وليد الزواري تونسي ألهم يديه خفة الموسيقى

الفنان التونسي لا يملك سوى أن يضع بصره في خدمة المسافة التي تفصل بين شجرة زيتون وأخرى، في تلك المسافة تقيم رسومه.
الأحد 2018/10/07
الرسم عند الزواري باعتباره حفلة لتحضير الأرواح

كأن حشداً من الرسامين قد وضعوا أنفسهم في خدمة يديه. يرسم برؤاهم وخيالهم ويمشي بأقدامهم ويضع رأسه على وسائدهم ويستعير أحلامهم من غير أن يسمح لهم بالإقامة في عينيه.

التهم بشهية أسد خرافا، كان من الممكن أن لا تكون كذلك لو لم تمر بمزاجه الجمالي النهم. أحب رسامين من مختلف أنحاء العالم العربي فجرّب أن يدخلهم إلى مختبره لا بصفتهم فاتحين بل باعتبار تجاربهم نماذج لما يمكن أن يكون عليه الرسم الذي يحبه.

كان عليه أن يصهر تلك التجارب لتشكل المزيج الذي لا يتمكن من فهم معادلاته سوى رسام محترف.

حين تصفّحت في مرسمه دفتره الضخم الذي استلهم من خلاله معزوفات للتونسي أنور ابراهم، خُيّل إليّ أن كل صفحة من صفحات ذلك الدفتر تصلح مادة لمعرض مستقل. غير أن وليد الزواري لا يميل إلى تكرار ما فعله في وقت سابق.

ما إن يغادر الصفحة مطمئنا حتى ينتابه قلق من نوع آخر.

يسمّي قوة الإلهام بطاقة العمل، فهو يرسم يوميا. وهو ما يجعله قادرا على استدراج رؤاه إلى مناطق بصرية تستدعيه بخفة إلى بلاد غادرها لتوه.

الزواري هو رسام مشاهد طبيعية بالرغم من تجريدية أسلوبه.

لا يملك الفنان التونسي سوى أن يضع بصره في خدمة المسافة التي تفصل بين شجرة زيتون وأخرى. في تلك المسافة تقيم رسومه. تلك واحدة من أهم الحقائق التي استثمرها الرسام تصويريا.

هذا رسام يمحو. من وجهة نظره فإن العالم مكتظ بالأشياء الفائضة التي يجب التخلص منها، لذلك فإنه يمحو كل ما يراه لكي يكون مخلصا لفكرته.

لا يمكن اعتباره ابنا للمحترف الفني التونسي بالرغم من أنه يخصّ عددا من بناة ذلك المحترف باحترامه وتقديره وإعجابه كما هو حاله مع رفيق الكامل في مرحلته التجريدية.

الزواري في حقيقة شغفه بالرسم لا يبحث عن هويته الشخصية إلا عن طريق اشتباكه بما يلهمه جماليا. شيء من ذلك القبيل يفتح أمامه الأبواب واسعة أمام العالم الذي يسعفه دائما بكل أسباب الفتنة.

لذلك يمكن فهم ذلك التناقض بين جنونه في الرسم والمنطق المنضبط الذي يعتمد عليه عمله اليومي مصمّما في سياق توزعه بين ما هو جمالي نفعي وما هو جمالي خالص. تلك موهبة لا تملكها إلا القلة. الزواري هو ذلك القليل الذي يُدهش.

الموسيقى التي تلهم الأشكال

الزواري في حقيقة شغفه بالرسم لا يبحث عن هويته الشخصية إلا عن طريق اشتباكه بما يلهمه جماليا.
الزواري في حقيقة شغفه بالرسم لا يبحث عن هويته الشخصية إلا عن طريق اشتباكه بما يلهمه جماليا

ولد الزواري عام 1968 بصفاقس. درس الفنون التشكيلية في مدرسة الفنون الجميلة بتونس وتخرّج منها عام 1994. نال شهادة الدبلوم من المدرسة نفسها. وأقام بمركز الحي للفنون بمدينة رادس وأنجز فيه معرضا للرسم والخزف.

عام 2001 أقام معرضه الشخصي الأول بقيانا بمصاحبة عازف الجاز ظافر يوسف. وحصل عام 2003 على إقامة في مدينة الفنون بباريس استمرت عاما كاملا كانت محصلتها معرضا شخصيا. رسم خمس جداريات بعنوان “نسمات الحرية” عرضت في ساحة الجمهورية عام 2011. وفي المجال نفسه أنجز جدارية لمسرحية “المغروم” للمخرج سعد بن عبدالله عام 2017.

“التيه” هو عنوان معرضه الشخصي الأخير الذي أقامه عام 2017. قبله أقام معارض شخصية عديدة. رواق كاليستي، ورواق عين، و”الطريق إلى الصين” في دار الفنون بتونس.

