وليد فارس: ترامب يتعامل مع السياسة بعقلية رجل صفقات

في انتظار ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات الأميركية في نوفمبر المقبل، يقف الحزب الجمهوري ومعه الولايات المتحدة وربما العالم على مفترق طرق، حيث يتبنّى دونالد ترامب مقاربة سياسية خارجية أكثر انعزالية مقارنة مع ما هي عليه اليوم تحت إدارة أوباما، أو ما كانت عليه تحت إدارة سلفه الجمهوري جورج بوش، وهو ما يثير قلق ومخاوف العرب والمسلمين لما عرف به المرشح للرئاسة الأميركية من عنصريته تجاههم، غير أن مستشار ترامب وليد فارس قلل، في حوار مع “العرب”، من هذه المخاوف، مشيرا إلى أن ترامب رجل أعمال وصفقات ناجح لذلك سيمد يده إلى عمق العالم العربي باعتباره شريكا استراتيجيا.
الخميس 2016/10/06
وليد فارس: اختيار ترامب لي ضمن فريقه رد على اتهامه بمعاداة العرب

نيويورك – تكشف التجربة أن الرؤساء الأميركيين ما إن يصلوا إلى السلطة حتى يميلون نحو الوسط بما يخدم مصالحهم الإستراتيجية، وأن التصريحات “المتطرفة” أحيانا للمرشحين التي تلقى في ذروة المعركة الانتخابية ليست سوى جزء من الدعاية التي تقتضيها تلك المرحلة. ولا ينفصل عن الواقع، السباق نحو الفوز برئاسة الولايات المتحدة الأميركية في انتخابات نوفمبر 2016، والذي يعدّ المرشح الجمهوري دونالد ترامب الظاهرة الأبرز فيه.

ويلاحظ المتابع للمرشح الجمهوري أن هناك ملامح اختلاف بين تصريحاته وتوجهاته في بدايات حملته الانتخابية وبين تصريحاته مع اقتراب نهايتها. وقد تفاجأ الكثيرون بالتغيرات الجذرية في رؤى ووجهات نظر ترامب، حتى أن البعض اتهمه بأنه لا يدرك ما يقول، ولا يفكر قبل أن يتكلم.

ولا شك في أن أفضل من يمكنه شرح هذه المفارقة هو مستشاره للسياسة الخارجية، ومدير لجنة العلاقات الخارجية في حملته، وليد فارس، الذي أوضح نقاطا عديدة، خلال لقائه مع “العرب” في نيويورك.

قبل البدء في الحديث عن الشأن العربي وقضايا منطقة الشرق الأوسط، كما يراها ترامب، أصر فارس على تأكيد أن ما يتردد عن كراهيته للعرب والمسلمين “محض افتراء، وإحدى الأكاذيب التي رماه بها خصومه”، لذلك وبأنه شخصيا- وهو من أصل عربي- اختاره ترامب ليقود له حملته في شقها الدولي.

وليد فارس
*ولد في بيروت في العام 1957

*انتقل للعيش في الولايات المتحدة العام 1990

*متخصص في سياسات الشرق الأوسط، ودراسات الإرهاب والجهاد

*عمل مستشارا دائما للكونغرس

*حاضر بجامعة البنتاغون لعدة سنوات

*عمل مستشارا للبرلمان الأوروبي قبل أن يختاره ترامب ليكون مستشاره في السياسة الخارجية

وكان ترامب أدلى، في بداية حملته الانتخابية قبل أشهر، بتصريحات فيها الكثير مما أغضب العرب والمسلمين، وأثار مخاوفهم منه، حيث قال ترامب “حدود الولايات المتحدة يجب أن تظل مغلقة أمام العرب والمسلمين، لأنهم كما زعم يكرهون أميركا”.

وأضاف “المسلمون في أميركا سوف يكونون أسوأ مما كان عليه الوضع إبان هجمات سبتمبر في العام 2001، وسنتلقى منهم المزيد من الهجمات”، “ووصلت به المبالغة حد الدعوة إلى الإغلاق الكلّي والتام لحدود أميركا أمام المسلمين”.

وسألت “العرب” وليد فارس عن هذه التصريحات وخلفياتها، فقال “هو بالأساس رجل أعمال، وأعلن أكثر من مرة أنه سيمد يده إلى العالمين العربي والإسلامي وله صداقات عدّة مع أشخاص بالعالم العربي، وسيكون شريكا استراتيجيا لبعض الدول العربية”.

وقبل أيام قليلة، خلال مناظرة ترامب الأولى مع المرشحة الديمقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون، فاجأ ترامب الأوساط الأميركية، بالدفاع عن الفلسطينيين، معلنا أن “أحد الأهداف التي سوف يسعى إلى تحقيقها إن هو أصبح رئيسا، تحقيق السلام بين إسرائيل وجيرانها، رافضا تصنيف أحدهما- الفلسطينيين أو إسرائيل- بالشرير والآخر بالخيّر، وتمثّلت المفاجأة في أنه قبل شهور كان قد شن هجوما ضاريا على الفلسطينيين، ووصفهم بالإرهابيين”.

