وليد سيف يحلل الظاهر ويكشف المخفي في فن عادل إمام

ذكاء اجتماعي وقّاد مكّن الممثل الظاهرة من التربع على عرش الكوميديا العربية
الجمعة 2020/05/08
عادل إمام بين نجليه رامي ومحمد

يظل النجم المصري عادل إمام علامة فارقة في تاريخ الكوميديا العربية، وهو الذي راكم تجربة جاوزت النصف قرن بين أعمال سينمائية وأخرى مسرحية وثالثة تلفزيونية. كما أن له تجربة إذاعية وحيدة تحت عنوان «أرجوك لا تفهمني بسرعة» مع عبدالحليم حافظ. ومع ذلك لم يتناول نقاد الفن تجربته الإبداعية إلاّ من خلال كونه ظاهرة فنية مخصوصة، ولكن الناقد والقاص المصري وليد سيف تناول في كتابه الجديد «عادل إمام أسرار فن الممثل» تجربة إمام الإبداعية من جانب تحليلي لأدواره مجتمعة.

تبدو جدلية العلاقة بين حال الفنان النجم على مستوى الحضور الجماهيري وبين حضوره على مستوى الأداء الاحترافي وتقييم ذلك نقديا شائكة ومبهمة وتعترضها العديد من الإشكاليات الفنية المرتبطة بكل نجم فني على حدة وزمن وجوده وشكل حضوره الفني.

وفي حال الكوميديا في السينما المصرية مثالا سنجد أن العديد من القامات الفنية قد حضرت وحقّقت مكانة هامة على مستوى الحضور الجماهيري، كان أولهم نجيب الريحاني صاحب الشخصية الشهيرة “كشكش” ومن ثم علي الكسار الذي أوجد شخصية عثمان عبدالباسط تلاه إسماعيل ياسين وفؤاد المهندس، وحقّق هؤلاء في فن الكوميديا حضورا شعبيا قويا طال زمنه.

ظاهرة فنية

وليد سيف: تشكل دراسة أعمال إمام، بما تمثله من غزارة وتنوع، صعوبة كبيرة
وليد سيف: تشكل دراسة أعمال إمام، بما تمثله من غزارة وتنوع، صعوبة كبيرة

لاحقا حقّق الفنان الشهير عادل إمام حضورا كان الأكثر سطوعا وقوة في تاريخ السينما المصرية في شكل الكوميديا، وصار ظاهرة فنية تسيّد من خلالها وعبر فترات زمنية طويلة قمة الكوميديا العربية، وحقّق فيها وجودا فنيا غير مسبوق.

عادل إمام فنان يحمل قدرا كبيرا من الموهبة، وهو مثير للجدل الفني والفكري، فهو وعبر مسيرة امتدت لما يتجاوز النصف قرن قدّم أعمالا في العديد من الفنون وحقّق في السينما والمسرح مكانته الأهم.

قدّم نموذج السينما ذات المنحى المسلي والتجاري كما قدّم سينما حاربت التشدّد والتطرّف وأثار زوابع فنية في العديد من أعماله، وهو الظهور الفني الذي وضعه في مواجهة حاسمة وشرسة مع المتشدّدين.

وفي الألفية الثالثة اتجه نحو التلفزيون وقدّم فيه العديد من المشاركات التي لم تحقّق له مكانته التي كان قد حقّقها في السينما. ورغم المكانة الأهم التي يمتلكها الفنان الشهير وزعامته للشكل الكوميدي العربي طويلا، إلاّ أن النقد البحثي غاب عن تأطير تجربته بالدراسة والتحليل. ولم يتصدّ لهذه المهمة الصعبة سوى عدد من النقاد في القليل من الكتابات أو الفصول الفردية.

وهذا ما دفع بالناقد والقاص المصري وليد سيف لأن يتصدّى لهذه المسألة وينجز بحثا مطوّلا خاصا بالفنان عادل إمام، سيصدر في كتاب تحت عنوان “عادل إمام أسرار فن الممثل”، من 300 صفحة من القطع المتوسط ومزوّدا بالصور الداعمة. وانطلق نشر الكتاب مؤخرا عبر اثنتي عشرة حلقة في جريدة القاهرة الجريدة الرسمية لوزارة الثقافة المصرية. كما يخطّط لإصداره في كتاب واحد في مصر أو سوريا.

