وليد تليلي: كل مرة أكتب فيها قصيدة أعتقد أنها الأخيرة

الجمعة 2015/02/13
الشعر بقي طوال عصور ممتدة وسيبقى دائما لأن الإنسان في حاجة إليه

تحتاج الكتابة إلى روح شابة مكتشفة ومندفعة، كريح ليس بها هرم أو سكينة، وسط الحشود، فوق الخراب، وبين مفاصل الربيع، تنهل طاقتها من جماليات أخرى، جماليات تتوغل حتى في أبسط التفاصيل؛ في أجملها وأبشعها، ولعل ذلك جلي في كتابات الشعراء الشبان بتونس، الذين كتبوا ما كانت تحلم به أجيال سابقة كالطلائعيين والتسعينيين.

وليد تليلي أحد هؤلاء الشعراء الشبان، الذين حاربتهم المنظومة الثقافية القديمة المتكلسة، وحاولت كتم أصواتهم، لكنه ظل مؤمنا بنصه، متشبثا به رغم تضييقات النشر وغير ذلك من ممارسات جنرالات الثقافة.

“العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر وليد تليلي حول واقع الشعر التونسي اليوم.

ليس من السّهل في الحقيقة أن نمسك بلحظة دخولنا إلى عالم الكتابة، هكذا يرى الشاعر وليد تليلي الولوج إلى الكتابة والنص، مضيفا “الأمر كلّه يشبه دخول جنديّ في حرب مجهولة، حين يجد نفسه مجبرا على الدّفاع عن نفسه. أنا أيضا أكتب كي أدافع عن نفسي. ما أذكره الآن أنّني ولدت في بيت حزين، ليس فيه جهاز تلفاز أو راديو، ذلك أنّ العائلة كانت تقيم الحداد في ذلك الوقت على إخوتي الذين ماتوا قبل ولادتي، تلك العزلة دفعتني إلى البحث عن أصدقاء في الكتب المدرسيّة القليلة التي وجدتها في منزلنا، ثمّ إلى إيجادهم عبر الكتابة فيما بعد، كنت أترك رسائل على جذوع الأشجار، وعلى تراب الطّرقات الريفيّة، وعلى حائط منزلنا وعلى كلّ شيء، وكنت أتخيّل أطفالا وسيمين يأتون كلّ يوم أحد لأخذ رسائلي، بل إنّني كنت أتخيّل أنّهم يتركون لي رسائل أيضا، وكنت أقرؤها بصوت عال. أنا الآن أقترب من الثلاثين، صار لي أصدقاء كثيرون، وتلفاز خاصّ بي وكتب وأوراق وأقلام كثيرة، لكنّني مازلت مجبرا على أن أعود إلى ذلك الطّفل، لأبحث عن قليل من العزلة وأحاول من خلاله الكتابة”.


البديل الجمالي


كثيرا ما يتحدث النقاد والكتاب أيضا عن مشروع الكتابة والتراكم، وأن النص مدعاة للاشتغال الدائم حتى يكتب، لكن ماذا عن الكتابة المكتفية بذاتها، والتي تأتي دفعة واحدة، مثل ما هو شأن الهايكو؟ عندما تحدثنا في هذا الشأن مع وليد تليلي أكد لنا أنه لا يفكّر في الأمر، ويبيّن قائلا “كلّ مرّة أكتب فيها نصّا أعتقد أنّه الأخير، لا أعرف إلى الآن كيف تتسلّل هذه الفكرة السّوداء إلى رأسي، أو كيف أتجاوزها فيما بعد. أحسّ دائما بعد الانتهاء من الكتابة أنّني أعود مفرغا من كلّ شيء، مثل قوقعة جوفاء، إلى درجة أنّني أصير عاجزا حتّى عن كتابة إرساليّة قصيرة على هاتفي، أو عن صياغة تغريدة على صفحتي في فيسبوك، تلك أوقات صعبة يمرّ بها كلّ شاعر على ما أظنّ، لكن في اللّحظة التي أعتقد فيها أنّني اعتدت الأمر، تلمع لؤلؤة نصّ جديد فأكتبه، وهكذا.

الشعر نضال دائم ضدّ الموت وضد السلطة أينما كانت، من أجل بديل جمالي ينتصر للحق والإنسان والحياة

أحيانا أقف لأنظر خلفي فأرى خطّ نصوصي يمتدّ متموّجا مثل مسار رحلة بحريّة على خريطة في يد قرصان مغامر، لا أخفيك أنّ ذلك يشعرني ببعض السّعادة، لأنّني بصراحة لا أحبّ الخطوط المستقيمة التي تذهب إلى الهدف مباشرة مثل رصاصة؛ تلك المشاريع تقتل أصحابها في نهاية الأمر دائما”.