السلام في الشرق الأوسط

عن هذا التناقض في تصريحات المرشح الجمهوري، قال وليد فارس “ترامب رجل صفقات، وهو جيد في ذلك، ويحب دائما الجلوس وسط الطاولة، وعندما يصبح رئيسا للولايات المتحدة، فإنه سيجلس في الوسط، بين الفلسطينيين والإسرائيليين في عملية تفاوض، كاشفا أنه يتواصل حاليا مع ممثلين للسلطة الفلسطينية، وأبناء الجيلين الثاني والثالث من الإسرائيليين”.

وولفت فارس إلى أن القضية الفلسطينية لا يمكن حلها بمعزل عن الأطراف العربية الأخرى، ونحن على علم بأن الطرف الفلسطيني محاط بطرف عربي أوسع، وترامب لديه ملف وخطة واضحان لمعالجة هذا الملف بطريقة تختلف عن معالجات الإدارات الأميركية السابقة.

وتبرز عند هذا الجزء من الحوار مسألة ما يتردد عن أن هناك خططا غربية جاهزة، ومعدّة سلفا، لتغيير شكل منطقة الشرق الأوسط، والسعي لتفتيتها، في ما سمي بالشرق الأوسط الجديد، وضرورة تغيير الأنظمة الحاكمة، ولو بالقوة، وصولا إلى خارطة جديدة يسهل التعامل معها في المستقبل من قبل القوى الكبرى، إلا أن فارس نفى هذه التصورات، وقال “ترامب نفسه لا يؤمن بها”.

الكثير مما يردده دونالد ترامب يكون من قبيل "الشو الإعلامي"

وأكّد فارس أن زمن تغيير الأنظمة بالقوة في المنطقة العربية قد انتهى إلى غير رجعة، فحق تقرير المصير شأن داخلي، لافتا إلى أن مرشحه انتقد تعاون المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون مع الإخوان المسلمين، في أثناء وجودها في السلطة، بعد أن أغلقت وزارة الخارجية في عهدها الباب أمام مجموعات بعينها، وفتحته أمام جماعات أخرى، والآن هناك مشروع قانون في الكونغرس يريد وضع الإخوان على لائحة الإرهاب، والجميع يعلم أن المعركة في مجلس الشيوخ وليست في البيت الأبيض، وحان وقت التغيير في الكونغرس.

وأشار إلى أنه لم يكن هناك مخطط لتفتيت المنطقة العربية، أو تحويلها إلى “كانتونات”، ولكن كانت هناك سياسات أميركية خاطئة وإخفاقات.

وتابع فارس قائلا إن هناك مسلمين يدعمون ترامب في ولاية “ميتشغين”، لأنه لم يكن لديه موقف من الإسلام، موضحا أن “هناك حملة إعلامية تركز على شخص ترامب لتشويهه سياسيا، وأن 80 بالمئة من الصحافة الأميركية تقف ضده، وهي التي أخفقت في أن تشرح أفكاره للرأي العام”.

وأضاف “ترامب لم يتكلم عن الإسلام ككل، ولا بشكل عقائدي، بل كان يقصد التيارات المتطرفة التكفيرية، ويقف المستشارون من حوله مع الشعوب العربية في مواجهاتها مع المتطرفين”.

وفي ما يخص روسيا قال فارس “ترامب يريد أن يفتح صفحة جديدة مع القيادة الروسية، لأنه لا توجد الآن حرب باردة، وهناك نقاط مشتركة مع روسيا، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب ومحاربة داعش، وهناك مستشارون لترامب وهيلاري كلينتون زاروا موسكو مؤخرا، وترامب يريد طمأنة حلفاء أميركا الشرقيين، خاصة كل المعتدلين”.

وأوضح أن “ترامب يريد أن يجدد المؤسسة السياسية، فكل الرؤساء السابقين كانت لديهم الأجهزة المتخصصة، ويوقعون على القرارات، أما ترامب فيؤمن بأن القرار يجب أن يكون أولا وأخيرا له، فلا يمكن تمرير أي شيء دون موافقته، وهو الذي سيدير المؤسسة، ولن تديره المؤسسة، وهذا ما يفسر أن العديد من أقطاب الجمهوريين يعارضونه”.

أكد وليد فارس أن الجميع يعرفون موقف ترامب، حين هاجم حكومة طهران في أكثر من مناسبة. واتهم إيران بأنها دولة إرهابية تموّل الإرهابيين، سعيا لزعزعة الشرق الأوسط كله، بل واتهم إدارة أوباما بتزويد طهران بالمال لتحقيق تلك الأهداف، معلنا رفضه الكامل للاتفاق النووي الذي جرى توقيعه بين الولايات المتحدة والغرب وإيران، قائلا إن “سياسات الديمقراطيين في هذا السياق كانت ساذجة، وأدّت إلى سيطرة إيران على العراق، وبروز تنظيم داعش الإرهابي”.

