وليد جنبلاط: لا حرب أهلية في لبنان، وأمنيون متورطون في الفساد

الأحد 2016/03/27
أستغرب إزالة العقوبات عن إيران وفرضها على حزب الله

قبل أيام كانت الاتصالات تتوالى على وليد جنبلاط مستذكرة معه ذكرى اغتيال والده كمال جنبلاط في مارس 1977. "وليد بيك" هو ابن تلك اللحظة، ومن تفاصيلها نُحتت طباع الرجل في مقاربة السياسة. أتته الزعامة في توقيت دراماتيكي داهم، فراح يرتجل بمهارة "مهنة" القائد، سليل الزعامة التاريخية الجنبلاطية في لبنان.

قد تجوز مقارنة مصاب وليد جنبلاط عام 1977 بمصاب سعد الحريري عام 2005. يؤمن الرجلان أن القاتل واحد، لكن سيرورتهما مختلفة في ظروفها، ذلك أن جنبلاط راكم تجربته من خلال حرب أهلية صلّبت عوده ومراسه، فيما الحريري وجد نفسه بين ليلة وضحاها وقد انتقل من صفته ابن الزعيم إلى الزعيم الذي يباشر حقبته بشكل فوري مواجها صراع العواصم الكبرى وتعقّد مصالحها.

ترجّل وليد جنبلاط إلى داخل السياسة اللبنانية من فضاء شبابي متمرّد على خشبية الطبقة السياسية. سخر كثيرا من السياسة والسياسيين، وربما في ذلك النزوع نحو السخرية والتهكم المستند على فطنة لامعة، ما ميّز الرجل وجعله ظاهرة لافتة ورقما صعبا في المعادلة اللبنانية.

ولا بد أن السنين رفعت من درجات الحكمة والتروي والتأمل، فرغم استمرار جرأته وصراحته في الموقف والقول، بيد أن رؤيته لأمور الساعة تبدو أكثر تحفّظا وواقعية إلى حدّ لافت.

العلة في طهران

زرت وليد جنبلاط في دارته في حيّ كليمنصو في بيروت. وللفرنسي جورج كليمنصو حكاية أساسية في ولادة لبنان. استطاع وليد، وقبله كمال جنبلاط، أن يرتقي بسهولة من مستوى الزعامة المحلية الدرزية إلى تلك الوطنية اللبنانية ذات الإطلالات العربية والدولية الواسعة. يذهب إلى فرنسا مستطلعا حلولا لأزمة الرئاسة في لبنان، يفهم من هناك أن العلّة في طهران، وأن طهران أخبرت باريس أن الأمر يتعلق باللبنانيين.

"هي مزحة"، يتهكم وليد جنبلاط، "وحتى الآن لا تزال هذه المزحة سارية. الأمر يتعلّق بالإيرانيين، ولا يبدو أنهم سيفرجون عن رئيس الجمهورية". لا أوهام عند جنبلاط حول ما يستطيع الفرنسيون فعله، وحين ذهب إلى الكويت مؤخَّرا، حمل همّا لبنانيا منذ الإجراءات الخليجية الأخيرة، ناهيك عن أن الكويت مرشّحة لوساطة بين الرياض وطهران، وهي بلد التفاوض المقبل بين اليمنيين. يَطمئن جنبلاط في الكويت “هي بلد خير استضاف اللبنانيين منذ عقود، وهم يتفهمون السياسة اللبنانية، وخاصة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وزير الخارجية السابق والأمير الحالي”.

لا مفر من تسوية سياسية نرى فيها المصالح الشرعية لإيران في العالم العربي آخذين بعين الاعتبار بأن هناك امتدادا إيرانيا كأمر واقع عسكري في سوريا ومن خلاله في لبنان

يتحدث جنبلاط ويطمئن اللبنانيين “لن يسيروا في أي عقوبات جماعية، إلا إذا ثبت أن هناك شخصا معينا متورّطا بشكل يضرّ بمصالح الكويت”.

لا يرى وليد جنبلاط أن الإجراءات الخليجية امتداد لجوّ دولي في هذا الإطار، بل “هي نتيجة الخطابات المتشنجة التي صدرت عن السيّد حسن نصر الله وبعد المواقف الملتبسة للوزير جبران باسيل”، أما الإجراءات الأميركية ضد حزب الله بعد الاتفاق النووي مع إيران فهي مرتبطة بالبنتاغون ووزارة المالية الأميركية، محذرا من أن “الوفود اللبنانية التي ذهبت إلى واشنطن (لتدارك الأمر) غير كافية”.

في هذا الإطار يستغرب جنبلاط “أنه في مكان ما هناك تسوية مع إيران جرت بعد سنوات، والحزب امتداد سياسي وعسكري لإيران، فإذا ما رُفعت العقوبات عن البلد الأم فلماذا تبقى العقوبات على أداة سياسية أو عسكرية؟”، ثم يستدرك، “إلا إذا كان هناك ملف آخر أجهله”.