أنجز الزواري أعمالا مشتركة مع موسيقيين، قاده شغفه بأعمالهم إلى استلهام عوالمهم في رسومه. بدأ مع ظافر يوسف لينجز لقرصه “أبو نؤاس راسدي” 12 رسما.

ثم انتقل إلى عازف السكسفون النمساوي والف كونغ بوشنيك. أما “استذكار” فهو عنوان كتابه، وهو نسخة واحدة، استلهم فيه موسيقى التونسي أنور ابراهم. يتألف ذلك الكتاب المدهش من مئتي صفحة حاول الزواري في كل صفحتين منها أن يُظهر ذلك الآخر الذي يقيم في أعماقه مسكونا بالرغبة في أن يكون حرّا ومستقلا. لذلك فإن مَن يرى “استذكار” سيكون عليه أن يكون مستعدا للقاء قبيلة من الرسامين الذين يتنقلون بين سلالم الموسيقى.

يرسم الزواري ما لا يُرى من المشهد وهو رسام مشاهد. يُخيل إليّ أنه تأمل الرسوم أكثر مما تأمل الطبيعة، لذلك صار يستذكرها من خلال الرسم. علاقته بالعالم الخارجي نشأت من خلال الرسوم. تدرّبت عينه على أن ترى الخلاصات التي انتهى إليها الرسامون الذين أحبهم. خلاصات تطرد ما هو فائض. وهو في ذلك لا يبحث عن الدلالة والمعنى بل عن الأثر والإيقاع. أثر المشهد العابر الذي يقيم في العين لينتج صورته التي تبقى وإيقاع النغم العابر الذي يمرّ مسرعا. ضربة طبل يتردد صداها بعد غيابها.

هذا رسام منسيات. قوة الحنين في رسومه تندفع بنا إلى مستقبل الأشياء غير المؤكد لا إلى ماضيها الراسخ. المولع بالخلاصات لا يهمه مصير البذرة بقدر ما يذهب بالشجرة إلى أقصى تجلياتها. إنه يهذّب الطبيعة مثلما يهذّب إحساسه من خلال الرسم. ما يمكن أن ننساه يستعيد قوة ظهوره من خلال رسومه. غير أن ليده سلطانا عجيبا في لحظة الرسم. فخيال تلك اليد هو معجزته الحقيقية.

يده تمارس الغزل بالمواد التي تعرف أسراها جيّدا. لذلك فإنها تسمو بالمادة إلى أرقى ما يمكن أن تقدمه. مثل رسام صيني لا يكفيه أن يرسم الوردة بل يسعى إلى أن يستحضر عطرها من خلال رسومه.

الزواري هو ابن الحرفة المتمرد عليها. إنه يستعملها من أجل أن يغادرها إلى الموقع الذي تتخلى فيه عن ثيابها الرسمية لتظهر على حقيقتها باعتبارها قوة خلق.

أصوات وأشكال وروائح

عالم الزواري مُركب. إنساني وطبيعي في الوقت نفسه. لا يستعير الرسام مفردة من الجسد البشري حتى يلحقها بمفردة مقتبسة من الطبيعة. إنه يمارس نوعا من المزج بين الكائنات بحثا عما يمكن أن يمنحه ذلك المزج من لحظات تأمل صاف. يرسم الزواري الجبل والغيوم والأعشاب والنوافذ والزهور بالعاطفة نفسها التي يرسم من خلالها بشرا حلّقت بهم السعادة واختزلت أعضاءهم فبدوا كما لو أنهم أجزاء من عالم يتوارى خلف ضباب ملون.

تهبنا رسوم الزواري سعادة أن نرى.

تقنيا تعلم الرسام الشيء الكثير من قواعد الموسيقى المعاصرة. هناك الإيقاع المنسجم وضده الذي يشتته ويحيله إلى رذاذ ثم يمتزج به ليعيده إلى سيرته الأولى. يمكنك أن ترى في رسومه الأصوات وأن تنصت إلى الأشكال. ولم يحرم الفنان المواد من الروائح التي تطلقها المساحات اللونية الحرة.

المعادلة التي صنعها ذلك الرسام يمكن التعرّف على طرفيها من خلال رسام حرّ ومتلق سعيد وما بينهما يقيم عالم يظل في طور التشكل. كل نظرة إليه تحرره من هيئته السابقة.

ولأن الرسام لا يتبع وصفة جاهزة، من غير أن يسمح للصدفة بأن تتدخل في صياغة جزء من عمله، فإن كل لوحة منه هي بمثابة تجربة، يمتزج من خلالها الانفعال الآني بالخبرة المختبرية المتراكمة. مثل مايسترو يشير الزواري بعصاه لتبدأ أشباح غير مرئية عملها في استخراج أشكال من عالم مسكون بكائنات، يكون الرسم بالنسبة إليها بمثابة حفلة لتحضير الأرواح.

في كل لوحة من وليد الزواري هناك شيء من طقس تلك الحفلة.

9