وليد المعلم وزير خارجية ينعاه الأسد وينعى معه غياب أمثاله

المعلّم كموظّف مخلص لوظيفته، أدى دوره باقتدار وعلى طريقته الخاصة، لا يحتاج إلى الكثير من رأس السلطة، بينما تبدو هي وكأنها تحتاج إلى نموذجه لضمان استمرارها.
الخميس 2020/11/19
المدرسة "غير التقليدية" للدبلوماسية السورية

في أول زيارة لي إلى واشنطن، قبل قرابة العشرين عاماً، دعيت إلى أحد المطاعم الشرقية الشهيرة في المدينة، حيث يمكن أن يقدّم لك الكباب والمشاوي ويبرق ورق العنب والسلطات والمعجنات الدمشقية، وفي نهاية الجلسة، همس أحد العرب الأميركيين المقيمين في الولايات المتحدة منذ عقود قائلاً “من حسن الحظ أن السفير السوري وليد المعلم افتتح سلسلة من هذا المطعم في مدن عديدة في أميركا”. حينها عرفنا أن المعلّم، الذي رحل قبل يومين، هو مالك المطعم، هو وأفراد أسرته بالطبع.

ليس في تلك الإشارة ما يسرق الذهن إلى الفساد وارتباطه برجالات السلطة في سوريا، فهذا أمر بات معروفاً ولا جديد فيه، إنما ما يحيل الذهن إليه هو تلك الشخصية الموازية للسلطة، والتي تعيش في كنفها، بالهدوء الذي كان يمثله المعلّم، والذي صار لاحقاً وزيراً للخارجية وعقلاً مدبّراً للدبلوماسية السورية حتى لحظة وفاته.

لا يحتاج شخص مثل المعلّم إلى الفساد ليطوّر تجارته، فهو بالفطرة بإمكانه أن يطوّر تجارة من أيّ صنف، شأنه شأن السوريين جميعاً، وغالبية منهم تجار مهرة ألفوا التأقلم مع كل الظروف. كما لا يحتاج موظّف مخلص لوظيفته، مثل المعلّم، إلى الكثير من رأس السلطة، بينما تبدو السلطة وكأنها تحتاج إلى نموذجه، وهذا ما يفسّر تلك الجنازة اللافتة التي أقيمت له، والعزاء الذي حضره كبار مسؤولي الدولة.

ماذا عن نموذج المعلّم؟ كي يسهل تصوّر ذلك، يمكن للمتتبع للشأن السوري أن يتخيّل نظام الأسد، الأب والابن، بلا عبدالحليم خدام، أو فاروق الشرع، أو وليد المعلم. لم نقل مصطفى طلاس. تلك الوجوه ”المدنية“ القادمة ليس من عالم الجيش والتبعية الحزبية الضيقة، بل من نطاق الاحتراف السياسي والخبرات الواسعة في التفاعل مع الآخرين. هم أكثر من وجوه وأقنعة للنظام. ضرورة بنيوية لا غنى عنها.

ما الذي يبقى من النظام من دون هؤلاء وأمثالهم؟ وبالمناسبة، هم كثر في مؤسسات الدولة السورية، وكافة الوزارات والدوائر والأكاديميات والإعلام. يبقى من النظام المؤسسة العسكرية والأمنية فقط. وهذا العامل، وحده، لا يصنع الحكم ولا يحمله ولا يبرّر وجوده.

تقاليد عابرة للسياسة

ما الذي يجعل من تلك الشخصيات جسور تواصل للأسد مع العالم الخارجي، رغم كل تقلبات السياسة ورغم التناقضات والحروب، وكافة الحبال التي تقطعت بينه وبين المنظمات الدولية والقوى العربية والإقليمية والعالمية؟ ببساطة هي التقاليد. وتلك التقاليد ليست بالضرورة تعبيراً عن حالة إيجابية، إنما التقاليد قد تكون قرينة للشرور حيناً، وللقيم الرفيعة حيناً آخر، لكنها تبقى أطراً وعادات منتظمة ومنضبطة تضفي على العمل دقّته وتمكّنه من تحقيق أهدافه.

