ولا يوم الطين

الأربعاء 2015/10/14

بحلول هذا اليوم، تكون قد مرت 920 عاما على رحيل أبي القاسم المعتمد على الله بن عبّاد، الملقّب بالظافر والمؤيدّ، وهو الشاعر والفارس وثالث وآخر ملوك بني عبَّاد في الأندلس، كان ملكا على إشبيلية وقرطبة في زمن ملوك الطوائف قبل أن ينال منه المرابطون، حيث قضوا على ملكه، وأسروه مع أسرته، ونقلوهما إلى أغمات بالمغرب الأقصى، وهناك بكى نفسه قائلا “غريب بأرض المغربين أسير سيبكي عليه منبر وسرير”، وتحولت قصة حياته إلى واحدة من أبرز الملاحم التراجيدية، بما فيها من ثراء في شخصيته التي عرفت تناقضات جمّة، وانقلابات شتى، وأحوالا عدّة من الحكم إلى الأسر، ومن الثراء إلى الفقر، ومن الأنس إلى الغربة، ومن العزّ إلى المهانة.

ولا يزال ضريح المعتمد بن عباد إلى اليوم شاهدا على تلك الأيام الخوالي، وإلى جانب قبر المعتمد، يوجد قبر زوجته اعتماد الرميكية أحب زوجاته إليه وعروس أشعاره والحاكمة بأمرها في أمره. أما كيف عرفها، فتروي كتب التاريخ أنه كان في نزهة مع شاعره ابن عمار في مرج الفضة على نهر الوادي الكبير بإشبيلية، فقال له “صنع الريح من ماء الزَّرد” قاصدا بذلك دعوة رفيقه إلى إتمام البيت، إلا إنَّ البديهة خانت ابن عمار، فسكت طويلاً ولم يكمله، وكانت بقربهما جارية تغسل الملابس في النهر، فقالت “أيُّ درعٍ لقتال لو جمد”.

وقد تعجَّب المعتمد من موهبتها بالشعر، وفتن بجمالها، فسأل عنها، فقيل له أنها جارية لرميك بن حجاج واسمها اعتماد، فذهب إلى صاحبه واشتراها منه وتزوجها، وعُرِفَت بعد ذلك بلقب اعتماد الرميكية، وكان قد أحبها بجنون، حتى قيل أن لقبه الأصلي هو “المُؤَيَّد بالله”، ثم غيّره بعد زواجه منها إلى المعتمد على الله تيمُّناً باسمها “اعتماد”.

ومما يروى عنهما، أنه وفي إحدى المرات، رأت اعتماد بعضًا من الجواري يخضن في الطين فحنَّت إلى ماضيها فطلبت من الملك أن يسمح لها هي وبناتها بالخوض في الطين مثل الجواري فأمر الملك بالمسك والعنبر والكافور مع ماء الورد لتكوين بركة من هذا الخليط الشبيه بالطين فلعبت الملكة مع بناتها، ودارت الأيام وسقط حكم المعتمد ورحل من بلده وضاقت به الحال، فعرف الفاقة والفقر حتى كان يحصل على الصدقات من الميسورين. وفي إحدى المناسبات، غضبت اعتماد من زوجها وقالت له: ما رأيت منك خيرا قط، فرد عليها مقهورا: ولا يوم الطين؟ فاعتذرت وبكت.

كما يروى أنها قالت له “يا سيدي لقد هنّا هنا” وعندما أصيب بسقام، قالت له “يا سيدي ما لنا قدرة على مرضاتك في مرضاتك”، وقد كُتب لها أن تموت بأغمات، فما كان للمعتمد قدرة على فراقها، فلحق بها بعد مدّة وجيزة، ودفنا في قبرين متجاورين، وفي ضريح واحد، لا يزال إلى اليوم مزارا وقد نقشت على شاهده أبيات شعر رثى بها الملك الأسير نفسه، ورد في طالعها “قبر الغريب سقاك الرائح الغادي… حقًّا ظفرت بأشلاء ابن عبّاد”.

24