وتناول الكتاب فن الأداء كممثل عند عادل إمام في ستة فصول حمل الأول منها عنوان “السكن والطريق” تناول فيه النشأة الاجتماعية والسياسية لعادل إمام والتكوين الفكري الأول له. وحمل الفصل الثاني عنوان “الاحتراف” روى فيه الكاتب المصري البداية المسرحية لإمام ثم الظهورات في السينما والتلفزيون. أما الفصل الثالث الذي عنونه بـ“الخروج من طوق النمط” فتناول فيه بعض الأعمال التي قدّم فيها شكلا جديدا.

والفصل الرابع حمل عنوان “خيارات النجم واختيارات الممثل”. ومن ثمة “مرحلة النضج والتطوّر” الذي  كان عنوان الفصل الخامس، أما الفصل السادس والأخير فحمل عنوان “العودة للدراما التلفزيونية”.

وعادل إمام هو أحد أبرز نجوم السينما المصرية، اسمه الكامل عادل محمد إمام محمد. ولد بقرية شها مركز المنصورة بمحافظة الدقهلية، ثم انتقل إلى حي السيدة زينب وهو صغير حيث كان والده موظفا بأحد المصانع الحكومية وعاش طفولته وصباه في حي السيدة زينب.

مع بعض أبطال مسرحية "مدرسة المشاغبين"
مع بعض أبطال مسرحية "مدرسة المشاغبين"

حصل على بكالوريوس الزراعة في جامعة القاهرة. وهو متزوج وله ثلاثة أولاد، رامي خريج الجامعة الأميركية، وهو أيضا مخرج وموسيقي، والممثل محمد إمام، وابنته الوحيدة سارة. كان التمثيل هوايته المفضلة في مرحلة الدراسة، شارك في عروض الفرق الجامعية والتحق بفرقة التلفزيون المسرحية عام 1962 وهو لا يزال طالبا بالجامعة. لفتت الأنظار إلى موهبته كممثل كوميدي ومن هناك انطلقت تجربته التمثيلية الطويلة.

ولم يكتب الناقد وليد سيف عن حالة عادل إمام بكونه ظاهرة فنية تركزت الكتابة عنه في إطار إيجاد تفسيرات اجتماعية وفنية لتفسير وجودها، بل اتجه إلى جوهر عمله كممثل، فكان هدفه تحليل أدائه التمثيلي دون البحث في حالة النجومية والظاهرة التي حقّقها. وبذلك يكتب سيف في اتجاه لم يتصدّ له الكثير من الباحثين والنقاد الذين اكتفوا بقراءة تجربة عادل إمام بوصفه حالة فنية.

إمام الذي أنجز في بداية مشواره الفني مسلسلا تلفزيونيا واحدا عاد بقوة إلى الدراما التلفزيونية في الألفية الثالثة
إمام الذي أنجز في بداية مشواره الفني مسلسلا تلفزيونيا واحدا عاد بقوة إلى الدراما التلفزيونية في الألفية الثالثة

وتسأل “العرب” الباحث الأكاديمي المصري وليد سيف عن ذلك فيقول “ربما كان هذا الإهمال في البدايات لأننا قضينا سنوات طوال نتعامل مع عادل إمام باعتباره ظاهرة مؤقتة سوف تنتهي، مستنكرين عناوين أفلامه الأولى أو موضوعاتها التي طغت على معظمها الهزلية المفرطة، وربما بعد ذلك لأن الانشغال بتفسير النجم الظاهرة هو الطاغي، ولكن من المؤكد أيضا أن هذا الفنان الذي جسد العديد من الشخصيات المتنوعة، رغم تشابه بعضها، ببساطة ومقدرة كبيرة لم يدعنا أبدا نفكر في أدائه التمثيلي، وبالتأكيد تشكل دراسة أعماله بما تمثله من غزارة وتنوّع صعوبة كبيرة، وهو ما أدّى إلى اعتذار أكثر من ناقد عن المهمة التي كلفتهم بها تباعا أثناء رئاستي لتحرير سلسلة آفاق السينما”.

