"وللماء ليله أيضا" نداء أنثى يسري في حروفها ضجيج القحط

الأربعاء 2016/02/17
شاعرة ممتلئة بمعاني الارتواء رغم شحّ ليلها

صدر عن دار المنتدى للثقافة والإعلام، ديوان "وللماء ليله أيضا" للشاعرة التونسية هندة محمد، والديوان هو تأكيد آخر على أن الشعر صلاة مقدسة، يمارسها الشاعر في محاولة منه لتخليص روحه من أغلال محاذير الجسد، ورغبة جامحة في اجتراح أفق معبد محاط بالماء، يعبره بخفة عبور نبي معصوم من العطش، يرد الحياة من قداس المطر.

تعدّ تجربة الشاعرة بمثابة تهويمات شعرية، تحيل إلى معنى نقي خالص، من خلال تحويل تجربتها الذاتية إلى حقل فسيح للتأمل في سياقات ومواضيع، تنوس في ظل المرجوّ من فتنة الماء المجاز.

و“للماء ليله أيضا” عنوان مكثف يعتمد على المفارقة وتحفيز مخيلة القارئ عبر إدهاشه، ليندمج ضمن صور مجازية تتماهى وما ينشده من لغة تتخطى معناها الوجودي.

تستهلّ هندة محمد ديوانها بقصيدة أدرجتها تحت عنوان “روكيام دلالة”، توضح فيها توقها إلى التجرد من براءتها، تحدوها نزعة روحانية عارمة، إذ تتكشف لها الحقيقة بلا خطايا ويظل “الجسد الأصفر موبوءا”.

دلالة الماء وفتنته في شعر هندة محمد تتجليان من خلال ما يحركه الهطول في دواخلنا، بين بلل لا تنتفض له أنوثة متحفظة ملتزمة، وانزياح لغوي مضمر لدفق معتم “سمي الماء منك نهري وهذا الليل فيك سليل فقدي”، في هذا النداء شجن لأنثى يسري في حروفها ضجيج القحط، أنثى مرهقة باشتعالات الماء يغريها بردها، فتخشى “فراغا يقتل الماء فيها”، شاعرة ممتلئة بمعاني الارتواء رغم شحّ ليلها.

تواصل الشاعرة استنهاضها لسواكن الأعماق، منادية بقايا الموج العالق في عيون ماء فوضوي، أذاب مسافات الشمس في جسدها نداء ممزوجا بنبرة معاتب، حين تعتريه حمّى الحزن تمنح وجهها لمدن بلا جسد، كأرض تبحث عمن يزرع عشبة في يبابها لتتحول إلى روض من خصب وضوء.

هندة محمد شاعرة تتبع لغة الماء متوغلة في موروثها المائي عبر انسيابية شعرية بديعة، لتنهمر بغزارة آهة عطشى، ويفيض الرمل على ضفاف البوح، ويبكي الطل في صحراء روح ظمئت كـ“سماء أرهقها التيه فانهمرت”.

الشاعرة في ديوانها “وللماء ليله أيضا” لم تنس الطيبين الذين يمرّون بصباحات وطن منسي، وطن يورد اليأس لنهاراتهم المتعبة “الطيبون في مدينتي يغلقون أبواب الفجر كل يوم ويصّاعدون نحو المنفى”، الطيبون الذين تخشى الشاعرة “أن تتوغل في أحلامهم”.

الشاعرة تنعى رجلا كان لهيبا وبات في حاضرها ثلجا، يثقل صدرها بخدع من ظلال “لكنك الآن طيف غريب بصدري تعدد الظلال لثلج قديم”، هي شاعرة أنثى تبث وصايا الشوق لمراياها، وتفصح عن شهواتها في سبيل رجل التهمه الغياب وأخفته الأشباه “وقل للمرايا حين تهيم بألوانها بأن تسكب البوح عند عيوني فكم أشتهيك”، هنا تبوح صراحة بما يعتمل في وجدانها تجاه ذاك الذي لم تستطع حذف أسمائه من ظلها، رغم ما كابدته من لدغات الغياب.

14