"ولاية الفقيه" الوجه الآخر لأزمة العقل الإسلامي

الجمعة 2014/12/05
يتستر الإمام الفقيه بغطاء ديني ليسيطر على المجال السياسي فتفقد المدنية معناها

تحاكي فكرة ولاية الفقيه التي تبلورت عمليا مع الخميني، فكرة الحاكمية التي أتى بها الباكستاني أبوالأعلى المودودي والمصري سيد قطب. ولعل ولاية الفقيه في جوهرها (كما الحاكمية) تمثل تشكيلا جديدا لفكرة كنسية تعود إلى العصور الوسطى في الفترة التي حكمت فيها الأرستقراطية الأوروبية، وحوّلت كامل فضائها الجغرافي إلى منطقة معزولة عن العالم ينخرها داء الطاعون ويحكمها الأب الديني الذي يخاف الملك أكثر من خوفه من الله.

في كتابه “التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية”، كتب الباحث حيدر إبراهيم علي متحدثا عن مفهوم ولاية الفقيه قائلا: “هناك تنويعة أخرى لفكرة الحاكمية، استندت إلى تراث شيعي وبلورها الإمام الخميني عن الحكومة الإسلامية، ونقصد بذلك ولاية الفقيه”.

ويبدو من خلال ذلك، أن الحاكمية المودودية ـ القطبية التي أسندت بشكل أو بآخر للإسلام السياسي السنّي، تتماثل مع مفهوم ولاية الفقيه الشيعية، خاصة بعد ما يسمى بالثورة الإسلامية على الشاه رضا بهلوي في أواخر سبعينات القرن الماضي.

والمهم في هذا السياق من الجانب الفكري، أن فكرة ولاية الفقيه قد تحولت فعلا من حيز الفقه والنص والتجربة العملية إلى حيز علم الكلام والمسائل العقائدية. بما يعنيه ذلك من جعل مفهوم ولاية الفقيه الشيعية جزءا من أصول الدين لا من فروعه، وإخراج مسألة ولاية الفقيه من النطاق البشري الذي يختص به الفقه إلى النطاق الإلهي الذي يختص به علم الكلام. ولكن الأمر في جملته لا يخلو من خرافة ما، يتم تكريسها في الأذهان ليمر الحكم باسم الله على الناس كأنه عبادة من العبادات.

يؤكد الفقيه الشيعي محمد مهدي النراقي أن الله قد منح القدرة على التشريع والحكم إلى الأنبياء، ثم الأوصياء ثم الفقهاء، وتعتبر هذه السلسلة إلزامية في المرور من دائرة فيها إلى الدائرة الأخرى، وإذا حكم الناس بغير هذه التراتبية فإنهم ضالون وغير أسوياء في دينهم، بل ويصل هذا الفقيه إلى تكفيرهم.

ويصل النراقي إلى التأكيد على أن الفقيه يمكن أن يكون الإمام المعصوم، أي أنه حاكم باسم الله وممثل الله على الأرض، وهذه الصفات تنزع عنه الخطأ والسهو ويصبح الإمام بذلك شبه رسول جديد.

ويواصل مهدي النراقي وصفه لمسألة ولاية الفقيه قائلا إن “خاتم الأوصياء أي الإمام المعصوم الثاني عشر وهو المهدي المنتظر قد أعطى صلاحية إتمام المشوار إلى الفقهاء العدول لتأسيس الدولة الإسلامية الصالحة”. وقد تابع إسلاميو الشيعة هذه الوصايا لتطبيقها في المجال الإيراني بعد “الثورة الإسلامية”. وفي المقابل، فإن كل ما في الأمر هو محض خرافة وشخصية موهومة انبنت عليها نظريات في السياسة والسلطة ليست سوى مخدر للحكم.

الحاكمية المودودية التي أسندت للإسلام السياسي السني، تتماثل مع ولاية الفقيه الشيعية خاصة بعد الثورة الإسلامية

ولكن في مقابل هذا الانتظار الطويل للإمام الغائب وهو المهدي المنتظر، يقوم الإمام الفقيه بلعب دور الفقيه الكامل والعارف بأصول الفقه والشريعة والإسلام بشكل كامل ومتكامل وغير ناقص، وهذا يعني حسب العديد من الباحثين دعوة صريحة إلى إنهاء عصر انتظار الإمام المعصوم الغائب والشروع في إقامة الدولة الإسلامية الكاملة.

ويقول الخميني في هذا الصدد إن “على الفقهاء العدول أن يتحينوا الفرصة وينتهزوها من أجل تشكيل حكومة رشيدة لتنفيذ أحكام الإسلام وإقرار أنظمته وإقامة حدود الله وحراسة ثغور المسلمين”. ويؤكد الخميني في هذا السياق على أن الأنبياء هم من أوصوا الفقهاء (مثله) بهذا السلوك.

ومن داخل النسق الفقهي الشيعي، يذهب العديد من الفقهاء الشيعة إلى إنكار مبدأ أن ولاية الفقيه هي من أصول الدين لأنها تتطابق مع ولاية المعصوم من الخطأ (المهدي المنتظر) مثلما قال الخميني. فقد ذهب الفقيه محمد مهدي شمس الدين إلى اعتبار الإمام نائبا عن المعصوم وليس معوضا له، حتى وإن ادعى ذلك الإمام الخميني فهو مخطئ، فتلك “اعتبارات فقهوية يريد من خلالها الخميني خدمة مصالح السياسة”، وليس لها أي سند فقهي معتبر في المتون الفقهية الشيعية.

بل يصل الأمر بمحمد مهدي شمس الدين إلى إنكار مبدأ الولاية من أساسه، ويؤكد أن الولاية الفعلية هي ولاية الأمة على نفسها وليس ولاية الفقيه عليها. وبذلك يكون تأزيم نظرية ولاية الفقيه الشيعية ـ السياسية واضحا حتى من داخل النسق الشيعي ذاته.

وفي المحصلة، إذا كان مفهوم الحاكمية ابتكارا مودوديا، فإن مفهوم ولاية الفقيه هو ابتكار خميني بامتياز، ترك بصمة عميقة في التاريخ السياسي الإيراني والذي أثر على محيطه القريب والبعيد وتسبب في أزمات كبيرة لا تزال المنطقة العربية تعانيها إلى الآن، خاصة الحرب الطائفية الضروس في العراق وسوريا والتي بدأت في التسلسل إلى مناطق أخرى مجاورة.

ولعل نظرية ولاية الفقيه التي جاء بها الخميني، لن تنهار سريعا كنظام للسلطة في إيران، بل إن القراءات الجدية في التجديد الديني والاندفاع الدائم نحو النقد ونكران الخرافة هو السلاح الأبرز في المرور من ولاية الله على الأرض (لأهداف سياسية) إلى إعلاء شأن الإنسان كقيمة مركزية في الكون.

13