ولعبتها إيران صح..

الأحد 2013/11/10

حقيقة لا أملك إلا أن أرفع قبعتي، أو عقالي أو طربوشي أو عمامتي أو طاقيتي أو قلنسوتي، احتراما للجمهورية الإيرانية، رغم عدم ثقتي وشكّي في نوايا الحكام من الملالي هناك تجاه المنطقة عامة، ومنطقة الخليج العربي بصفة خاصة. فقد استطاعت إيران أن تفرض إرادتها على العالم، الذي بدأ يغازلها ويقدم التنازلات تلو التنازلات. وحين نقول العالم فإن المعنى منصرف إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحديدا، فهما، وخاصة الولايات المتحدة، أشبه ما يكونان ببعض قبائل العرب في قصص قدامى العرب وأمثلتهم الدارجة، ومنها قول الشاعر الأموي جرير بن عطية التميمي: "إذا غضبت عليك بنو تميم، حسبت الناس كلهم غضابا".

بطبيعة الحال فإن ذاك زمان قد مضى، أو "زمان وجبر" كما يقول المصريون في حكمهم الشعبية، ولكل زمان دولة ورجال في النهاية، كما تقضي حكمة عرب درسوا ودرست أيامهم، فلم يعودوا إلا أثرا بعد عين. فقد مر زمان كانت فيه أميركا وأوروبا أشبه ببني تميم أيام الأحنف بن قيس مثلا، الذي إذا غضب غضب معه مائة ألف سيف لا يسألون لِمَ غضب، أما اليوم فلم تعد الولايات المتحدة تلك الدولة القادرة على فرض هيبتها العالمية، وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ولم تعد تلك الدولة الحاسمة في قراراتها وقناعاتها، أو القادرة على فرض تلك القناعات. فعالم اليوم، والنظام الدولي اليوم، يمر في حالة مخاض وتلاطم أمواج بحر في يوم عاصف، وسوف يكشف المقبل من أيام ما سوف تكشف عنه الأمواج بعد هدوئها، وأي مولود سوف يكون نتيجة ذلك المخاض.

في مقال سابق ذُكر أن النظام الدولي اليوم هو أشبه ما يكون بالنظام الدولي في حقبة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثاني، حيث يتصف بالميوعة وعدم وضوح معالمه، على عكس النظام الدولي السابق للحرب العالمية الأولى، وذاك المنبثق بعد الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الحرب الباردة في تسعينات القرن العشرين. في مثل هذا النظام لا يعود هنالك مراكز قرار قادرة على فرض رؤيتها وخريطة طريقها الكاملة على بقية عناصر النظام، بل يتحول مثل هذا النظام إلى مجرد حاضن لمرحلة تحوّل سوف تتمخض في النهاية عن نظام دولي مختلف تتشكل معالمه المقبلة في جوف النظام القائم المترنح والآيل في النهاية إلى السقوط، والسقوط في هذه الحالة غالباً ما يكون مترافقا مع كارثة معينة، حرب أو اختلاط أوراق في صراع بين أطراف النظام القائم يُحسم في النهاية بقيام نظام دولي بمعالم وترتيبات مختلفة. سقط نظام توازن القوى باندلاع الحرب العالمية الأولى، وظهر النظام القطبي الدولي بعد حرب عالمية ثانية، وانفردت الولايات المتحدة بتشكيل ما أسمته بالنظام الدولي الجديد بعد حرب الخليج الثانية، أو حرب تحرير الكويت، ومن ثم سقوط الاتحاد السوفيتي، ثم بدأت الولايات المتحدة في الفقدان التدريجي لقدرتها على فرض معالم نظامها الذي انفردت تقريباً في تشكيله في أعقاب غزو العراق وسقوط صدام حسين ونظامه عام 2003. منذ ذلك العام، أي عام سقوط بغداد، والعالم يعيش مرحلة هلامية ضبابية فيما يتعلق بماهية النظام الدولي، الذي لم يعد نظاماً أميركياً صرفاً كما كان الحال في أعقاب حرب الخليج الثانية، ولم يعد غضب العم سام يُغضب مائة ألف سيف لا يسألون لِمَ غضب.

