ولكنه ليس رسما

لو تفحصنا المشهد الفني من حولنا لوجدنا عددا كبيرا من الرسامين المكرّسين الذين لا يجيدون الرسم. لقد خدعونا بحيلهم التي لا أحد في إمكانه أن يراهن على أنها ستقاوم الزمن.
الاثنين 2019/09/30
لقد امتزجت الحرفة بالتقنية وصار من الصعب التفريق بينهما

كان القرن العشرون واحدا من أسوأ أزمنة الرسم. ولكن ستينات ذلك القرن كانت الأسوأ في تاريخ الرسم على الإطلاق. لقد سمحت تلك السنوات لمن لا يعرف أن يرسم بأن يكون رساما شهيرا.

على سبيل المثال الفرنسي إيف كلاين، والإيطاليان مانزوني وفونتانا. اشتهر الأخير بالشقوق التي أحدثها بسطوح لوحاته التي لم تكن تحمل أي شيء سوى الصبغة. واختتم ذلك العقد بالأميركي أندي وارهول الذي لجأ إلى طباعة الصور الفوتوغرافية بتقنية الـ”سلك سكرين”. بعد ذلك انفتحت الباب أمام آخرين وجدوا في “الحيل” الفنية بديلا عن تعلم مهارات الرسم وتقنياته.

 ولا أبالغ إذا ما قلت إنه بسبب كثرة “الرسامين” الذين لا يجيدون الرسم على أصوله المدرسية، حيث تحوّل وجودهم إلى ظاهرة فنية، صار من الصعب التمييز بين رسام يجيد الرسم وآخر لا يجيده في ظل انتشار الفن التجريدي. فـ”التجريدية” هي الحقل الذي يمكنه أن يستوعب حيل الجماليات الجديدة التي يصنّف بعضها باعتباره نوعا من التصميم.

 لقد امتزجت الحرفة بالتقنية وصار من الصعب التفريق بينهما. وهو ما استفاد منه رواد التقنية ومستهلكوها، بحيث صرنا نرى رسوما هي عبارة عن لعب تقني لا يستند على أية محاولة للنظر إلى العالم أو التفكير في مصيره.

صارت اللوحة جاهزة من غير أن يسبقها أي عناء أو تفكير. ولا يفكر الكثيرون في ظل طغيان التقنيات الحديثة أن ما يُعرض عليهم لا يعكس تجربة إنسانية، بل هو مجرد لعب على تقنيات جاهزة. وهي مشكلة وقع مفهوم الجمال ضحية لها.

نقول “جميل” ولا نفكّر في قدرة ذلك الشيء الجميل على إحداث تغيير في طرق تفكيرنا. ذلك لأنه جمال خاو، لا ينطوي على أي نوع من التجربة الإنسانية.

لو تفحصنا المشهد الفني من حولنا لوجدنا عددا كبيرا من الرسامين المكرّسين الذين لا يجيدون الرسم. لقد خدعونا بحيلهم التي لا أحد في إمكانه أن يراهن على أنها ستقاوم الزمن.

16