ولم لا؟ تعليق هادئ على رسالة من سوريا

الاثنين 2015/10/05

وسط جحيم الهمجيّة والتوحّش قد تتشكل قصص ذات عمق إنساني مهم وملهم، قصص تربك حسابات العقل السياسي الأداتي، وتزعج حساسيات غرائز القطيع، وقد تدعونا في الأخير إلى إعادة النظر في كل القراءات المتاحة. قبل نحو عام، وصلتني رسالة من دمشق الجريحة، كانت كلماتها مرعبة ومعبّرة في نفس الآن. وأرى اليوم أن الظروف صارت مواتية لكي أنشرها مشفوعة بتعليقي الذي كان، كما كان.

تقول الرسالة:

أستاذي سعيد، أنا محمد، هل تذكرني؟ أنا الذي قلتُ لك بأنك قد غيّرت بعض أفكاري حول الدين والثورة والحياة، لا يهمّني أن أسألك هل صدّقت قولي لكن يهمّني أن أطرح عليك سؤالا بسيطا: هل ما زلت تذكرني؟ أنا الذي أخبرتك بأنني إنسان يعيش خارج أكاذيب الدولة الفاشلة، وخارج أوهام الثورة المجهضة وخارج كل الآمال المغدورة، وأقف ملء إرادتي خارج التاريخ أنتظر هدفا بسيطا ومتواضعاً: عودة أبي. نعم، إنه أبي الذي أبجله بعيداً عن كل النيران التي تحرق البلد سواء من أجل الأسد أو من أجل لا أحد. أبي لم ينشقّ عن الجيش الذي لم يعرف انتماء غيره، ولا أعلم ماذا كانت نواياه العميقة في الأخير، لا سيما بعد أن أطلق خاطفوه من الجيش الحر أوّل الأمر سراحه، قبل أن تحاصره النصرة ثم داعش، مع فرقته لمدّة عامين أو يزيد، وبقيت الدّولة تتفرّج لحسابات غامضة، كما لو أنّها قصدت أن تُضحي بكتائب لم تعد تثق فيها، وتعويضها بحلفاء “عقائديين” هذه المرة، ربما.

لكن أيا كانت حسابات اللاعبين فإن الرجل الذي كلمتك عنه هو في الأوّل والأخير والدي، إنّه من أطيب الناس حتى بشهادة منشقين استمرّوا يتّصلون بنا إلى آخر لحظة لكي يطمئنّوا على مصيره، هو المحاصر منذ عامين ضمن الفرقة 17 في مدينة اسمها الرقة، العالم كله تتبع أخبارها وهي التي توالت على حصارها كل موجات الثورة المجهضة، الجيش الحر ثم النصرة ثم داعش.. فهل تذكرني؟

أنا الذي أخبرتك بأن العلويين في سوريا هم أفقر الناس ولا يلتحقون بالجيش إلاّ لأنّهم لا يملكون ما يمكنهم من أداء الكفالة بدل التّجنيد، فهم ليسوا كأبناء تجّار حلب ومالكي قطاع الخدمات في دمشق، بل غالباً ما يسكنون الأرياف الأشد فقراً، هم ضحايا الظلم الاجتماعي قبل أن يكونوا شركاءه في بعض الأحيان، على طريقة “سيكولوجية الإنسان المقهور”، هل تذكرني؟

لقد وعدتني بأني سألتقي قريباً بوالدي المحاصر منذ أكثر من عامين، طالما أنّ الثورة فاشلة والدولة فاشلة، وانطلاقا من هذا اليأس الكبير ينبع بصيص الأمل. وعدتني بذلك، وانتظرت طويلا أن يأتي بصيص الأمل الموعود، ثم وعدتك بأن أقرأ على والدي مقالاتك بعد الفرج، فهل ما زلت تذكر هذا الوعد؟ والآن أمتلك كل الحق لأسالك: أين هذا الوعد الذي رسمته على غيوم سمائي؟ دعني ألقي عليك خبرا ثقيلا: توفي والدي بعد أن أسرته داعش وذبحته غدراً، رحمة الله عليه. نعم، لقد حزنت وأنا أرى خذلان النظام الأسدي للفرقة 17 التي أبيدت عن آخرها أمام أنظاره، لكن الذي أحزنني أكثر هو تواطؤ أهل الرقة مع ذلك الوحش الذي بدأ يلتهم الدّولة والثورة والحضارة والوجود وكل شيء، وكانوا يقومون من تلقاء أنفسهم بالتقاط صور إعدام الجنود بواسطة سكاكين داعش. صدق نيتشه يوم قال: وأنت تقاتل الوحش احذر أن تصبح أنت الوحش.

أجبتُ عن هذه الرسالة المرعبة والمعبرة بعبارة واحدة قلتها له:

من رحمة الأقدار أن يستشهد والدك في المواجهة مع داعش على وجه التحديد، والتي يجمع الجميع على أنّها العدو الأوّل للإنسانية. ولعلها إشارة من إشارات القدر، قد ترسم بعض المعالم على طريق وعر، وقد تعيد اللحمة إلى كافة السوريين لغاية التخلص من كل الوحوش والغيلان. شيء آخر، وربّما هنا يكمن الدّرس الأهم لكل القضايا الشائكة: من يبحث عن حل نهائي إنّما يبحث عن عنف بلا نهاية، من يبحث عن حل دائم إنما يبحث فقط عن عنف دائم؛ ففي الحياة لا توجد إلا حلول جزئية، في الحياة لا توجد إلا حلول مؤقتة. ولعل استشهاد والدك على يد الوحش المتغول الذي بدأ يبتلع الدولة والمعارضة والحضارة برمتها، إنما يحمل رسالة قوية إلى حاجة سوريا لتوافق وطني ودولي، ولو تحت عنوان جديد: سوريا ما بعد الأسد. وللمرّة المئة أسأل: لمَ لا؟

أما الإصرار المجاني على شعارات من قبيل، الأسد إلى الأبد، الأسد أو لا أحد، الأسد أو نحرق البلد، إلخ، فإنه قد يقود آجلا أم عاجلا إلى حالة تحمل اسم “الأسد ما بعد سوريا”، بدل “سوريا ما بعد الأسد”. وهذا أخشى ما يخشاه جميع العقلاء أينما كانت مواقعهم ومواقفهم.

كاتب مغربي

9