في مثل هذا الوضع وهذه الحالة، التي يُمكن أن تُسمى الحالة الهلامية أو الضبابية، تتنافس الدول، بل هي تتصارع حقيقة، لتعديل ترتيبها في سلم القوى الدولي، وتستغل كل دولة ما استجد لديها من عوامل القوة على اختلاف أنواعها، لتتقدم درجة أو درجات على سلم القوى الدولي قبل أن تهدأ الأوضاع ويستقر النظام. فروسيا الاتحادية مثلا تحاول أن تستعيد المكانة الدولية السابقة للاتحاد السوفيتي المنهار، وأوروبا تحاول أن تكون واحدة من أقطاب نظام دولي في مرحلة التكوين باتحادها ومواجهة البقية برؤية واحدة، ناهيك عن تطلع بعض أعضاء هذا الاتحاد إلى مكانة دولية متقدمة خاصة بهم باستغلال ذات الاتحاد لتحقيق ذاك الغرض، وبالأخص دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، التي تُشكل حقيقة نواة الاتحاد أو لنقل محوره وعموده الفقري، وبشكل أدق فرنسا وألمانيا.

وذات الحديث ينطبق على دول عديدة لم تعد هي ذاتها التي كانتها قبل حين من الزمان، وذلك مثل الصين التي تحاول تعزيز مكانتها الدولية، أو اليابان بقوتها الاقتصادية، أو الهند الجديدة بتقدمها التقني المطّرد، وغيرها من دول كل حسب إمكانياته وأوراق اللعب التي يُمسك بها في لعبة بوكر دولية الفائز فيها هو من يملك أقوى الأوراق في "الكوتشينة" الدولية، أو "الشدة" كما يسميها أهل الشام، و"الزنجفة" كما يسميها بعض أهل الخليج. المهم في الموضوع هنا هو أن إيران، وكما يبدو من تطور أحداث هذا العالم، قد أدركت أن العالم يعيش أوضاعا هلامية ضبابية فيما يتعلق بالنظام الدولي السائد المتضعضع، وأن هنالك نظاما دوليا مختلفا هو في طور النشوء والتشكل، فأميركا "القادرة المقتدرة"، بعد الحرب العالمية الثانية، و"الجبارة المتجبرة" حين غزت أفغانستان والعراق وكانت تسعى إلى إعادة رسم خريطة العالم، وبالأخص خريطة الشرق الأوسط، وفرض "ديموقراطية" على مقاسها ووفق رؤيتها الاستراتيجية للعالم، تقلص دورها مع نمو الدور العالمي لروسيا الاتحادية، و"تمرد" الكثير من الدول على الخطوط الحمراء التي رسمتها لعالم ظنت أنه استكان لها بعد حرب الخليج الثانية وغزو العراق، حيث "انتهى التاريخ" وفقا لما كان يراه فرانسيس فوكو ياما، فإذا الحال أقرب ما يكون إلى رؤية صموئيل هنتينغتون، وإن لم يكن وفق الأبعاد الكاملة للوحة التي رسمها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة قد تحولت إلى كائن اقتصادي يعاني من مشكلات الداخل أكثر من أي وقت مضى، ودورها القيادي الخارجي أصبح يُشكل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الأميركي والدولة الأميركية، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الديون، الداخلي منها والخارجي، وأي تركيز على أوضاع الداخل لا بد وأن يكون على حساب الدور في الخارج، وأي تركيز على أوضاع الخارج لا بد وأن يكون على حساب الداخل، في متاهة لا أول لها ولا آخر، أو لنقل في معادلة كانت متوازنة الطرفين إلى حد كبير في حقبات ماضية، ولكنها لم تعد كذلك بعد أن تفردت أميركا بزعامة العالم، وهي زعامة مكلفة، بل قد تكلف الولايات المتحدة أمنها الاجتماعي الداخلي أو دورها القيادي المتفرد في الخارج، أو هما معا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تحقيق الأمن الداخلي الأميركي، أصبح عبئاً مطّرداً في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، وانكشاف الداخل الأميركي، وسياسة العصا الغليظة في الخارج في كل شاردة وواردة التي اتبعها جورج بوش الابن ومحافظوه الجدد، أرهقت الاقتصاد الأميركي أكثر مما هو مرهق، كما أن الاحتفاظ بتلك الصورة الإعلامية الزاهية للولايات المتحدة، والتي كان لها أثر كبير في سقوط جدار برلين والمعسكر الشرقي في أواخر ثمانينات القرن الماضي، لم تعد بتلك الجاذبية التي كانتها، مما أضعف من القوة المعنوية النسبية التي كانت تتمتع بها أميركا.

