"ولاية سيناء" تبحث عن مقومات الدولة دون جدوى

الأربعاء 2017/05/03
هجرة مؤقتة لمسيحي سيناء

القاهرة - ذات يوم في أوائل أبريل كان شاهر سعيد يقود سيارته جنوبي مدينة العريش (شمال شرق سيناء) في محافظة شمال سيناء، عندما قابل مجموعة من أفراد تنظيم الدولة الإسلامية وشاهدهم يوقفون شاحنة محملة بالسجائر.

وقال شاهر الذي يقيم في العريش “كنت أقف بسيارتي خلف سيارة نقل سجائر وشاهدتهم يجبرون سائق تلك السيارة على النزول وخلعوا الجزء العلوي من ملابسه وربطوه في باب سيارة خاصة بهم وضربوه على ظهره أكثر من عشر مرات بعد أن أحرقوا كل كراتين السجائر التي كانت في سيارته، وتركوه بعد أن حذروه من تكرار تجارة السجائر”.

وتشير مقابلات مع سكان شمال سيناء ولقطات فيديو نشرها التنظيم إلى أن فرعه المحلي المعروف باسم ولاية سيناء يسعى لفرض تفسيره للشريعة الإسلامية وفق أيديولوجيته المتطرفة على السكان المحليين للمرة الأولى.

وتمثل هذه التطورات التي ترافقت مع زيادة حادة في الهجمات على المسيحيين داخل منطقة العمليات الرئيسية في شمال سيناء وخارجها تحولا كبيرا في أساليب ولاية سيناء. ففي السابق كان التنظيم يركز على مهاجمة رجال الشرطة والجيش ومن يتعاونون معهم.

ويعد اتساع النطاق الجغرافي لنشاط التنظيم والتحول الذي طرأ على بؤرة اهتمامه، تحديا للرئيس عبدالفتاح السيسي الذي تولى السلطة عام 2014 وتعهد بالقضاء على التطرف الإسلامي وإعادة الأمن.

ولا يزال التنظيم يشن هجمات دموية في مصر، رغم الحملات الأمنية التي شنتها الحكومة وأسفرت عن مقتل المئات من المسلحين وسجن الآلاف من أصحاب الفكر المتطرف.

وتعكس التطورات مدى توسيع ولاية سيناء لعملياتها في مصر، في وقت يواجه فيه التنظيم انتكاسات في سوريا والعراق وليبيا. ورغم أن داعش لم يستطع السيطرة على مساحة من الأرض في مصر، إلا أنه يحاول إذكاء التوترات الطائفية والقلاقل الاجتماعية.

وفي تسجيل بالفيديو مدته 25 دقيقة نشر في أواخر مارس الماضي على قناة على الإنترنت يستخدمها التنظيم، يظهر متشددون وهم يعلنون إنشاء قوة الحسبة في شمال سيناء على غرار وحدات الشرطة الدينية العاملة في بعض مناطق العراق وسوريا الخاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية.

داعش لم يستطع السيطرة على مساحة من الأرض في مصر، إلا أنه يحاول إذكاء التوترات الطائفية والقلاقل الاجتماعية

ويندد التسجيل بالمسيحيين وظهرت فيه لقطات لأفراد من التنظيم، يرتدون سترات عليها علامات توضح أنهم من قوة الحسبة في ولاية سيناء، وهم يحرقون سجائر ومخدرات مصادرة ويدمرون مقابر وأضرحة يعتبرونها حراما.

وفي الفيديو يحذر شاب من المتشددين لا يرتدي لثاما من أن رجال الحسبة سيعاقبون المخالفين وفقا لأحكام الشريعة. ويظهر رجال من التنظيم وهم يجلدون رجلا بخرطوم من البلاستيك ويقطعون رأس رجلين مسنين من المتصوفين ويتهمونها بالكهانة والكفر.

ويهون مصدر أمني مصري من المخاوف من قدرة المتشددين على نشر العنف الطائفي على نطاق مماثل لما حدث في العراق. ويضيف “إنهم يحاولون إحداث تأثير ونحن لا نقول إننا قضينا تماما عليهم، لكن هذا الرأي ضعيف”. وبدأ التحول الأخير في أساليب المتشددين في ديسمبر الماضي، عندما قتل مفجر انتحاري من التنظيم 28 شخصا في كنيسة بمجمع الكاتدرائية القبطية الرئيسية في قلب العاصمة المصرية.

وفي فبراير الماضي، أعلنت ولاية سيناء في مقطع فيديو آخر أنها ستقضي على المسيحيين الذين يشكلون نحو عشرة في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 92 مليون نسمة.

ومن حين لآخر يتعرض المسيحيون في مصر لاعتداءات عادة ما تنشب بسبب نزاعات على الأرض أو بناء الكنائس أو علاقات اجتماعية بين أفراد من الديانتين الإسلامية والمسيحية، غير أن مقتل سبعة من المسيحيين في شمال سيناء على مدار ثلاثة أسابيع بدأت في 30 يناير، كان مختلفا وأكثر منهجية وفق مسؤولين وحقوقيين. ورحلت حوالي 175 أسرة مسيحية هاربة من المنطقة. وقال بعض النازحين إن قوائم للمستهدفين من المسيحيين من سكان المنطقة انتشرت على الإنترنت أو دست في البيوت من تحت الأبواب.

وأوضح مختار عوض الباحث ببرنامج دراسة التطرف في جامعة جورج واشنطن أن “الحملة الجديدة على المسيحيين محاولة لتمزيق نسيج المجتمع والدولة لتحقيق ما فشل في تحقيقه داعش عبر الوسائل الأخرى”.

ويضيف “حدث هذا التصعيد الآن بسبب تضافر عدة عوامل فهم يأملون أن يكون ذلك خطوة أولى نحو تفكك البلاد”.

ومنذ عام 2014 عندما أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس المتشددة في سيناء مبايعة داعش، لجأت مصر إلى وسائل أشد تدميرا للقضاء على المتطرفين. فقد دمرت شبكة أنفاق تستخدم لتهريب السلاح من غزة وهدمت المئات من البيوت لإنشاء منطقة عازلة وشنت العديد من الضربات الجوية. وحالت هذه السياسات دون سيطرة المتشددين على مساحة من الأرض، لكن الثمن كان باهظا على السكان المحليين.

6