ولا ظل حائط

الاثنين 2014/05/26

الرجل.. الذي تقولون عنه إن ظله أقوى من حيطان العالم، تحطمت جدرانه فوق رأسي، ورأس من حولي، وأصبح ككومة قش “هشيما تزروه الرياح”. ضعيفا لا هو سند ولا سد منيع، بل “حائط مائل”. كلمات جاءت لأذني من طرف عربة السيدات بمترو الأنفاق.

وحتى لا ينفرط من أذني طرف الحديث.. حاولت المشاركة فيه، وما أسهل الاشتراك بحديث نسائي في مصر، فالكل يصعد المترو ولا يعرف بعضه البعض، ويخرجون منه بصداقات وربما تبادلوا أرقام الهواتف.

واعتدت الاستماع جيّدا لهذه الأحاديث، بل أوجهها تارة وأشعلها تارة أخرى، ثم أخمدها سريعا قبل محطتي لأتعرف عن قرب عما يشغلهن، وما يثير اهتمامهن. فهذه الأحاديث أشبه باستطلاع رأي.

وبنبرة حاسمة، قلت لا وألف لا، الرجل هو السند والأمان، الحصن الباقي بعد موت الأب، وانخراط الأخوة في حياتهم، فأمطرتني الألسنة، فمنها ما ائتلف، ومنها ما اختلف، فـ”منى” تزوجت أحمد بعد سنوات حب سرعان ما تبخر مع قسوة الحياة وضغط الظروف، عاشت حياة زوجية تعيسة لكنها اختارت الخلع لمواجهة الحياة وحدها، معلقا برقبتها طفلان بدلا من أن تظل في كنف رجل اعتاد على خلع ثوب الرجولة، والتنصل من مسؤولياته، وإلقاء كافة الأعباء على عاتقها، والتغريد خارج السرب والخيانة والإهانة و…و…و..فماذا بقي من وقار الزوج وقدسية الرباط المقدس وحميمية العلاقة.

وأسهبت “منى” في حديث تخلله البكاء والحزن، فأثارت فضولي الصحفي لمعرفة الإجابة الحيّة لنموذج امرأة بدأت حياتها بالحب وأنهتها بالخلع، بعيدا عن الإجابات المعلبة في أبحاث علماء الاجتماع، وعيادات أصحاب البالطو الأبيض، فبادرتها بخبث لأثير شهيتها للكلام.

مهما يكن هو زوجك، وحبيب عمرك، ووالد أولادك، وإن شاء الله يفيق ويعود إلى حضن الأسرة ودفئها مرة أخرى. فصرخت مدافعة عن كرامتها الأنثوية، وهل تركني ليعود، أنا التي طلبت الخلع!!، ولا أطيق صبرا للمحاكم. بل أردت قطع صلتي به، فلم يعد يصلح لتربية أبنائي، ولا أطيق العيش على ذمته وارتباط اسمه باسمي ولو ليوم واحد. سألتها: متى يسقط الرجل من عين المرأة ؟. وبسرعة، كأنما كانت تتوق للسؤال – كالجرح المتقيّح ينتظر ضغطة حتى يلفظ فكرا مجتمعيا صديديا- قالت: حين يتخلى عن دوره، ويصبح عديم الفائدة؟.

واشتركت أخرى قائلة: حين يتجرد من رجولته ونخوته، ويعرف ما أتعرض له في عملي بمصنع الملابس من تحرش المدير ويغض الطرف، يأتي لاصطحابي في وقت متأخر وحين أشكو، يقول بكل برود ليست كل تصرفات الرجال معك “حرام”، المصنع مليء بالنساء، وكلهن “يأكلن عيش” (نسبة إلى العمل)، وحين شعر بأن تصرفات صاحب المصنع تطورت وكلامه أخذ اتجاها إلى التصريح هاجرا التلميح.

لم يعد يصطحبني ولا أعلم هل لإراحة ضميره وتخدير رجولته، حتى لا يرى ما يثير الحــفيظة أم أنني سقــطت من حساباته كغريبة، ليس زوجــي، حامي حــمى شــرفي وعرضي. فعندنا في الريف الذي نزحنا منه يقولون، “الزوجــة عرض زوجــها”، فأين العرض من هذا الرجل الذي يــنظر لي كأحد مــصادر دخــله، وبالطبع سقط من نـظري.

وعلى قصر الحوار مع هذه المرأة التي لم تكلفني عناء السؤال، فكانت كسابقتها “جرحا متقيّحا”، نتعامل معه بثقافة “حالة فردية وليست ظاهرة”، وحديثا مسكوتا عنه، ولا تجرؤ امرأة على البوح أو التلميح به. إلا أنه يغزو مجتمعات تتبنى فكر النعامة وتؤمن به، وتورثه تحت مسمى “ظل رجل ولا ظل حائط”.

دائما أرى المرأة حين تحب ولكني أول مرة أراها تكره، ولا ترجو حتى “ظل حـائط”.

21