وبالعودة إلى الحديث عن إيران يمكن القول إنها قد أدركت، وبعد غزو العراق مبدئيا، أن الدور الأميركي في العالم آخذ في الانكماش، ومن هنا بدأت تلقي بأوراقها في سبيل البحث عن دور متقدم في تحديد ملامح النظام الدولي الذي يتخلق في رحم النظام العالمي القائم. من هنا نستطيع فهم كل هذا التصلب الإيراني في قضية الطاقة النووية، أو في القضية السورية، أو التحكم الكامل في مفاصل الدولة العراقية، أو استمرار يدها الخفية في العبث في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي ودول الجوار بصفة عامة، سواء كنا نتحدث عن الخليج أو اليمن أو أفغانستان وباكستان، أو في قضية نشر التشيع السياسي أو المؤدلج في مختلف أقطار المسلمين. إيران تفعل ذلك وهي مدركة أن لا أحد قادر على الوقوف في وجه أطماعها، وخاصة بعد أن تأكد لها ذلك في أعقاب انسحاب القوات الأميركية من العراق وتركه لأجهزة الأمن الإيرانية، وهذا العجز الدولي والأميركي المطلق عن التعامل مع نظام بشار الأسد في سوريا والدور الإيراني المتعاظم هناك. بل هي طموحات مشروعة للدولة الإيرانية، سواء كانت في ظل الملالي أو في ظل غيرهم، فمنطق الدولة يفرض نفسه على الجميع. والحقيقة الباردة بلا رتوش أو وجدانيات، فإنه لا تثريب على إيران في كل ما تفعل فهي تسعى إلى تحقيق مصالحها الوطنية، بل التثريب كل التثريب على من لا يدرك مصالحه الوطنية ولا يستطيع قراءة أوضاع العالم المستجدة وأخذها بعين الاعتبار حين رسم استراتيجية بعيدة المدى في ظل عالم متحول.

فالعالم دائماً في النهاية لا يحترم إلا القويّ، على اختلاف عناصر هذه القوة، والذكي هو من يستغل عناصر القوة لديه، ويعرف متى يُذعن ومتى يتمرد، متى تكون الحكمة كامنة في القبول ومتى يكون الرفض هو الجواب، من أجل إيجاد موقع له تحت الشمس، وفي ظني فإن إيران مارست اللعبة الدولية ومتغيراتها بشكل يبعث على الإعجاب فعلا، والسؤال الذي يفرض نفسه في النهاية: هل تستفيد دولنا، ودول مجلس التعاون بصفة خاصة، من الدهاء السياسي الإيراني في فرض نفسها وحجز مقعد متقدم في نظام دولي آخذ في التشكل ومن ثم تحقيق مصالحها الوطنية واستقرارها المستقل، أم أننا سنصحو ذات يوم ونجد أن الخليج العربي قد تحول بالفعل إلى بحيرة إيرانية كاملة بمباركة دولية، وعاد إلى اسمه القديم "الخليج الفارسي"، بمثل ما يعود القمر كالعرجون القديم.. هذا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

6