ولعادل إمام خياراته الفنية التي جعلت منه فنانا كبيرا متزعما لشكل الكوميديا في العالم العربي، وهو في ذلك يشابه بالذكاء الاجتماعي والفني الذي يمتلكه العديد من الفنانين الكبار، ربما من أهمهم السيدة أم كلثوم التي سخّرت كل ذكائها لخدمة فنها.

وعن ذلك يقول الناقد وليد سيف “لا شك أن الذكاء الاجتماعي مسألة في غاية الأهمية للوصول إلى مرتبة النجومية في مصر هوليوود الشرق، فى ظل التنافس الكبير مع العديد من المواهب المصرية والوافدة من الدول العربية، ولا شك أن قدرة أم كلثوم على استقطاب كبار الشعراء والملحنين، فضلا عن تدعيمها للمواهب الكبيرة هي تجربة ملهمة لكل فنان مصري، وربما تكون المسألة في السينما أكثر تعقيدا لأنها عمل جماعي كبير. ومن هناك استفاد عادل إمام بشكل خاص من تجربة عبدالحليم حافظ الذي جمعتهما صداقة متينة كان لها في اعتقادي كبير الأثر على تطوير ذكاء عادل إمام الاجتماعي”.

وعن ضرورة وجود النقد الفني وتكامله مع الفن المقدّم والقيمة المُضافة التي يقدّمها له من خلال تجربة الفنان عادل إمام، يضيف سيف “ربما يعتقد البعض أن الحركة النقدية لا تؤثّر في العملية الفنية، ولكن هذا ليس صحيحا، فلا شك أن عادل إمام  فنان على قدر كبير من الثقافة والاطلاع، وحتى لو كان يزعجه انتقاد بعض السلبيات في أعماله في مرحلة مبكرة، إلاّ أنها بالتأكيد أثّرت على اختياراته لأعماله لاحقا، وربما على أدائه التمثيلي أيضا، فالأسلوب الذي كان يقدّم به شخصية المجرم في بداياته على سبيل المثال قد تطوّر كثيرا لاحقا، ويمكن أن نجد ملاحظات دقيقة في هذا الشأن في مقالات سامي السلاموني، التي وجدنا صدى لها لاحقا في أداء عادل إمام لهذه النوعية من الشخصيات”.

مفاجأة لإمام والقارئ

صحبة رفيق البدايات سمير غانم
صحبة رفيق البدايات سمير غانم

جرت العادة أن الكثير من النقاد والباحثين يحجمون عن تأليف كتاب عن نجم فني كبير للحساسية التي يمكن أن يوجدها مع جمهوره أو لإمكانية انزلاقه لأن يكون كتابا في السيرة الذاتية فحسب، مبتعدا عن تقديم حالة تحليلية.

نسأل الناقد وليد سيف عن ذلك، فيجيب “كانت لي تجربة طويلة في هذا الشأن بداية من كتابي ‘أحمد زكي وإبداعاته السينمائية’ الذي نشر في 2005، وأعقبته كتب كثيرة في هذا المجال منها ‘عمر الشريف إسكندرية هوليوود’ و’نور الشريف وجوه بلا أقنعة’، وقد راعيت أن ألبي فيها مطالب القارئ العربي بالتعرّف على جوانب من سيرة الممثل وبوجه خاص تلك التي ترتبط بشخصيته الفنية، على أن يكون تركيزي الأساسي على تحليل أسلوب الأداء التمثيلي وتطوّره، وهذا ما راعيته في كتاب عادل إمام من خلال حرصي على تحليل أدائه التمثيلي في مختلف أعماله عموما وفي السينما خصوصا”.

