ولكنه ضحك كالبكاء

السبت 2015/01/17

على هامش جريمة تشارلي إيبدو، البشعة والدنيئة، كانت بعض ردود الفعل من العرب ومن المسلمين، مثيرة للشفقة ولليأس، وكأن وصف “العالم العربي والعالم الإسلامي” دقيقا في مجازه، فالعرب والمسلمون لا يعيشون في العالم البشري الطبيعي، إنما حجزوا أنفسهم في عالم منفصل تماما، منعزل ومتأخر، ينعم نزلاء المصحات العلاجية بحال أفضل – منطقا عقليا واستقرارا نفسيا – من اتزانه وأهليته.

لم تنقض سويعات على وقوع الجريمة، حتى غرد الأكاديمي السعودي عبدالله الصبيح، في حسابه على تويتر، متهما المخابرات الفرنسية بتدبير الحادثة، هكذا بلا إسناد وبلا دليل، وكأن الجرائم الدامغة المرتكبة بذريعة الإسلام لم يعد ممكنا الدفاع عنها إلا بالاتهام المجاني تهربا من النقد الذاتي، وهذا ليس مستغربا من عقول رثة زادت الأهوال هشاشتها فبدت ردود فعلها ضربا من الكوميديا السوداء. كتب طارق الحيدر – في موقع التقرير – مفسرا الجريمة بـ”ألمعية” غير مسبوقة، فالمشتبه بهم مواطنون فرنسيون يعيشون سياقا اجتماعيا معينا فيه الكثير من الجدل حول الهجرة والمهاجرين والهوية الفرنسية، “أي أن الحدث ناتج عن سياق فرنسي بحت”، وهذه صورة أخرى من التهافت الذي جبن عن تشخيص الداء والتصريح بالدواء، بل لعل الذين لجأوا في هروبهم إلى نظرية المؤامرة أعلى شجاعة ومعرفة من أولئك الذين تملصوا جذريا بالشأن الداخلي الفرنسي.

تلقف الدهماء خبرا أصفر يتحدث عن انتحار الضابط المسؤول عن التحقيق في الجريمة من دون تمحيص لتثبيت نظرية المؤامرة التي تستهدف العرب والمسلمين. بالفعل انتحر أحد الضباط الفرنسيين (هيرلك فريدو)، لكنه ليس مسؤولا عن التحقيق، فهو نائب رئيس الشرطة القضائية في مدينة ليموج الفرنسية التي تبعد 400 كيلومتر عن باريس، وبالتالي فمسرح الجريمة ليس من اختصاصه، هذا غير أنه انتحر فعلا بسبب الاكتئاب بناء على ملفه الطبي.

فسر أبو يعرب المرزوقي، المسمى فيلسوفا، جريمة تشارلي بأنها “رد فعل بدائي على إساءة بدائية” مساويا بين التجاوز المجازي وبين الجريمة النكراء، فمهما ارتكب القلم من شطط فإنه لن يقتل كالرصاصة ولن يذبح كالخنجر ولن يبيد كالقنبلة، وما أغفله المرزوقي، وغيره، بأن الرسوم التي نشرتها “تشارلي” مغطاة بالقانون الفرنسي، بغض النظر عن موقفنا من هذا القانون، كما كانت الرسوم التي تناولت موسى وعيسى وبوذا المنشورة في نفس المطبوعة مستظلة بسقف القانون نفسه، لتصبح المقابلة، مع هذه الملاحظة الجوهرية، توازيا بين القانون، وبين الجريمة أو الإرهاب.

إن تفسير المرزوقي نموذج خالص للتأييد الخفي للإرهاب المدان من كل قانون وشرعة، وهذا التشجيع المبطّن، كما الجريمة الرخيصة، مصادقة موضوعية على شطط القلم الذي لاشك في جهالته بالرسول الأعظم ودينه الأكرم، بقدر دقته في تصوير التراث المقيت والخطاب المأزوم مع نفسه ومع الآخر وأتباع عصابيين.

المرزوقي وأمثاله عاجزون عن الموضوعية، فادعاؤهم للتسامح يتوقف عند حد الإلحاد من جهة، وعند نقد الذات من أخرى، لا يمكن فهم رفضك الإساءة إليك وأنت تمارس الإساءة ضد الآخر عبر إهانة معتقداتهم بالتحريف أو بالدعاء البغيض لهلاكهم أو رفض حق من هم خارج دائرة الأديان في الحياة وفي التعبير. لذا لو أردنا تطبيق نقد الآخر الذي يمارسه المرزوقي ومن لف لفه على الذات لثارت حفيظتهم، والطريف، المؤلم، أن ما يطالبون به الآخر غائب بالمرة ذاتيا.

