وليد المعلم.. صوت لسيده يقود وفد النظام السوري إلى جنيف 2

الأحد 2014/01/26
تناقضات نظام الأسد وبنيته جعلت المعلّم عدوّا للجميع في الحكومة السورية

يرأس وفد نظام الأسد إلى مفاوضات جنيف 2 مع المعارضة السورية، وزير الخارجية وليد المعلّم، الذي وصل إلى هذا الموقع حيث يجري تقرير مصير سوريا ومستقبلها، عبر مسيرة طويلة من التنقل من منصب إلى آخر، والتزاحم على الصفوف الأولى، متخذا لنفسه تلك الشخصية اللينة، التي تكاد تبدو غير مبالية وغير مكترثة بالمتغيرات من حولها.

في قرية قرب دمشق تحوّلت إلى حيّ عريق من أحياء المدينة مترامية الأطراف، ولد وليد المعلّم في العام 1941، في المزّة لأسرة من عشيرة الدليم العراقية، ودرس وعاش في عاصمة الأمويين، حتى غادر دمشق إلى طرطوس للحصول على الثانوية العامة، ثم إلى القاهرة لمتابعة دراسة الاقتصاد في زمن الوحدة مع مصر، ثم تخرّج من جامعاتها في العام 1963، وبعد عام تم توظيفه في وزارة الخارجية السورية في وزارة صلاح الدين البيطار المؤسس الثاني للبعث ووزير الخارجية حينها، ليتنقّل من عاصمة إلى أخرى ضمن السلك الدبلوماسي السوري الذي أخذه إلى الرياض وتنزانيا ومدريد ولندن.

وتمكن من الصمود أمام عمليات التصفية التي أجراها حافظ الأسد على تركيبة السياسيين البعثيين المحيطين به والعاملين في الوزارات السيادية وعلى رأسها الخارجية، فظل بعيدا عن التوترات حتى أواسط السبعينات حين أرسله الأسد الأب سفيرا في جمهورية رومانيا في زمن نيكولاي تشاوشيسكو، الدكتاتور الروماني الذي درسه المعلّم جيداً ، وتأثر بكيفية سيطرته على الشعب والمجتمعات الرومانية العريقة، ورسخ في ذهنه النموذج الشرقي لتشاوشيسكو في دمشق “حافظ الأسد” ولذلك فقد اختار منذ البداية التعامل مع نظام الأسد كأمر واقع لا مفرّ منه، فبقي في بوخارست حتى العام 1980، حيث أعيد إلى دمشق ليوضع في قسم الأرشيف، في وزارة الخارجية السورية.

دفع وليد المعلّم بنفسه إلى القمّة بكل ما أمكن من وسائل.. واستغل موقعه في وفد المفاوضات السورية مع الإسرائيليين


المعلم شاهد الثمانينات


كان المعلّم في قلب دمشق، وفي قلب النظام، حين أعلن حافظ الأسد حربه على المدن السورية، حلب وحماة ودير الزور، وكان النصيب الأكبر لحماة التي دمّرت تماما، ومحيت أحياء منها عن بكرة أبيها، وتمت تسوية الجامع الأموي الكبير فيها مع الأرض ودفن الضحايا تحت أنقاضه، وإنشاء المتحف الوطني الجديد في موقعه، بالإضافة إلى سقوط أكثر من خمسة وثلاثين ألف ضحية، تبع ذلك حملة اعتقالات واسعة، طالت كل المحافظات السورية، وجميع التيارات السياسية الإسلامية واليسارية والقومية منها، وتم ترويض المجتمع وإسكاته تماما طيلة فترة الثمانينات، التي انتقل فيها المعلّم من منصبه في الأرشيف إلى إدارة المكاتب الخاصة في الخارجية السورية، وفي العام 1989، بدأ نجمه يلمع من جديد، بعد أن تولى منصب مدير مكتب فاروق الشرع وزير الخارجية، ولم تمض السنة التالية حتى تم تعيينه سفيرا لسوريا في واشنطن.


رحلة واشنطن والمفاوضات مع إسرائيل


استقر المعلّم في واشنطن، وبدأ بنسج شبكة علاقات مميزة، تمكن من خلالها أن يؤسس أعماله الخاصة عبر أفراد من عائلته، فأسس سلسلة مطاعم شهيرة في الولايات الأميركية، وتم تكليفه بالانضمام إلى وفد مفاوضات السلام مع إسرائيل الذي ترأسه موفق العلاف السفير السوري في الأمم المتحدة سابقا والدبلوماسي المخضرم.