وعن كيفية استقبال الفنان عادل إمام لفكرة أن يكتب عنه سينمائي أكاديمي شهير بحثا مطوّلا يحتفي بأدائه التمثيلي، نسأل وليد سيف، فيبيّن “كنت أخطّط لهذا الكتاب منذ سبع سنوات ودار وقتها حوار بيني وبين الفنان الشهير أبدى فيه ترحيبه بالفكرة، ولكن انشغالي برئاسة المركز القومي للسينما أعاقني كثيرا عن إنجاز الكتاب، وعندما أقدمت على تحقيقه في العام الماضي لم أتمكّن من الالتقاء بالفنان عادل إمام لانشغاله بمسلسل ‘فالانتينو’ الذي يعرض في رمضان الحالي، ثم لمروري بأزمة صحية بعد ذلك، إثرها فضلت أن يكون الكتاب مفاجأة له مثل القارئ، كما أبدت إيناس عبدالدايم وزيرة الثقافة المصرية حماسا كبيرا للمشروع وهي تعد أيضا مفاجأة كبرى في هذا الشأن”.

ووليد سيف كاتب سيناريو وقاص وناقد سينمائي وباحث أكاديمي مصري. نال شهادة الدكتوراه في النقد السينمائي من أكاديمية العلوم الروسية عام 1998. وهو أيضا أستاذ ورئيس قسم السينما والتلفزيون بالمعهد العالي للنقد الفني، وأستاذ السيناريو بأكاديمية الإعلام الدولية والجامعة الكندية.

درس في المعهد السينمائي بالرباط 2016 و2017. تولى عدة مناصب سينمائية وثقافية منها: رئيس المركز القومي للسينما 2014، ومدير عام العلاقات الثقافية بوزارة التعليم العالي 2013 ورئيس مهرجان الإسكندرية 2012، ورئيس تحرير آفاق السينما 2011، ومستشار هيئة قصور الثقافة لشؤون الإنتاج السينمائي 2010، ومدير مهرجان جمعية الفيلم 2007، والمستشار الإعلامي لمهرجان الاتحاد الأوروبي 2006، ورئيس قصر السينما 2003، وملحق ثقافي بموسكو 2001. كما ألّف في مجال البحث السينمائي ونشر العديد من الكتب منها “سحر الكوميديا في الفيلم المصري” 2003، و“مختارات من السينما العربية” 2005، و“أجيال يوسف شاهين” 2010، وأسرار النقد السينمائي 2012.

عادل إمام استفاد بشكل خاص من تجربة عبدالحليم حافظ حيث جمعتهما صداقة متينة كان لها الأثر على تطوير ذكائه الاجتماعي
عادل إمام استفاد بشكل خاص من تجربة عبدالحليم حافظ حيث جمعتهما صداقة متينة كان لها الأثر على تطوير ذكائه الاجتماعي

كما قدّم إسهامات أدبية إبداعية، منها “حواديت سيما” مجموعة قصصية الصادرة عن دار رواد 2014، و“اختبار ولاء” مجموعة قصصية تحت الطبع، و“قمة أفرست” رواية تحت الطبع، وأيضا “في العيادة” مسرحيات قصيرة.

وتنشر مقالاته في النقد السينمائي بجرائد الأهرام والقاهرة وأخبار النجوم والبديل والمصور والفنون والعربي الكويتية. كتب للسينما الروائية 15 فيلما منها “اغتيال فاتن توفيق” 1995 و“المش مهندس حسن” 2007 و“الجراج” 1992 الحائز على 28 جائزة محلية ودولية.

كما كتب وأخرج عددا من الأفلام القصيرة منها “فرح في مقابر البساتين” و“بدون تعليق” من إنتاج جمعية الفيلم الحائز على جائزة مهرجان قليبية بتونس 1986. وحقّق العديد من الجوائز منها: جائزة مهرجان قليبية تونس عن فيلم “بدون تعليق” 1986، وحصل فيلم “الجراج” من تأليفه على 28 جائزة محلية ودولية.

كما تحصّل على شهادة تقدير من وزارة الثقافة المصرية عن جهوده الثقافية في العام 2004، وشهادة تقدير من هيئة قصور الثقافة عن مجمل أعماله 2006، وتكريم جمعية الفيلم والمركز الثقافي الروسي 2015، وتكريم مهرجان كام 2016، وتكريم مهرجان تاصميت للسينما والنقد بالمغرب 2017.

16