ولا عزاء للأوطان بأبنائها العاقين

الخميس 2017/06/08

أطنان من المؤلفات والحكايات وما لا يحصى أو يعد تمجّد وجود الأفراد في أوطانهم وتحيلهم من مجرد أفراد إلى مواطنين يعيشون هذا المسمى الذي يخلع عليهم كل معاني الانتماء إلى الأرض والناس والمصير المشترك ويميّزهم ويعلي من شأنهم ويوقرهم أمام أنفسهم وكينونتهم والآخرين، ويجعلهم ضمن نسيج إنساني لا ينفك عراه يخلع على الأفراد الأمجاد ويؤطر سماوات وجودهم أينما حلوا وارتحلوا.

والأوطان هي عزوة الأفراد وعناوين أسمائهم وسحنات وجوههم وميزة تفاعلاتهم مع الآخر، لم يعد هناك مخلوق واحد في هذه الدنيا لا وطن له أو صلة له بآخرين من قومه.

لا أحد مقطوع من شجرة حتى المشردين و”الكوليشارية” لهم ميزات أوطانهم وثقافتها. غصْ في أعماقهم تجد فيهم أصوات وسحنات تلك الأوطان حتى لو لفظتهم وأبعدتهم عن مسارات حيواتها لكنهم جبلوا عليها.

من لا يعرف سبيل وطنه ولا يتأثر بمرأى جراحات شعبه وانتكاساته ولا يبكي على عجوز انحنى ظهرها ترتدي زي وطنها ولا يحزن لأم ثكلى مكلومة مفجوعة بولدها، فإنه فقد ميزة الإنسانية وصار ابنا عاقا لوشيجة اسمها وطنه.

الأوطان منة من الله تجعل الناس تؤول بمرجعياتها إلى الانتماء إلى أرض أجدادها ومللها ونحلها، إنها أرومات تشدك إلى إنسانيتك حتى وإن قست وجارت عليك، فهي لا بد أن تحتضنك وتغدق عليك وإن كنت عاقا صلفا لا تراعي أعرافها وقوانينها، تظل ابنا لها وإن كنت كذلك، بصفة تلازم وطنك المبتلى بك أو بغيرك.

كنا حين نرى أحدا من مواطنينا في الخارج نعدو إليه، نتلهف لسماع أخباره، نبدي له الاستعداد للمساعدة، نرى فيه أهلنا ووطننا، ما الذي حدث وتغير؟

الناس صاروا يتنافرون من بعضهم البعض، يتقافزون في الشوارع كي لا يرون مواطنيهم، لا يسلمون ولا يتصافحون، فقدوا الإحساس بالمواطنة التي كانت تاجا على رؤوس الجميع.

ما الذي فعلته الحروب والغزوات والحشد الطائفي الذي يضخه الدعاة والذي استبدل قيمة الأوطان العظيمة باعتبارات التجنيس والتوزيع المرضي للبشر، حتى صار لوثة تجعل الكثيرين لا يأتمنوك إلى أن يعرفوا طائفتك ومنطقتك وعشيرتك وقومك، في وقت يسبحون لله رياء وهو الذي وضع التقوى معيارا للأفضل والأكرم بين الناس.

ما الذي أوصلنا إلى أن يعلن مثقفونا المزعومون أنهم ضد قيمنا التي تجعل وجوهنا أكثر إشراقا ومروءة حين نباهي الأمم الأخرى ونباهلها بوطنيتنا.

إنه فيروس دخل عقول الملايين تغلغل في عقول النخب قبل الناس البسطاء الذين لا يسألونك إلا عن حالك، أليسوا أكرم من مثقفينا عند خط شروع المواطنة السمحاء؟

24