أسأله عما إذا كان استغرابُه استنكارا للعقوبات الأميركية ضد الحزب، يقول “أستغرب العقوبات لأنها تطال بشكل عشوائي كل فرد، حتى -إذا صحّ التعبير- كل شيعي. هناك مواطن شيعي في أفريقيا أو في مكان ما يعمل، فكيف نستطيع أن نعرف ما إذا كان يعمل بشكل مباشر مع الحزب، أو هو يتعاطف سياسيا”.

ما قراءة وليد جنبلاط للاتفاق النووي مع أيران؟ يجد وليد جنبلاط في السؤال مناسبة لتقديم مقاربة عريضة “عندما يقرأ المرء عقيدة الرئيس الأميركي أوباما ومقاربته السياسية والفلسفية للعالم العربي، نرى أنه حاول، من خلال خطابه الشهير في جامعة القاهرة، وبشكل أو بآخر في عدة مناسبات، أن يُفهم العالم العربي والإسلام السياسي العربي أنه لا بد من إصلاح ذاته. هو يستخدم تعبير ‘ثورة ثقافية’، كما حصل مع المسيحية في القرون الوسطى، وخرجت المسيحية من التقوقع، يريد نفس الشيء من الإسلام السياسي العربي”.

يضيف أن أوباما رأى أن الأمر أسهل مع الإيرانيين، فعمليا “كسب الغرب، ربما، فترة 15 عاما لن يكون خلالها بمقدور إيران تصنيع قنبلة نووية. لكن إيران ستكون لاحقا دولة صناعية كبرى كاليابان وستستطيع في ظرف شهر أو أسبوعين أن تنتج قنبلة نووية، وهكذا تريد إيران، وقد قالها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لوزراء مجموعة الخمسة زائدا واحد: نحن نريد أن نكون مثل اليابان”.

ينقل جنبلاط عن وزير خارجية فرنسا السابق لوران فابيوس، أنه “في حالة الفوضى الحالية، فإن حصول إيران على السلاح النووي سيؤدي إلى لجوء الإمارات والسعودية ومصر وتركيا (…) إلى السلاح النووي، وستدخل المنطقة في فوضى نووية، وانتشار السلاح النووي سيكون مخيفا، لكن ما من أحد يتحدث عن السلاح النووي الإسرائيلي”.

الأزمة كبيرة مع إيران لكن وليد جنبلاط يرى “أنه لا مفرّ من حوار إيراني عربي. المواجهة السياسية التي تجري اليوم والعسكرية في اليمن غير مفيدة، مرهقة للعالم العربي ومرهقة لإيران. لا مفرّ من تسوية سياسية نرى فيها المصالح الشرعية لإيران في العالم العربي، آخذين بعين الاعتبار بأن هناك امتدادا إيرانيا كأمر واقع عسكري في سوريا ومن خلاله في لبنان”.

في 14 آذار بقي الشيخ سعد الحريري والمسيحيون المستقلون وجمهور معيّن، شخصيا أُصنف نفسي وسطيا (...) وسمير جعجع لست أدري أين هو بعد هذا التحالف مع ميشال عون

الأسد ضرورة

لا يرى جنبلاط انسحابا روسيا من سوريا. الأمر لا يعدو عن كونه “إشارات للنظام السوري بأنه آن الأوان للدخول في القبول بالمرحلة الانتقالية”، لكنها إشارات غير كافية، برأيه، ذلك أن “النظام، ومنذ استلام حافظ الأسد الحكم عام 1970، هو نظام مركّب على عائلة الأسد”. ولا يرى جنبلاط أن هناك انسحابا إيرانيا من سوريا لصالح السطوة الروسية هناك “والدليل أن السيد حسن نصرالله كان واضحا بأنه تدخل في سوريا للحفاظ على النظام لأن الخطر كان من داعش والنصرة”.

يخالف جنبلاط حجج نصرالله “الخطر ليس من داعش والنصرة، وهو (نصرالله) مجحف بحقّ الشعب السوري. هي ثورة شعبية حقيقية للتخلّص من هذا النظام الدكتاتوري، أما أن نقول إن كل الشعب السوري داعش والنصرة ويؤدي هذا الأمر إلى تهجير أكثر من 10 ملايين سوري في الداخل والخارج، هذا ظلم”.

أما كيف الخروج من البركان السوري “لا مفرّ من تسوية أميركية روسية وعبرها إيران”، ويضيف “لكن هنا وجود العالم العربي ضعيف”.

في الجدل حول تدخّل حزب الله في سوريا. يقول جنبلاط “لا يمكن للحزب الخروج من سوريا لأنه إذا انسحب ينهار النظام عسكريا، لأن النظام بحاجة إلى قوات حزب الله وغير حزب الله، من خلال ميليشيات معينة كي يصمد”.

