وليد علاء الدين: الكاتب يغامر مع مختلف أجناس الأدب

الكثير من الكتاب تنقلوا بين مختلف أجناس الكتابة الإبداعية وكتبوا فيها نصوصا متميزة، لكن في رأي الكثيرين فإن التنقل بين الأجناس الكتابية قد يشتت تركيز الكاتب وينأى به عن مشروعه الأدبي، إضافة إلى غلبة جنس أدبي على آخر عنده. “العرب” التقت للحديث حول هذه النقاط مع الشاعر والكاتب المصري وليد علاء الدين.
الأربعاء 2016/05/25
الكتابة الإبداعية عالم واحد

يتميز الشاعر والروائي المصري وليد علاء الدين بغزارة إنتاجه الأدبي وتنوعه بين مختلف الأجناس الأدبية، وله عدة إصدارات مطبوعة، منها في الشعر “تردني لغتي إليّ” و”تفسر أعضاءها للوقت”، وفي المسرح “العصفور” و”72 ساعة عفو”، وفي أدب الرحلة “خطوة باتساع الأزرق”، وفي النقد الثقافي “واحد مصري- خطاب مفتوح لرئيس مصر”، وفي النقد الأدبي “الكتابة كمعادل للحياة”.

نال علاء الدين العديد من الجوائز في الشعر والقصة والكتابة المسرحية منها؛ جائزة ساويرس لأفضل نص مسرحي، وجائزة أدب الحرب المصرية في القصة القصيرة، وجائزة غانم غباش الإماراتية في القصة القصيرة، وجائزة الشارقة للإبداع العربي في المسرح.

وقد تُرجمت مختارات من نصوصه الشعرية إلى اللغتين الفرنسية والفارسية. وله قيد النشر مسرحية “مولانا المقدم”، وقد صدرت روايته الأولى “ابن القبطية” عن دار الكتاب خان المصرية، وكانت حاضرة في معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي اختتمت فعالياته مؤخرا.

التحول إلى الرواية

بداية حديثنا مع الشاعر والكاتب وليد علاء الدين كانت عن دوافعه كشاعر لكتابة الرواية تزامنا مع صدور روايته الأخيرة “ابن القبطية”، يتعجب علاء الدين كثيرا من محاولات الفصل بين أشكال الكتابة، يقول “يصدمني دائما الفضول بشأن كتابة الرواية تحديدا، وهو السؤال الذي لم يوجهه إليّ أحد عندما نشرت المسرح وفاز أول نص مسرحي لي «البحث عن العصفور» بجائزة الشارقة للإبداع العربي سنة 2006، لم يقل لي أحد وقتها لماذا تحولت يا شاعر إلى كتابة المسرح؟ ثم لو كان سؤال التنقل ذا صلة بالإبداع، لما اقتصر على الرواية فقط، وتحديدا بعد المبالغ الكبيرة التي رُصدت لها عربيا وجعلتها محط آمال الكتّاب، وصرنا جميعا نشك في أن فلانا يكتب من أجل الجائزة”.

يتابع “من الأساس كانت علاقتي بالكتابة متشعبة، وشخصيا عندما أقلب في أرشيف بداياتي أندهش من الكمّ الهائل لمحاولات كتابة المقال السياسي والأدبي، وتجارب نقد إبداعات الأصدقاء، وإرهاصات كتابة القصة، واستهلالات الروايات، ورسوم الكاريكاتير، وتأليف الأغاني، والاسكتشات الكوميدية والتمثيليات المعدة للإذاعة التي كنا نقوم بتمثيلها وتسجيلها على جهاز الكاسيت”.

الكثير من كتاب العالم المبدعين ممن تركوا بصمات، جمعوا بين أشكال الإبداع المختلفة، وإن اشتهروا بلون أو بعمل

يضيف الشاعر “فعل ذلك، أقصد التنقل بين أنواع الكتابة، كان يتم بشكل طبيعي لأن هذا التنوع هو ما وجدته في كراسات أبي الصفراء المكتوبة بخطه المنمق الجميل بأقلام الحبر الملونة، والتي تضمنت كل هذه الأشكال الأدبية إلى جوار رسومات تعبيرية عنها وخواطر ومحاولات فهم وقصاصات من صحف ومجلات. لقد كان هذا التنوع هو الصورة الطبيعية للكاتب في مخيلتي، وظل كذلك، حتى اكتشفت مع الزمن بأنه القاعدة، لا الاستثناء”.

يؤكد علاء الدين أن الكثير من كتاب العالم المبدعين ممن تركوا بصمات، جمعوا بين أشكال الإبداع المختلفة، وإن اشتهروا بلون أو بعمل. هذا من ناحية تاريخ الإبداع، ومن ناحية القناعة الفكرية فلديه اقتناع كامل بأن الكتابة الإبداعية عالم واحد، ولأنه إبداع فمهمته الأساسية أن يكون بديعا، بحسب رأيه، وتختلف مستوياته فقط على محور التكثيف والاختزال.