المدرسة الدبلوماسية السورية حافظت على تلك التقاليد منذ أن ورثتها عن فارس الخوري وموقفه الشهير في الأمم المتحدة حين جلس في مقعد المندوب الفرنسي، وأصرّ على تأخيره عن حيازة ذلك المقعد، كي يشير إلى أن الفرنسيين يحتلون سوريا منذ سنوات، بينما يحتجّون على احتلال مجرّد كرسيٍّ في قاعة لدقائق معدودات. منذ عمر أبي ريشة ونزار قباني وكوكبة السفراء الكبار، في أنحاء العالم، تمسكت تلك المدرسة بأن جسور سوريا لا يمكن أن تمتد إلا عبر “كود” معيّن، شيفرة خاصة، لم تتقنها المعارضة السورية بالطبع، ولم تحاول تفكيكها.

ابن التفكك السوري

المسار الدرامي لاقتراب سوريا أكثر نحو المحور الإيراني ترافق مع قناعة بشار الأسد أن أداء الشرع لم يعد كافياً، فكان لا بدّ من منهجية جديدة يتقنها المعلّم وحده، ولم تمض ستة أشهر على تعيينه حتى صرّح علناً أنه مستعد لأن يكون جندياً لدى حسن نصرالله
المسار الدرامي لاقتراب سوريا أكثر نحو المحور الإيراني ترافق مع قناعة بشار الأسد أن أداء الشرع لم يعد كافياً، فكان لا بدّ من منهجية جديدة يتقنها المعلّم وحده، ولم تمض ستة أشهر على تعيينه حتى صرّح علناً أنه مستعد لأن يكون جندياً لدى حسن نصرالله.

ولد المعلم مطلع الأربعينات قرب مدينة دمشق، في قرية المزة الشهيرة ببساتينها، والتي تبعد كيلومترات عن المدينة العريقة، والتي كانت تشهد ذلك التحوّل في طبيعة السكان، امتداد المدينة وتوسعها، مقابل ترييفها المقصود والذي عمدت إلى تطبيقه أولاً وقبل الجميع، السلطة التي كانت تهيمن على سوريا حينها، سلطات الاحتلال الفرنسي، ومهندسها الأكثر إبداعاً في برمجة المدينة والدولة بأسرها، المعماري الفرنسي إيكوشار الذي هدّم دمشق وغيّر خارطتها لأسباب أمنية تسهّل على الجيش الفرنسي تطويق أيّ تمرّد محتمل.

في زمن الوحدة مع مصر، درس المعلّم الاقتصاد في جامعة القاهرة وتخرج فيها في العام الذي استولى فيه البعث على السلطة. ولم يطل به المقام بلا عمل، بعد إنهائه دراسته، فقد كان ”الأستاذ“ الثاني للبعث، بعد ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار آنذاك، يجمّع الكفاءات ليرفد بها وزارة الخارجية السورية التي كان على رأسها.

مدرسة البيطار في الخارجية هي امتداد حقيقي لمدرسة الثقافة في السلك الدبلوماسي. وهي مدرسة تتجاوز البعث كله إلى الدور المركزي الذي لعبه بلدان اثنان في الحياة العربية في المئة سنة الماضية، منذ انحسار الدولة العثمانية، العراق وسوريا، حيث الفكر العروبي الذي يمتلك من الأدوات ما لم يكن يمتلكه غيره في الساحة. بينما كانت مصر الناصرية، وقبلها الملكية، تتقلب بين خطابين متوترين لم يروقا كثيراً لبقية الدول العربية. وبانتشار رجال البيطار الدبلوماسية في البلدان العربية لم تنتشر فقط تلك الأفكار والتقاليد التي دعّمت وجود نظام البعث، بل شبّكت علاقاته الوثيقة وصلاته العميقة مع المؤسسات الحاكمة في معظم الدول العربية. حتى بات جزءاً أصيلاً من المشهد الرسمي العربي.