كلف رئيس وزراء إسرائيل الراحل اسحق رابين عقب فوز حزب العمل في الانتخابات إيتمار رابينوفيش بقيادة الوفد الإسرائيلي للتفاوض مع سورية في 23 حزيران من عام 1992 بينما تولى موفق العلاف قيادة الوفد السوري ومعه وليد المعلّم وتم الاتفاق على اعتماد قرار مجلس الأمن 242 أساسا للمفاوضات (كما تم اعتماد بيان جنيف1 أساسا لمفاوضات جنيف 2).

وفي اثنتي عشرة جولة وضعت كل الترتيبات العملية للسلام بين دمشق وتل أبيب، وطرحت إسرائيل معادلة “عمق الانسحاب من الجولان يتوقف على عمق السلام وطبيعته”، وقد انضم رئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي إلى المفاوضات وعقد لقاء بين الشهابي والإسرائيلي رابينوفيتش، ثم مع إيهود باراك ثم توقفت المفاوضات، وكان الأسد يماطل في حسم المفاوضات، حتى أنه طلب من وفده أن يطرح “رغبة الرئيس بأن يضع قدميه في مياه شاطئ بحيرة طبريا كما كان يفعل قبل احتلال الجولان”.

فشل وليد المعلم في أولى مهامه دوليا، ولكنه نجح في إرضاء رئيسه وفق معايير مختلفة معروفة في دمشق

قال وليد المعلّم إن اسحق رابين ترك وديعة عند الأميركيين، تنص على موافقته على الانسحاب حتى خط الرابع من حزيران 1967، ولكنه نقل إرادة حافظ الأسد التي نصّت على رفض ذلك العرض الإسرائيلي، ثم اغتيل رابين في 24 أكتوبر من العام 1995 وتولى شمعون بيريز رئاسة الحكومة خلفا له واستؤنفت المفاوضات مجددا في “واي بلانتيشن” وجرت جولتان في العام 1996 وتناولت تفاصيل الانسحاب وفحوى العلاقات الدبلوماسية والسلمية بين البلدين، ثم توقفت من جديد، حتى نجحت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت في إحياء المفاوضات مجددا وانطلقت في “شيبردز تاون” في ولاية فيرجينيا الغربية بين 3 و7 ديسمبر ـ كانون الأول من العام 2000 ترأسها عن الجانب السوري وزير الخارجية السوري حينها فاروق الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك عن إسرائيل، وكان المعلّم في الوفد المفاوض، ولكن في تلك السنة تم استدعاء وليد المعلّم إلى دمشق ليكون معاونا لفاروق الشرع في الوزارة.


مرحلة الاقتراب من الأسد


بعد انشقاق عبدالحليم خدام، اضطر بشار الأسد إلى تكليف فاروق الشرع بمنصب نائب رئيس الجمهورية، وترقية وليد المعلّم بعد توليه منصب نائب وزير الخارجية قبلها، وقد ورث عن خدام ملف لبنان والنفوذ السوري عليه.

عيّن وزبرا للخارجية في خريف العام 2006، وكان له دورٌ كبير في إعادة النظام السوري إلى الخارطة الدولية من جديد بعد العزلة التي أطبقت عليه بعد اغتيال رفيق الحريري وتوجيه الاتهام للأسد مباشرة وأجهزة مخابراته، وقد ذكر تقرير للأمم المتحدة أن وليد المعلّم هو من نقل تهديدات بشار الأسد لرئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري قبل اغتياله بأسبوعين.

في تلك المسيرة ألّف وليد المعلّم عددا من الكتب، “فلسطين والسلام المسلح” في العام 1970، و“سوريا في مرحلة الانتداب من العام 1917 وحتى العام 1948”، و“سوريا من الاستقلال إلى الوحدة من العام 1948 وحتى العام 1958” و“العالم والشرق الأوسط في المنظور الأميركي”.

جاء في تقرير الأمم المتحدة أن المعلم هو من أبلغ رفيق الحريري تهديدات بشار الأسد وما هي إلا أيام حتى تم اغتياله في تفجير ضخم في العاصمة بيروت


المعلم بعد الثورة السورية


وصل وليد المعلّم إلى لحظة انفجار الأوضاع في سوريا، بعد صبر طويل على تناقضات الحكم في سوريا، وعلى العلاقات غير الودّية مع كبار المسؤولين في جسم النظام، على رأسهم فاروق الشرع ذاته، وبثينة شعبان التي حاول مرات عديدة تدمير علاقتها مع أسرة الأسد، من خلال عدد كبير من الاحتجاجات التي رفعها لبشار الأسد، وتمكّن من حماية ذاته بالعمل كموظف تكنوقراطي ينفّذ تعليمات الرئيس في كل شاردة وواردة.