ولكن ألم تنضج طبخة رحيل الأسد؟ يجيب جنبلاط حازما “لا يزال الأسد ضرورة، وهو حاجة إيرانية، وربما روسية في مكان ما”. ويعيد السبب أيضا إلى هذا “الدعم العشوائي للمعارضة وعدم تنظيم الجهود للوصول إلى وحدة حال عسكرية، ما أدى إلى معارضة ضعيفة”. لكنه يستدرك “هنا يجب أن لا نفقد الأمل، لا يزال هناك شعب سوري يطالب بالحرية، ولا يجوز أن نقول إما نظام وإما نصرة، هناك شعب”.

يرتبك الغرب بعد ضربات بروكسل الإرهابية، ومكمن الخلل في محاربة داعش، حسب رأيه، هو “عدم إرسال الغرب قوات برية على الأرض بمساعدة، ربما، قوات عربية؛ أردنية سعودية مصرية، فكل هذا الضرب من خلال الطيران لن يؤدي إلى نتيجة، وهنا أعود إلى كلام الرئيس الأميركي، الذي يجب أن يقرأه المرء بكل دقة، وأنا أعجبت بهذا الشخص، وهو يقول الضرب العسكري ليس كافيا ولا بد من إصلاح في الدين الإسلامي من الداخل للخروج من هذه التفسيرات على طريقة داعش أو القاعدة اللذين يستقطبان من خلال الأحزمة الناسفة وهذه الأفكار الناسفة”.

أسأله عن جهوزية السعودية وتركيا لتدخل بري “لا يكون التدخل البري ضد داعش إلا بقرار أميركي وبتشكيل قوة غربية عربية مشتركة لمحاربة داعش، لكن موقف الرئيس الأميركي في 30 أغسطس 2013 حول رفض التدخل في سوريا وضع الخط الأحمر لعدم تدخل أميركا في المنطقة”.

الإجراءات الخليجية امتداد لجوّ دولي في هذا الإطار، هي نتيجة الخطابات المتشنجة التي صدرت عن السيّد حسن نصرالله وبعد المواقف الملتبسة للوزير جبران باسيل

جاهزون لانتخاب الرئيس

في الشأن اللبناني يؤكد وليد جنبلاط أن فريقه وفريق 14 آذار جاهزان لانتخاب رئيس للجمهورية، “ويبدو أن الفريق الآخر مستفيد فهو يحصل على قرارات الوزارة، لكن هناك شقّا لا يدركه هذا الفريق بأن الثمن المالي والاقتصادي يزداد خطورة على الجميع، ولا أعتقد أن حزب الله وإيران يستطيعان أن يتحملا بعد سنة أو سنتين انهيار الوضع النقدي الاقتصادي اللبناني”.

ولكن الرئيس سعد الحريري متفائل في شأن انتخاب رئيس، أستوضحه، فيسارع إلى جواب جاهز “قد يملك الشيخ سعد معطيات لا أملكها”.

لا يخشى وليد جنبلاط حربا أهلية في لبنان، لكنه قلق على تنامي ظاهرة الفساد في البلد، ولا سيما في اكتشاف فضيحة جديدة هذه الأيام حول وجود شبكة إنترنت غير شرعية تعمل في السوق اللبناني.

يتذكر “في الماضي، وبقرار خاطئ، وأنا أتحمل مسؤوليته، ولا أريد تحميل مسؤوليته لأحد، عندما أردنا إزالة الشبكات السلكية لحزب الله، أدى هذا الأمر عام 2008 إلى ما يسمى “7 أيار”.يضيف، “كان أمرا عسكريا أمنيا، اليوم الأمر تجاري بحت، نرى أن هناك مجموعة معينة من رجال الأعمال والنافذين من السياسيين والأمنيين والإعلاميين مشتركة في هذا الموضوع″. في تصريح الرجل سهام موجّهة تعرف نهاياتها.

أسأله قبل أن أغادر، تحدثت عن فريقك وفريق “14 آذار” فماذا تعني بـ”14 آذار”؟ أجابني “هي التسمية الرومانسية العريضة، بقي في 14 آذار الشيخ سعد الحريري والمسيحيون المستقلون وجمهور معيّن، شخصيا أُصنف نفسي وسطيا”، ثم يغمز مبتسما “سمير جعجع لست أدري أين هو بعد هذا التحالف مع ميشال عون، لا أريد أن أصنفه، هو لا يُصنّف”.

تغادر بيت وليد جنبلاط وأنت مقتنع أن في فم الرجل ماء، وأن في ثنايا الكلمات معاني مكثّفة مرمّزة تواري موقفا وتؤجل آخر، لكنك تقرأ في خطابه أن الزمن يتطلب صبرا وحكمة ومهارة لتمرير الساعات الراهنة، تلك التي تجري فيها الولادة العسيرة للمشهد الإقليمي الجديد.

كاتب سياسي لبناني

6