وكانت القضية الفلسطينية كبرى أدوات السلطة السورية آنذاك، في دغدغة مشاعر العرب، لذلك كان أول كتاب ألّفه المعلّم عن تلك القضية، وكان بعنوان “فلسطين والسلام المسلّح“، وفيه تنظير لفلسفة ”اللاسلم واللاحرب“ التي طرحها حافظ الأسد حينها. سلام مسلّح وسلاح لا يُستخدم. وهكذا يستمر الصراع، ولا تحسم الأمور.

عمل المعلّم في البعثات الدبلوماسية السورية في المملكة العربية السعودية، وفي أفريقيا وبريطانيا وإسبانيا. وانتقل إلى أوروبا الشرقية، المنطقة الهامة للغاية في تلك الفترة بالنسبة إلى دمشق، فعيّن سفيراً في رومانيا في أواسط السبعينات حتى مطلع الثمانينات، ثم أعيد إلى دمشق ليترأس قسم التوثيق والترجمة في الخارجية السورية. لم يضيّع تلك الفرصة، فقام بفضل وجوده بالقرب من أكداس الوثائق، بوضع كتاب توثيقي في جزأين عن تاريخ سوريا السياسي المعاصر “سورية في مرحلة الانتداب”، و”سورية من الاستقلال إلى الوحدة”. ودراسة تلك المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا كفيلة وحدها بجعل المعلم واحداً من بين صنّاع الخطاب الدبلوماسي السوري الدقيق، واللازم للحكم، أكثر من أيّ شيء آخر.

بعد غزو الكويت

مدرسة صلاح الدين البيطار في الدبلوماسية، والتي ينتمي إليها المعلّم، مدرسة تتجاوز البعث كله إلى الدور المركزي الذي لعبه بلدان اثنان في الحياة العربية في المئة سنة الماضية، العراق وسوريا، وحين توارت المدرسة العراقية تفردت دمشق بالساحة

سقطت المدرسة العراقية، بعد غزو الرئيس الراحل صدام حسين للكويت، وبقي في الساحة من تلك الشبكة، مدرسة دمشق التي تفردّت بالدبلوماسية العربية، لكنها باسم عروبتها البراغماتية، قادت العرب إلى مدريد ومفاوضات السلام مع الإسرائيليين. وفي الوقت ذاته التفّت عليهم من خلال الوقوع في الحضن الإيراني. وكان المعلم قد طار إلى واشنطن سفيراً لسوريا فيها. وخلال عقد من الزمان أتيح له أن ينسج علاقات ممتازة مع الأطراف الدولية الفاعلة، في الوقت الذي شهدت فيه دمشق حدثاً كبيراً تمثل في انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه بشار الأسد، ومعه انتقل ملف الخارجية من عبدالحليم خدام وما كان يعرف بالحرس القديم إلى فاروق الشرع وفريق جديد يلائم المرحلة الجديدة.

آثار مجيء بشار الأسد إلى الحكم لم تكن طفيفة، وباتت التعيينات في جسم الدولة أكثر تفلتاً من الضوابط التي شهدها عهد الأسد الأب، ولذلك كان من الطبيعي أن يحلّ صديق مقرّب من بشار الأسد محلّ المعلّم في السفارة السورية في الولايات المتحدة، وهكذا أرسل رئيس الجمعية المعلوماتية عماد مصطفى إلى واشنطن وتمّت إعادة المعلّم إلى دمشق نائباً لوزير الخارجية.

هل خسر النظام آنذاك بإزاحة المعلّم من منصبه؟ ليس كثيراً، فما يصنع السياسة الخارجية لسوريا ليس الأفراد وإنما الاستراتيجيات بعيدة المدى التي جعلت منه جزءاً من المنظومة الدولية على مستويات عديدة، أولها الأمن الإقليمي والعالمي، وليس آخرها الحرب على الإرهاب. وبالتأكيد لم تكن من بينها مصالح الدولة السورية، بقدر ما كانت تعبّر عن مصالح النظام وحده.