ولكنه ومع بدء الأحداث، رجع خطوة إلى الوراء، وقال في اجتماع مجلس الوزراء السوري: ” أسمع عن أخبار وزارة الخارجية من قناة الدنيا”، ثم تم توريطه في عرض فيلم عن عمليات إرهابية لمتطرفين على أنها جرت في سوريا، ولكن اتضح أن الفيلم مأخوذ عن مجموعة أشخاص في لبنان وتم تصويره قبل سنوات من بدء الاحتجاجات في سوريا، الأمر الذي تسبب بإشكال كبير بين المعلّم ورؤساء الأجهزة الأمنية في دمشق.

وقد تسارعت التناقضات التي تشكّل جوهر نظام الأسد وبنيته، حتى جعلت من المعلّم عدوّا للجميع في الحكومة السورية، ولكنه يتمتع بميزة أنه انعكاسٌ كامل بلا نقاش لما يريده الأسد، الذي لم يوفّر الفرصة في السابق لإضعاف وزير خارجيته بتعيين فيصل المقداد الذي طالما تم التواصل معه وتجاوز منصب الوزير الذي لم يعترض يوما رغم امتعاضه الشديد من ذلك.

شارك وليد المعلّم في وفد المفاوضات السورية الإسرائيلية على مدى تسع سنوات، ونفّذ إرادة الأسد الأب في المماطلة مع تل أبيب ورفض عرض رابين بالانسحاب من الجولان


المعلم وجنيف 2


يذهب وليد المعلّم على رأس وفد لا يثق به، فهو محاط ببثينة شعبان وفيصل المقداد من جهة، وبمحامي المتهمين بقضية اغتيال الحريري عمران الزعبي الذي تم تعيينه وزيرا للإعلام، يذهب المعلّم بلا تفويض بالموافقة على أي شيء، حتى أنه أعلن أن كل ما يتم الاتفاق عليه هنا سيخضع للاستفتاء الشعبي وليس فقط للرجوع إلى القيادة في دمشق، وقد ظهر في جلسة الافتتاح الأولى بشخصيته الباردة والبارعة التي حاولت الاستئثار بأطول وقت ممكن من زمن المتابعة الإعلامية، رغم الكثير من الأفكار التي اعتبرها رؤساء الوفود مملة ولا قيمة لها، أكثر فيها من التهجم على الوهابية ودول الجوار ودول الخليج، وخاطب جون كيري وزير الخارجية الأميركية مباشرة بالقول إنه لا يوجد أحدٌ على سطح الأرض يمكنه أن يفرض على السوريين ما لا يريدون أو ينزع الشرعية أو يمنحها لهم، وكان حضوره استفزازيا للوفود، ولكنه وبالقياس مع أداء وفد الائتلاف السوري المعارض، فقد الفرصة الأولى للدفاع عن قضيته، فكان يدافع عن شخص، بينما طالبه أحمد الجربا رئيس الوفد المعارض بالتحول من ممثل لشخص الأسد إلى ممثل للشعب السوري.

مع بدء الأحداث، رجع المعلم خطوة إلى الوراء، واشتكى في اجتماع مجلس الوزراء : أسمع عن أخبار وزارة الخارجية من قناة الدنيا

من المتوقع أن يحاول وليد المعلّم استنساخ تجربته في المفاوضات الطويلة مع الإسرائيليين، خاصة وأن وفده يقول إن هناك مرحلة طويلة من الإجراءات ستسبق أي حديث عن تشكيل هيئة حكم انتقالية واسعة الصلاحيات، فهناك الممرات الآمنة، ثم وقف إطلاق النار، ثم مراقبة وقف إطلاق النار وضمانه، وتبادل المعتقلين، واستعادة الاستقرار، في المناطق التي سيطالب النظام السوري بإقامة الاستفتاء فيها، على ما يتم الاتفاق عليه، بوجود مراقبين أمميين، ولا يمكن لأحد تصوّر صعوبة التفاهم مع وفد لا يملك أية صلاحيات بالموافقة أو الرفض، إضافة إلى وجود رغبة بكسب الوقت لدى وفد النظام، الأمر الذي سيدفع وفد المعارضة الواقع تحت ضغوط كبيرة إما إلى مواصلة المفاوضات إلى مالا نهاية، أو الانسحاب في أية لحظة، في أثناء ذلك سيكون المجتمع الدولي قد اتخذ قرارات مساندة بضرورة ضبط الأمن في سوريا، بإدخال قوات حفظ سلام دولية كان قد بدأ التحضير لها مع نهاية العام 2013.

سيكون على وفد المعارضة السورية، إدراك تلك الخبرات التي ينحدر منها ذهن رئيس الوفد المقابل، ومن ثمة اختيار أقصر الطرق لحسم الحوارات والنقاشات التي قد تستمر طويلا في حال ترك المعلّم ليرضي رئيسه فقط.

7