح بوجود روابط بين القوى الديمقراطية المتحالفة والدولة الإسلامية وأعلن انضمامه إلى الحرب على داعش.

في ما يتعلق بتنظيم القوى الديمقراطية المتحالفة الإسلامية الأوغندية فقد تأسس عام 1995 ويحمل مهمة الإطاحة بالحكومة.

ووفق بعض الملاحظين فإن التنظيم الأخير غيّر من اهتماماته ليركز على الصراع من أجل الإسلام. وإلى وقت قريب ضم أفراده مقاتلين مسلمين أجبروا على الخروج من أوغندا لكن يبدو أن العضوية تغيرت لتضم مجندين من منطقة أفريقيا الشرقية. وتشير التقارير إلى أن التنظيم يبحث عن الاهتمام من قبل التنظيمات الإرهابية الدولية مثل القاعدة وداعش.

وحسب مجموعة البحث الكونغولية، وهي منظمة بحثية مستقلة، فإن القوى الديمقراطية المتحالفة كانت تحاول ربط علاقات مع داعش في السنوات الأخيرة.

وتأسس تنظيم القوى الديمقراطية المتحالفة على يد جميل موكولو، وهو أوغندي تحوّل من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية إلى الإسلام. وعرف موكولو الذي ولد باسم ديفيد ستيفن بأنه منتقد كبير للإسلام عندما كان مسيحيا، وعند اعتناقه للإسلام تحوّل سريعا إلى إسلامي متشدد إثر تلقيه لتعليمات جماعة التبليغ، تلك الحركة التبشيرية للإسلام التي تحث المسلمين على العودة إلى اعتماد الشريعة، في الطقوس واللباس والسلوك.

ويعتقد أن موكولو قضى زمنا في الخرطوم حيث التقى بأسامة بن لادن، الزعيم السابق للقاعدة، وزعماء لتنظيمات إسلامية مقاتلة أخرى كانوا قد لجأوا إلى السودان.

أهداف توسعية
أهداف توسعية

وتقول بعض التقارير إن موكولو تلقى تدريبا مكثفا في السودان وأفغانستان إثر لقائه ببن لادن رغم أن ذلك لم يتأكد.ويقبع موكولو حاليا في السجن بعد أن تم ترحيله إلى أوغندا إثر اعتقاله في تنزانيا سنة 2015، ويواجه عدة تهم بما فيها الإرهاب والقتل العمد وجرائم ضد الإنسانية ودعم الإرهاب والتحريض عليه وغير ذلك من الاتهامات.

يمكن تقفي الظروف التي حفت بتكوين القوى الديمقراطية المتحالفة من خلال أعمال المسلمين الأوغنديين في التسعينات ففي ذلك الوقت كانت المجموعات الإسلامية الأوغندية تقاتل للسيطرة على مسجد نكاسيرو في كمبالا.

أرادت كل من طائفة التبليغ التي كان موكولو ينتمي إليها والمجلس الإسلامي الأعلى الأوغندي السيطرة على المسجد. وبعد صراع في المحاكم سلمت المحكمة العليا هذه المؤسسة إلى المجلس الإسلامي الأعلى الأوغندي ما خلّف سخطا لدى أعضاء الطائفة الأولى التي أطلقت سلسلة من الاحتجاجات واحتلت المساجد بالقوة.

في عام 1991 هاجمت طائفة التبليغ مقر المجلس الإسلامي في مسجد أغان خان وأدى ذلك إلى قتل الكثيرين بما في ذلك رجال شرطة أتوا لاستعادة النظام. وكان موكولو في مقدمة عملية العنف وتم اعتقاله في العملية التي قامت بها الحكومة لاحقا.

وفي عام 1994 أغار الجيش على معسكرات الإسلاميين بعد سلسلة من الهجومات والسرقات والاختطافات التي نفذوها في أوغندا، وتم اعتقال المئات منهم في هذه العملية لكن عددا كبيرا فرّ إلى الكونغو الديمقراطية.

وبقدوم تنظيم المقاتلين المسلمين الأوغنديين من أجل الحرية نصح الرئيس الكونغولي آنذاك موبوتو سيسيه سيكو كل التنظيمات المناهضة لأوغندا بتكوين جبهة موحدة يمكنه مساندتها. وأدى ذلك إلى ظهور تنظيم القوى الديمقراطية. ويزعم أن موبوتو إضافة إلى الزعيم الإسلامي السوداني حسن الترابي تقديم الدعم لهذا التنظيم أثناء مراحله الأولى. وكان الرئيس السوداني المخلوع حسن عمر البشير مساندا أساسيا لهذا التحالف.

وفي عام 1995 انضمت القوى الديمقراطية المتحالفة إلى الجيش الوطني لتحرير أوغندا، وهي حركة أوغندية مسلحة في الكونغو الديمقراطية كانت تقاتل من أجل الحصول على الحكم الذاتي في المنطقة المعروفة باسم “روانزورورو” القريبة من الكونغو. وفي تلك الفترة أطلق سراح موكولو وتسلل إلى داخل الكونغو وأصبح الزعيم الروحي والقائد العسكري الأعلى لتحالف القوى الديمقراطية وجيش التحرير الوطني الأوغندي.

لقد تصاعدت وتيرة العنف منذ 2014 نظرا لوقوع عدة هجمات بارزة. وفي 7 ديسمبر 2014 وجهت الاتهامات للقوى الديمقراطية المتحالفة بمقتل 36 شخصا في قرية أويشا القريبة جدا من بني في محافظة كيفو الشمالية. كما يزعم أن التنظيم ذبح أكثر من 250 شخصا في محافظة كيفو الشمالية خلال 16 حادثا منفصلا بين الثاني من أكتوبر والسابع من ديسمبر 2014.

ورغم أنه لم يتم بشكل مستقل التحقق من ادعاءات الدولة الإسلامية بأنها نفذت هجوما في الكونغو الديمقراطية وأسست ولاية أفريقيا الوسطى في الكونغو، لا يمكن وفق الخبراء تجاهل ادعاءاتها نظرا لوجود الكثير من الميليشيات المحلية التي تعمل في هذا البلد الذي تمزقه الحروب.

ويخلص التقرير الأميركي إلى أن التنظيمات المتمردة يمكن أن تمنح داعش فرصة لتوسيع حضورها في أفريقيا ويرجح أن يكون نموها في الكونغو الديمقراطية محدودا على المدى القصير نظرا لعدة عوامل من بينها أن إمكانية سيطرة تنظيم القوى الديمقراطية المتحالفة، على المنطقة هي إمكانية ضعيفة إذ أن هذا التنظيم هو ميليشيا غير مجهزة بشكل كبير.

Thumbnail
12