وليد أبوبكر يحاكم السرد الفلسطيني في كتاب نقدي

السبت 2014/12/27
وليد أبوبكر: أحاول حماية الأدب الفلسطيني من الخلل والزلل ومن الدخلاء أيضا

خدم الأديب الفلسطيني وليد أبوبكر، الثقافتين الفلسطينية والعربية، عبر ما قدمه من روايات عديدة، كما كتب في مجال النقد، والترجمة، ونشر الكثير من المعالجات الصحفية، بالإضافة إلى نشاطاته الثقافية المتنوعة، ومنها إدارته لمركز أوغاريت الثقافي في مدينة رام الله، الذي قدم العديد من الكتاب الفلسطينيين إلى الساحة الأدبية وعرف بأسماء أدبية شابة.

يصف البعض، أبابكر، بأنه حنبلي، في إشارة إلى أحكامه الأدبية التي يراها البعض قاطعة، في حين يراها هو بأنها غير مجاملة. ويصفه صديقه الشاعر أحمد دحبور بأنه “لا يعجبه العجب”،

أما الأديبة الكويتية ليلى العثمان فروت في حديث تلفزيوني، كيف أبدى أبوبكر موقفا متشددا من عمل أدبي قدمته له في بداياتها، وقبل أن ترتبط به، دلالة على عدم مجاملته فيما يخص النصوص الأدبية.

يفخر أبوبكر، بأن عمله الجديد “المزاج في النص الأدبي ومخاطر التطبيع في السرد الفلسطيني”، الصادر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، بيروت (2014)، هو مثار اعتزازه أكثر بكثير مما كتب، وهو كثير.

ويبرر ذلك بأن هذا الكتاب سيفتح، كما يقول: «مجالا ربما لم يرد إليه قلم من قبل، بهذا التجرد وبهذه الخصوصية المقررة مسبقا، والتي قصدت أن تغفل الخضوع لأي عامل خارج النص، الذي يتشكل من محاكمته رأي، يعني بأن يكون موضوعيا بقدر ما يستطيع، سواء كان ذلك العالم شهرة تسبق صاحبه وتمنحه الحصانة، أو حساسية قد تكون لها آثار، دون أن أزعم أكثر من أنني فتحت بابا أحببت الدخول فيه. وكنت أعرف أنه ليس من الممكن، منذ المبادرة الأولى، قول كل ما يجب أن يقال حول هذا الموضوع الدقيق وإنما هو محاولة لقول شيء قد يكون كثيرون قادرين على أن يقولوا خيرا منه، في المستقبل، حين يعالجون هذا الموضوع، وحسبي أنني لم أتردد».

أبوبكر يرى أن بعض الروايات الفلسطينية سارت في مسارات متدرجة في خدشها للمزاج الروائي

والمكانة التي ارتضاها الكاتب لنفسه في معالجة الموضوع، يحددها في المقدمة: «إن حماية الأدب الفلسطيني من الخلل والزلل، ومن الدخلاء أيضا، هو الهدف الذي وضعته هذه الدراسة أمامها، وتمنت ان تنجح فيه». وقد يختلف البعض حول طبيعة هذا الهدف، وعلى تحديد تعريف “الخلل” و “الزلل”، وحول قدرة دراسة أو دراسات، أو أديب أو مؤسسات الاضطلاع بذلك.


زيف الحقيقة


يلاحظ أبوبكر، بأنه في مرحلة اتفاق أوسلو التي يصفها بـ“زمن الوهم”، وما حملته من مستجدات سياسية واجتماعية، جعلت بعض الكتاب يشعرون: «بأن القضية أخذت تفلت من قدرتهم على الاستفادة منها، كما كانوا يفعلون عبر سنوات طويلة سابقة، ادعوا خلالها أنهم مرتبطون بها عضويا، متفانون من أجلها، تبين لهم أن السبيل الوحيد المتاح أمامهم، في الفترة الجديدة، هو التعلق بحبال الاحتلال، فكان ذلك أحد الأسباب التي مهدت لتكاثر مفاجئ في الشخصيات اليهودية والإسرائيلية في الأراضي المحتلة بشقيها، وفي خارجها في بعض الحالات».

ويستعرض، دون ذكر أسماء أو مؤسسات أو “جهات راعية” أو وكلاء و “قيادات ثقافية بحكم الواقع”، نشاطات أدبية تصب فيما يسميه «مشروع التعايش الذي طرحته الدول الراعية لاتفاقات أوسلو»، ويغري هذا الفصل من الكتاب، بإجراء تحقيق صحافي استقصائي، لمعرفة حجم الخراب، كما يصف البعض الواقع الثقافي الفلسطيني، والجهات المسؤولة عنه.

يتضمن الكتاب، فصلا نظريا عن مفهوم المزاج، مؤكدا على أن «العمل الأساس لضبط المزاج هو أن يكون لغة تواصل داخلية، حساسة ومؤثرة، بين الكاتب وقارئه».

البعض يصف أبو بكر بالحنبلي في إشارة إلى مواقفه القاطعة


مسارات متدرجة


يتطرق أبوبكر إلى عدد من الروايات الفلسطينية التي صدرت في السنوات الأخيرة، بالنقد الشديد، متهما إياها بالوقوع في فخ التطبيع، ويشير إلى أن معظمها لا يعتبرها روايات، رغم أن بعضها يحمل أسماء شعراء وكتاب حققوا شهرة واسعة.

يرى أبوبكر «أن بعض الروايات الفلسطينية سارت في مسارات متدرجة في خدشها للمزاج الروائي، بما يخرج عن الهدف الذي تتوجه إليه، فابتدأت أولا بالتقليل من شأن الفلسطيني، ثم سارت نحو امتداح العدو في بعض سماته، حتى قبول العدو، احتلاليا وثقافيا، كجزء من واقع ، يفترض أن تكون العلاقة به طبيعية أو مقبولة، استنادا إلى هذا الواقع الجديد، لا إلى قضية الحق الذي يجب الدفاع عنها أمام كل شروط الواقع المفروض بالقوة، التي تهدف إلى تغييب هذا الحق».


وهم العواطف


ويلاحظ «أن الوصف الإيجابي لظروف الاحتلال متوفر إلى حد كبير في بعض الروايات الفلسطينية، ربما كان تحت وهم العواطف الإنسانية، أو تحت خداع الواقعية الطبيعية، وهي أمور لا تنسجم مع الفن الروائي إلا إذا خضعت للمزاج العام فيه».

وألحق الكاتب، لدراسته، ملحقا يضم مقالات سبق نشرها، تتعرض لبعض الروايات التي ناقشها في دراسته، وأيضا ملاحظات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، التي كان يحرر أبوبكر منشوراته، ويرأس تحرير مجلته، حول رواية فازت بجائزة مؤسسة القطان في رام الله.

والملاحظ من دراسة الكاتب والأحكام التي أصدرها تجاه الأعمال السردية التي ناقشها، أن فيها -حسب رأيه- قصورا فنيا، وبعض هذا القصور فاضح، مثل مسرحية، خصص لها مقالة طويلة، مع أنه رفض اعتبارها نصا مسرحيا، بل أيضا اعتبر أن النص «لا يستحق أن يشار إليه كعمل أدبي أيضا».

وهذا ما يطرح عدة أسئلة، حول آلية أبوبكر في انتخاب النصوص التي درسها، وإذا ما تمّ التسليم بوجهة نظره تجاه هذه الأعمال، فهل هذا يؤكد أن الشكل الفني المتقدم لا يعبر إلا عن مضمون متقدم؟

16