النظام تغيّر ولم يخسر. انشق خدّام محتجاً على نهج بشار الأسد، وكان اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري منعطفاً لذلك كله، بعد أن أنيطت بالمعلم مهمة الإشراف على الملف السوري اللبناني بديلاً عن خدام. ولا يغيب عن الذهن ذلك الحوار المسجّل الذي سُرّب مؤخراً بين الحريري والمعلّم حول الأسد وحول علاقة رجل الأعمال السعودي اللبناني ومهندس الطائف بدمشق. وكيفية تليين المعلّم لموقف الحريري وطمأنته بأسلوبه البارد إلى أبعد حد.

أخذت سوريا تبتعد أكثر نحو المحور الإيراني الذي كان آنذاك قد بدأ يشتد عوده أكثر بابتلاع العراق، وبإحكام السيطرة على لبنان من خلال ذراع طهران الضاربة ”حزب الله“. ولم يعد أداء الشرع كافياً، فكان لا بدّ من منهجية جديدة يتقنها المعلّم وحده، فتم تعيينه وزيراً للخارجية في فبراير عام 2006 وبعد أقل من ستة أشهر كان يصرّح علناً أنه مستعد لأن يكون جندياً لدى حسن نصرالله.

العالم من وجهة نظر المعلّم

الدبلوماسية السورية، والتي كان المعلّم أحد لاعبيها الكبار، وباسم عروبتها البراغماتية، قادت العرب إلى مدريد والمفاوضات مع الإسرائيليين، وفي الوقت ذاته التفّت عليهم من خلال الوقوع في محور مضاد للعرب.
الدبلوماسية السورية، والتي كان المعلّم أحد لاعبيها الكبار، وباسم عروبتها البراغماتية، قادت العرب إلى مدريد والمفاوضات مع الإسرائيليين، وفي الوقت ذاته التفّت عليهم من خلال الوقوع في محور مضاد للعرب.

صاحب الكتاب الشهير ”العالم والشرق الأوسط في المنظور الأميركي“ كان الأكثر دراية بالقصة كلها، بعد العام 2011. والطريقة التي خاطب بها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري في جلسة افتتاح مفاوضات جنيف بعد ثلاث سنوات، لا تعكس فقط اطّلاعه على حقيقة المواقف الدولية، بل أيضاً قدرته على التلويح بإمكانية قول ما لا يقال في أيّ وقت وفي أيّ محفل، دون أن يتلقى أيّ رد فعل ذا قيمة من كيري.

حينها قال المعلّم لكيري ”سيّد كيري، لا أحد في العالم له الحق في تغيير أيّ حكومة شرعية ولا أحد في العالم له الحق أن ينصّب نفسه ناطقا باسم السوريين“. معرباً عن رفضه طلباً أميركياً للتفاوض المباشر مع وفد النظام ما لم يعتذر كيري عمّا قاله بحق الأسد.

كثيراً ما كانت تصريحات المعلّم تقابل بالاستخفاف والسخرية من قبل المعارضين السوريين، في الوقت الذي كان بطريقته تلك يرسّخ خطاباً متوازناً أكثر، صحيح أنه دافع عن الجريمة، لكنه دافع عنها باقتدار وبإخلاص الموظف الملتزم بالتقاليد. وما يجب أن يتوقف عنده المرء اليوم هو الفراغ الذي تركه المعلّم في مدرسة النظام السوري تلك، فالجيل الذي جاء بعد المعلّم من الدبلوماسيين السوريين ليس بالمستوى ذاته من المهارة والالتزام الذاتي بتلك الشيفرة. ولعل هذا ما يجعل حزن النظام على خسارة المعلّم حزناً حقيقياً، فهو حين يقيم له تلك الجنازة الكبيرة إنما ينعى غياب ذلك الخطاب وانعدام ورثته. فالحرب وحدها لا تحسم الأمور ولا الدعم الدولي ولا حتى الصفقات الكبرى من تحت الطاولات.

12