وليد خازندار

لا زال وليد خارجا، فلم يعد عندما أتيح له أن يعود، بشفاعة ما تلقته غزة من وعود، وقبل أن تستأنف المدينة سيرها في طريق الجلجلة!
الأحد 2018/08/12
رهافة إحساس تدحض الصراخ المرعب (لوحة: سهير سباعي)

كنا طفلين حديثيْ الولادة، ولم تكن قد ارتسمت بعد، ملامح تساعد الوالدتين، على التمييز بيننا، إن غفونا متجاورَيْن. ظللنا نكبر معا. هو في ناظر الطفل الذي كنت، الصديق الذي يلتقيني عند باب الخؤولة، وأنا ابن عمته!

أصبحنا يافعيْن. وعند مفترق الطرق. كان يحدثني عن القلم، وكنت أحدثه عن السلاح. سلكنا طريقين متباعدين في الزمان والمكان. أراد له أبوه، جهبذ الكهرباء في غزة، البارع دون تعليم في صنع موتورات كل شيء؛ أن يقتفي أثره وأن يتعلم الصنعة على أصولها عند الألمان. وأبوه المرحوم الذي علّمه الصنعة، كان صعب المراس مُهابا لا يُرفض له أمر. فإن صرخ عليه من أسفل البناية، ارتعدت فرائصه. اخترع الصغير لمخيلته فضاء مريحا، تشفُّ فيه نفسه عن دواخلها، بعد أن ارتجل لها حُبّا عُذريا من ذاك الذي عرفته العرب البائدة، وأنشد له عروة بن حُزام، وأورثته البادية لأسلافها، مع شعرائه ومروياته!

كانت شرفة المنزل، في شارع عمر المختار، تطل على دار سينما النصر. يرقب منها المحب، خطاط السينما البارع، عبد حفني، وهو يتفنن بريشته، في كتابة اسم الفيلم الجديد، على جدار شاسع. ووليد يتخيل وسيلة الربط، بين حكايته وعنوان الفيلم.

غادر غزة، نزولا عند رغبة أبيه. لكنه في الدنيا الأخرى، آنس في نفسه القدرة على اتخاذ القرار. ارتحل من ألمانيا قاصدا بيروت، حيث صخب الفصائل والأحزاب، ورطانات السياسة، ومقاهي الشعراء، وسخونة الصحافة. التحق هناك بالقطاع الثقافي من منظمة التحرير الفلسطينية، واسترسل في محاولاته الشعرية.

 وفي سياقه ذاك، ظل يلتزم إيقاع تأملاته الأولى في مرحلة الحب العذري: رهافة إحساس تدحض الصراخ المرعب، وإيجاز شديد في العبارة، وانفلات من قيود الأوزان والاكتفاء بموسيقى الكلام، ورقة في الحياة ذات إهاب أروستقراطي.

كان المزج في القصيدة بين العاطفة ومقاصدها الدلالية، وكانت المزاوجة بين توتر العبارة الشعرية وتماسك القصيدة. ولما رأى النقاد كل ذلك في قصائده المنشورة في ديواني “غرف طائشة” و”أفعال مضارعة”؛ تذكرت التلازم بين توتر العبارات التي غمرت أوقاته صغيرا، في ورشة الكهرباء، وتماسك الحُلم الذي ظل يتوسل رهافة الإحساس والاقتصاد في العبارة، والتزام الحب العُذري، بتكتمه ورقته!

بعد أن لفظني السجن الإسرائيلي، علمت أنه في بيروت، وشعرت أن المسافات قد اقتربت، والتقينا بانفعال عاطفي.

لا زال وليد خارجا، فلم يعد عندما أتيح له أن يعود، بشفاعة ما تلقته غزة من وعود، وقبل أن تستأنف المدينة سيرها في طريق الجلجلة!

24