يقول “عندما نقول إن الشعر هو سقف هذا العالم فلأنه قمة الاختزال والتكثيف، ولا تعلو سماء الشعر إلا الموسيقى، فإن تحت هذه السماء تأتي جميع أشكال الكتابة الإبداعية الأخرى من مسرح ورواية وقصة وما شاء للكاتب أن يكتب، مفككا كثافة الشعر إلى عوالم من السرد البديع، كي يصنع منها عالم الجمال بتقنيات مختلفة تحدث الفارق بين الكتابة الإبداعية وغيرها من الكتابات.

جدوى الكتابة

البعض يعتبر المبدع ناقدا بالضرورة، انطلاقا من نصّه مرورا إلى نصوص الآخرين، يقول ضيفنا عن هذه الظاهرة “في ظني الخاص إن النقد عمل انطباعي في المقام الأول، وكل نقد يخلو من انطباع هو نقد ميكانيكي لا يُعوّل عليه. ومهمة النقد هي محاولة الوقوف على أسباب الجمال، إنها الاستجابة إلى الفضول البشري أمام كل شيء جميل ومعجز وخارق للاعتيادي. وأعود لمصطلح الانطباع حتى أخلصه من سوء السمعة، الانطباع هو مكوّن ناتج عن استقبال مدخل والتفاعل معه ومحاولة التعبير عن أثر هذا التفاعل، وعليه فإن الانطباع مرهون بصاحبه؛ الرجل العادي يمكنه أن يُعجب بلوحة فنية وأقصى جهده في التعبير عن انطباعه تجاه هذه اللوحة هو أن يقول إنها جميلة، يا للهول، إلخ. أما الرجل المثقف فعندما تعجبه اللوحة فإنه يمتلك ما يجعله يبحث عن أسباب هذا الجمال، ويحاول التعبير عنه بعبارات مناسبة باحثا عن كل الاحتمالات وطارحا كل الافتراضات والتساؤلات، هذا هو النقد في رأيي، محاولة لتفسير الجمال، وكلما كان صاحب المحاولة مثقفا وصاحب حواس مدربة كان أقدر على محاولة تحويل انطباعه عن الجمال إلى طرح قابل للتناول والتداول”.

النقد عمل انطباعي في المقام الأول، وكل نقد يخلو من انطباع هو نقد ميكانيكي لا يعول عليه

ويتابع “كتاباتي النقدية كلها انطباعية بهذا المعنى، أنطلق فيها من هذا الفهم وأجتهد في تفسير لماذا كان هذا النص أو غيره جميلا، ما الذي يجعل من الشعر شعرا ومن السرد سردا، من وجهة نظري المحكومة بثقافتي ومعارفي”.

إلى جانب عمله مديرا لتحرير مجلة “تراث” الإماراتيّة الشهريّة، يكتب المقال الصحافي في العديد من المنابر، عن العمل في الصحافة وما يقدّمه للمبدع، وإن كان يضعف إبداعه أم يجعله أكثر غنى، يقول الشاعر “الإنسان كائن ميزته الوحيدة أنه قادر على الملاحظة، ويمتلك وسائلها وأدواتها بكل تجلياتها؛ القراءة والمشاهدة والاستماع… وينزع إلى التفكير في ما يلاحظ، فيتطوّر قلقه إلى تساؤلات تفضي به إلى طروحات تهدئ من قلقه، هكذا أرى الإنسان، وبالتالي إذا كانت همزة الوصل بين المدخلات والمخرجات تعمل بكفاءة، فإن كل شيء في الدنيا صالح لأن يتحوّل إلى مدخلات تثير الخيال والتفكير وتتحوّل إلى منتج إبداعي، فإذا كانت هبة الكائن الكتابة، فإن منتجه ستكون حتما الكتابة، فهل هناك أفضل من عمل مدخلاته الكتابة -كالصحافة- لكائن مخرجاته الكتابة؟ لا أظن. العمل في الصحافة يشبه تحويل حياة الكاتب إلى تدريبات متواصلة على ما خُلق لأجله، المشكلة فقط في الكيفية التي ننظر بها إلى الأشياء ونستقبلها”.

قليلة هي الأعمال المسرحيّة والاهتمام بها أقلّ، سواء من الجهات الرسميّة أو من الجهات ودور النشر الخاصّة، رغم ذلك يغامر وليد علاء الدين بالخوض في هذا المجال، وهو يعتبر أن وصف الكتابة للمسرح بالمغامرة لتراجع الاهتمام به وصف غير دقيق، أو أن المقصود به المغامرة بإنتاج شيء غير مربح مثلا. فإذا كانت الجدوى من الكتابة، كما يقول، هي الربح المادي فهناك الكثير من الأعمال الأخرى التي يمكن أن يقوم بها الكاتب العربي لتحقيق الربح، لكن لا لها صلة بالكتابة الإبداعية.

بعد أن نزلت روايته “ابن القبطية” من على كتفيه، كما يلفت ضيفنا، تفرغ للعب مع رواية جديدة كانت تغار من استئثار “ابن القبطية” بمعظم الوقت، كما أنه بصدد وضع اللمسات الأخيرة على كتاب شعر يعقد من خلاله مصالحة مع الموت، عنوانه المبدئي “أيها الموت العظيم”.

15