الشاعر وليد تليلي من القلائل الذين يقيمون داخل نصوصهم بشكل لافت، حيث القرية والمدينة، حيث الحب والحيرة، حيث البسطاء ببشرتهم السمراء، وعوالم رطبة تتنفس من نصوصه هواءها وتتشمم تربتها؛ الشاعر يحاول أن يكون صادقا حين يكتب، لكنه يؤكد أنه في الحقيقة يفشل في ذلك دائما عندما يكون خارج النّص، لذلك فهو يفضّل أن يكتب كذبه اليوميّ بكلّ صدق، على أن يكون كذّابا تتعرّى حقيقته في كلّ نصّ. لكنه لا يخفي قلقه العميق من اعتبار الشّعر نخبويّا وحكرا على مجموعة من البشر دون غيرهم، أو أن يتمّ تقسيمه إلى حركات وأشكال ومجموعات. لكن الشاعر يعتقد من ناحية أخرى أنّه من المهمّ بالنّسبة إلى شاعر أن يلمّ بتاريخ الأدب وجماليّات اللّغة وتقنياتها، وما إلى ذلك، لكنّ هذا ليس الأهمّ عنده، لأنّ الشّعر في رأيه هو بالدّرجة الأولى، نضال دائم ضدّ الموت وضدّ السّلطة أينما كانت، من أجل بديل جماليّ ينتصر للحقّ والإنسان والحياة.

النص حركة دائمة تستمدّ وقودها من مناهل مختلفة ومتنوعة تنوع ذوات الكتاب وبيئاتهم، وليد تليلي يعتبر نفسه من الشّعراء الذين يسعون إلى إقامة العدل داخل نصوصهم أوّلا، لذلك نراه لا يبتعد كثيرا من أجل البحث عن نصّه، ولا يتكبّر على العناصر المحيطة به مهما كانت صغيرة، يتعامل معها بنفس القدر من الحبّ. ويقول مؤكدا “عموما، أنا أكتب مثل مخترع مجنون، أستمتع بالنّفخ في أشيائي الصّغيرة من خلال قصبة قلمي، وأنتظر ما سيحدث، لا أخجل من الاعتراف بأنّ الأمر لا ينجح في أغلب الأحيان لكنّني مستعدّ لتكرار المحاولة دائما، على أن أكتب نصوصا مشوّهة”.

أحسّ دائما بعد الانتهاء من الكتابة أنّني أعود مفرغا من كلّ شيء، مثل قوقعة جوفاء، إلى درجة أنّني أصير عاجزا حتّى عن كتابة إرساليّة قصيرة على هاتفي


الخروج إلى الضوء


تعدّ تسمية الشعراء الشباب في الوطن العربي وفي تونس خاصة صفة تحمل دلالات مبطنة عن دونية ما، رغم ان النص نص سواء كتبه شاب او كهل او شيخ، فرهانه في النهاية جدّته وجودته، بعيدا عمّا تستبطنه التسمية يواجه الشعراء الشباب اليوم مشاكل وعوائق عديدة، مشاكل يعتبرها وليد تليلي متماهية، بل هي نفسها مشاكل الشّباب التّونسيّ عموما، البطالة وانعدام الفرص، والإقصاء القسريّ الذي تمارسه مؤّسسات الثّقافة الرّسميّة بكلّ دوائرها البيروقراطيّة المقيتة، ويمارسه مثّقفوها الانتهازيون ودور الثّقافة المشبوهة، هذه الممارسات التي يلفت الشاعر إلى أنها تكمن سواء خارج النّص أو داخله، لذلك فهو يدعو كلّ أصدقائه الشّعراء أوّلا إلى تجنّب اليأس، لأنّ ذلك ما تراهن عليه المنظومات الهرمة اليوم، ثمّ إلى إعلان ثورتهم من داخل نصوصهم، وذلك بتفجير كل الأصنام الشّكليّة للكتابة وإقامة أشكال جماليّة جديدة متجاوزة للسّائد.

عن رؤيته لواقع الشعر اليوم في ظل تناقص قرائه وتحوّله إلى بضاعة كاسدة، يقول وليد تليلي “لقد بقي الشعر طوال عصور طويلة وسيبقى دائما لأنّ الإنسان في حاجة إليه. أنا متأكّد من أن القرّاء يبحثون عن القصائد الجميلة في كلّ مكان لكنّهم لا يجدونها. لن أتحدّث هنا عن الدّور المشوّه الذي تلعبه المؤسّسات الثّقافيّة في التّعتيم على كلّ التّجارب الإبداعيّة الجديدة، بل سأتحدّث عن الشّعراء الشّباب الذي يكتبون نصوصا رائعة، أعتقد أنّهم مطالبون بالخروج أكثر إلى الضّوء، وبالبحث عن وسائط جديدة لتقديم كتاباتهم إلى العالم، ربّما سيفي التطوّر الرقميّ بذلك لو أحسنوا استغلاله”.

النص حركة دائمة تستمدّ وقودها من مناهل مختلفة ومتنوعة تنوع ذوات الكتاب وبيئاتهم

ربما نجحت قصيدة النثر في تهشيم الأصنام الشّكليّة للكتابة وإقامة أشكال جماليّة متجاوزة ومفتوحة، هذه القصيدة التي يرى وليد تليلي رهانها في أن يقرأها ويفهمها ويحبّها الجميع، دون أن يشار إليها على أنّها قصيدة نثر أو قصيدة شاعر شابّ.

ويختم الشاعر “هناك ديناميكيّة حقيقيّة يشهدها الشّعر التّونسيّ في السّنوات الأخيرة، يقودها جيل مميز من الشعراء الباحثين عن شعريّة مغايرة وعن نصوص متفرّدة، كلّ ما علينا الآن هو التمتّع بالإثارة وانتظار ما ستؤول إليه الأمور. عموما أنا متفائل جدّا لمستقبل الشّعر في تونس وفي العالم، رغم كلّ هذا الموت والتوحّش الذي أصبح يعيش معنا الآن مثل حيوان أليف، بل إنّني على يقين من أنّ الشّعر هو الذي سينقذ العالم”.

15