حالة الخرف التي واجه بها بعض العرب والمسلمين جريمة تشارلي ايبدو أعادتني إلى مقالة خطها عبدالرحمن الراشد قبل نحو عقد من الزمن “خاطفو التلاميذ في أوسيتيا مسلمون. خاطفو ثم قاتلو الطباخين والعمال النيباليين أيضا مسلمون. الذين يمارسون عمليات اغتصاب وقتل في دارفور مسلمون، وضحاياهم مسلمون أيضا. الذين فجّروا المجمعات المدنية في الرياض والخبر مسلمون. الذين خطفوا الصحافيين الفرنسيين مسلمون. اللتان فجرتا طائرتين قبل أسبوع مسلمتان. بن لادن مسلم والحوثي مسلم، ومعظم الذين نفذوا العلميات الانتحارية ضد حافلات ومدارس وبيوت ومبان في أنحاء العالم في السنوات العشر الماضية أيضا مسلمون”، وما زلنا نضيف: مرتكبو جريمة تشارلي مسلمون، داعش مسلمون، بوكو حرام مسلمون، مرتكبو مجزرة المدرسة الباكستانية مسلمون، ويبقى التعداد مفتوحا لنعود إلى تساؤل الراشد: “يا له من سجل سيء، ألا يقول لنا شيئا عن أنفسنا ومجتمعاتنا وثقافتنا؟”.

ويشرح الراشد رؤيته: “الإسلام مظلوم بسبب المسلمين الجدد. دين بريء، أدلته صريحة في نصوصه تحرم قطع الأشجار لضرر، وتصف القتل بأعظم الجرائم، وتدين من يطأ حتى على حشرة، وتكافئ من يروي ظمأ هرة. هذا هو الإسلام الذي عرفناه قبل ظهور جماعات التكفير وأدواتها. بالتأكيد، لا يشرفنا أن ينتسب إلينا من يحتجز تلاميذ مدرسة، ومن يختطف صحافيين، ومن يقتل مدنيين، ومن يفجر حافلات مهما كانت الآلام التي يعاني منها المنتقمون”.

الخطاب السائد في دنيا العرب والمسلمين يرفض الوقوف أمام المرآة، والحقيقة أن الذرائع المستحضرة تدين أصحابها ولا تنصرهم، فإن كان للمطبوعة تاريخ من الإساءة لكل الأديان فلماذا لجأ بعضنا، دون غيرنا، للدم؟

أغلب الإرهابيين اليوم من المسلمين، وقد ارتكبت المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، عربيا وإسلاميا، كل قبيحة لينتهي المسلمون، فعلا أو تعاطفا أو هروبا، إلى هذا الإرهاب، والحقيقة أننا لو سردنا أسماء الفقهاء والساسة، من الأحياء ومن الأموات، الذي يستحق العالم وتستحق الأمة اعتذارا صريحا منهم نظير تأسيسهم للإرهاب ورعايته لاحتجنا إلى مجلدات. يجب أن يعتذر المسلمون، أو على الأقل حكامهم ومشايخهم، للعالم ولنبيهم عن كل إرهاب ارتكب باسم دينهم وعن التقاعس في مواجهة الخلل وعلاجه، ومن يرفض الاعتذار بذريعة جرائم أوروبا في عصور الظلام ينسون أن الكنيسة (الفاتيكان) اعتذرت قبل سنوات عن كل جريمة ارتكبت باسم الصليب على مر التاريخ.

إن الجريمة التي استهدفت باريس تقدم رمزية بالغة في استهداف الإرهاب للأنوار في عاصمتها التاريخية، فباريس، فنا وثقافة وفلسفة، حضرت إسهاماتها، بأصالة وبديمومة، في صناعة الحضارة وحماية حق المعرفة وصيانة الحرية وإشاعة الحداثة وبناء القانون، فكانت جريمة تشارلي ايبدو استهدافا مجازيا لتلك المعاني كلها. من يجافي هذه القيم كان بإمكانه الرحيل، لكنه أعلن الحرب ليرتوي بالدم.

كتب خالد منتصر، مؤخرا، بأن العرب والمسلمين هم الرسوم المسيئة، فهم ينتمون لأمة تتذيل العالم وتتطفل عليه وفي نفس الوقت تعاديه، يركب بعض أفرادها قوارب الموت للوصول إلى أوروبا، وبعد “لهف” إعانة البطالة يرفعون النار في وجه من استضافهم، ينظرون إلى القذى الذي في عيون الآخرين وينسون الخشبة التي في عيونهم، لذلك هم الرسوم المسيئة لكنها رسوم، من لحم ودم، تمشي على الأرض، وقد أصاب.


صحافي سعودي

8