وأوضح مستشار ترامب أن “مرشحه له موقف من الاتفاق النووي مع طهران، حيث أن هذا الاتفاق لا يدعم المصالح الأميركية، بعد أن تخطى الدور الإيراني الحدود الإيرانية إلى العراق وسوريا واليمن، وغير مرتاح للدور الإيراني، ويريد أن تكون العلاقة إيجابية، وأن تكون هناك مشاركة أكثر من الحلفاء العرب، وأن تكون كل الأطراف موجودة في كل الملفات”.

وشدد مستشار المرشح الجمهوري على أن “ترامب لم يذكر شيئا عن قطر وتركيا، وهذا يعني أنه عندما يصل إلى الإدارة سوف يكون هناك حديث مطول عن الاثنين”.

ولفت إلى أن “ترامب ذكر الإخوان، ولهذا يجب أن ننتبه إلى أن حليف الإخوان نعني به قطر وتركيا وهو يدل على أن جماعة الإخوان باتت لديها مشكلة ولا بد أن تعالج بحسم، وهناك الكثير من الملفات الخطيرة لن يفتحها ترامب الآن، ولا بد أن نمهله القليل من الوقت”.

ولفت فارس إلى نقطة أساسية، وهي أن “على العالم العربي أن يعلم أن أحاديث ترامب موجهة إلى الناخب الأميركي في وسط الغرب وفي ألاسكا وفي كل مكان في الولايات المتحدة، حيث أنه يعتمد عمليا على تعبئة من لهم حق التصويت ولا يذهبون إلى الانتخابات، وهم حوالي أربعة ملايين ناخب”.

مواقف المرشح الجمهوري دونالد ترامب ليست ضد الإسلام وسيمد يده إلى عمق العالم العربي كشريك استراتيجي

ليس مثل ريغن

أوضح فارس أنه، في أعقاب المناظرة الأولى، الاثنين قبل الماضي، التي جمعت بين مرشحه دونالد ترامب والمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، خرج المرشحان متكافئين، بحسب المراقبين، حيث أن كل طرف منهما سجل النقاط التي يريدها، ولم تكن هنالك سخونة في النقاش، وهي التي انتظرها الجميع داخل المؤسسات، أو تشابك كلامي أكبر، مفسرا ذلك “بأنه ربما أراد المرشحان تصوير نفسيهما كرئيسين للولايات المتحدة بشكل رسمي وإظهار أنهما قادران على أن يكونا كذلك، ولهذا ظهرت المناظرة أقل حمية”.

وكان مراقبون لاحظوا أن “ترامب يريد أن يكون مثل الرئيس الأسبق ريغن، الذي عمل ممثلا سينمائيا، وحاكما لولاية كاليفورنيا، ثم رئيسا، وتميز بنكاته الخاصة”، غير أن مستشار المرشح الجمهوري أكد أن “ترامب لن يغير شخصيته، لذلك ركز في العمق على النقاط التي يريدها والتي تعبر عن قاعدته الشعبية مع الحفاظ على صورة وشخصية رجل الدولة، وذلك منذ انعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري خلال الأسبوعين الماضيين، بعد أن اتهمته هيلاري بأنه لا يصلح لأن يكون رئيس دولة”.

ويرى فارس أن “ترامب كانت أبرز أفكاره على الصعيد الاقتصادي، والخاصة بأن يتحول الجميع في أميركا إلى أغنياء من خلال تحقيق مستوى اقتصادي أعلى للجميع، حيث كان يخاطب الأكثرية الكبرى من الأميركيين، وليس كما عرضت هيلاري، بأن نأخذ من الأغنياء لنعطي الفقراء، وهي فكرة قديمة”.

وبخصوص قضية الإرهاب ومحاربة تنظيم الدولة، قال فارس “إن الأمر لم يكن يستحق كل هذا الوقت، مطالبا بتحالف عربي- كردي، بحيث لا تكون هذه المناطق العربية السنية تحت سيطرة أطراف طائفية أخرى”.

وأضاف فارس أنه “عندما دخل الجيش الأميركي العراق أتم عملياته في 36 يوما، على الرغم من أن تدخله كان خطأ كبيرا، والآن يبدو أن هيلاري تريد أن تواصل عملياتها ضد داعش للأبد”.

كان من الأمور التي أخذت على المرشح الجمهوري، قوله بضرورة الحصول من حلفاء أميركا على أموال نظير دفاعها عنهم؛ وهنا أفاد فارس أن “هذه المسألة ليست جديدة، وكان ذلك دائما ما يحدث دون الإعلان عنه، ودائما كانت الإدارة الأميركية تنشر قواعدها، أو تتفق على منافع بطرق أخرى”.

وهذا لا يعني أن أميركا لن تتدخل إلا بثمن، وفق ما أفاد به فارس بل يعني أن تكون هناك شراكة حقيقية، لأن الحرب الباردة انتهت والجغرافيا الجيوسياسية اختلفت، وهناك شيء آخر يختلف عن الماضي، فالآن لا توجد صواريخ سوفيتية موجهة لجميع أنحاء أميركا، والأوضاع مختلفة، والأخطار الإرهابية تهدد هذه الدول الحليفة من الداخل، وعلى أميركا أن تساند هؤلاء الحلفاء من خلال المشاركة الفعلية لكل هذه الدول.

كاتب من مصر

6