وليد جنبلاط السني

الثلاثاء 2014/10/21

قال وليد جنبلاط في حديث تلفزيوني على قناة الـ”أو تي في” مؤخرا إن جبهة النصرة ليست تنظيما إرهابيا. قام بعد ذلك بزيارة قائد القوات اللبنانية سمير جعجع في معراب في خطوة اعتبرت مبادرة إيجابية نظرا للبرود الذي طبع علاقتهما في الفترة الأخيرة.

يحتفظ اللبنانيون بنظرة خاصة إلى وليد جنبلاط تنسب إليه قدرة خاصة على استباق الحوادث وضبط إيقاع تقلباتها. ما ظهر مؤخرا وما كشف سابقا يقول على العكس من هذه النظرة السائدة إن الناظم الأساسي الوحيد لحركة جنبلاط هو عامل فوق سياسي وهو الرعب. ارتدى الرعب الجنبلاطي تحولات كثيرة تكاد تشمل كل أطياف الساحة المحلية والإقليمية والدولية. عرف هذا الرعب انتقالات كثيرة فتمظهر مرة في المسيحيين ومرة في الشيعية وها هو الآن في السنة.

لم ينس جنبلاط عداوته التاريخية لآل الجميل. ففي إطار صورة تجمع كافة أقطاب فريق 14 آذار، وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض ويرفعونها دلالة على الوحدة، جاء ترتيب وقوفه إلى جانب أمين الجميل فما كان منه إلا أن انتقل إلى مكان آخر. تستعيد هذه اللحظة تاريخا كان فيه المسيحي عنوانا للرعب الجنبلاطي، فجنبلاط كان قد كتب قصيدة في هجاء الجميل تم توزيعها في مؤتمر جنيف في نوفمبر 1983. تقول أبياتها:

****

لبنان تبكيك العيون وتقطر

دمعا وأفئدة العروبة تعصر

هلّا أراك سليم الرأس شامخه

عبثا وحكم الآل يدمي ويغدر

يا ابن الجميل هل رأيت ضميرك

سراب وهم لا أخالك تبصر

أتيت مع قدم الغزاة لحكمنا

خلت على كسر الموائد تكبر

فجرت في بلد المحبة حقدك

الشعب يمهل لا أظن يصبر

أين من “إهدن” مساوئ غدرك

وكان “للصفراء” ثوب أحمر

****

تؤرخ القصيدة لمشهد الرعب الصانع للرؤية الجنبلاطية، وقد كان رعبه مسيحيا، ثم ارتدى ثوبا شيعيا عبر عنه بإسقاط حكومة سعد الحريري، وها هو يرتدي وجها سني الملامح. كان كل من يحاول تجاوز حدود الرعب في لبنان مهددا بالموت. حجم الطائفة السنية وارتباطها بالمحيط العربي أغرى رفيق الحريري بالخروج من هذه الدائرة الضيقة فكان الاغتيال مصيره، والطائفة الشيعية التي اعتقد القيمون عليها أنهم قادرون على منحها دورا يقع خارج الإطار المرسوم فإذا بهم يجبرون على الانتحار الجماعي في سوريا وفي العراق وداخل لبنان.

الاشتباك السني الشيعي المندلع في المنطقة، يقول إن العلاقة بينهما قد تحولت إلى نوع من إدارة الرعب. داعش هي صاحبة المشهد السني، والمشهد الإيراني وما يفرزه من تفرعات من قبيل حزب الله والميليشيات العراقية والحوثية هو صاحب المشهد الشيعي. تبدو جبهة النصرة بمثابة جزئية في مشهد عام. جنبلاط يعزف على هذا الوتر باعتبار أن هذه الجزئية قد تحظى بظروف مناسبة تتيح لها تسيد المشهد، وفي حال لم تنجح فإنه يستطيع النفاذ من التسوية التي طرحها معها والعودة إلى إقامة علاقة مع المكون العام. النصرة هي رعب ممكن، في حين أن داعش هي الرعب المستحيل.

ربما يقرأ جنبلاط حاجة الولايات المتحدة إلى التحالف مع طرف سني مسلح فاعل لمواجهة داعش. لا تنوي الإدارة الأميركية إرسال جنود أميركيين للقيام بهذه المهمة، وتتحدث عن نيتها دعم ما تطلق عليه المعارضة المعتدلة، وهي تسمية لا يمكن حتى اللحظة تحديد الأطراف التي تشملها.

ربما تكون جبهة النصرة التي قاتلت داعش بضراوة، هي المرشحة لاحتلال وصف المعارضة المعتدلة. ربما يكون إسقاط توصيف الإرهاب عنها مدخلا لحل الكثير من المشاكل، خاصة بعد تصريحات نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم اقترن ظهورها بالوعيد حيث صرح “لا حل في سوريا إلا الحل السياسي، وعلى الجميع تقديم تنازلات مؤلمة”. هل يحاول جنبلاط ضبط إيقاع رعبه على لحظة بات فيها الرعب الأكبر سني الملامح، خاصة أنه حرص في مقابلته التلفزيونية على تكوين انطباع يربط الدروز بالإسلام أي بالمذهب السني. هذا النزوع الدرزي ليس جديدا. كمال جنبلاط كان قد انتزع وثيقة من الأزهر إبان حكم عبدالناصر تفيد بأن الدروز مسلمون، وقد اعتبر الأمر محاولة من كمال جنبلاط للوصول إلى رئاسة الحكومة. هل نعيش لحظة ولادة جنبلاط السني، على يد رعب النصرة وداعش؟


كاتب لبناني

9