وليد يوسف: في ظروف المنافسة المؤلف يقدم الأفضل

السيناريست وليد يوسف يقر بأن الورش الحالية كلها شباب يفتقدون للخبرة، ومنهم من في السنة الأولى في معهد الفنون المسرحية ممن لا يحملون أي نوع من المعرفة.
الأربعاء 2019/07/24
"الزيبق" تم إيقاف جزئه الثاني لأسباب مجهولة

لسنوات مضت كان السيناريست والكاتب المصري وليد يوسف على لائحة أكثر الكتّاب حضورا على مائدة الدراما الرمضانية، ومن أشهر أعماله “الدالي” و”ابن الأرندلي” وأحدثها مسلسل “الزيبق” الجزء الأول والفيلم السينمائي “نورت مصر” 2019، إلاّ أن اسمه غاب لموسمين رمضانيين رغم أنه كان يجهز لعملين كبيرين، “العرب” التقته في القاهرة لتسأله عن الدراما المصرية بشكل عام وعن سبب توقف أعماله بشكل خاص، فكان هذا الحوار.

القاهرة- رغم الشهرة التي حققها كاتب مسلسل “الزيبق”، بطولة كريم عبدالعزيز وشريف منير، إلاّ أنه لم يحالفه الحظ ليقدم الجزء الثاني منه، ليس هذا فحسب بل إن عملا آخر كان قد انتهى من كتابته حول العلاّمة المصري مصطفى محمود توقف أيضا قبل أن يظهر للنور، حول سبب توقف العملين ورأيه في الدراما المصرية التي تراجعت مؤخرا، يقول وليد يوسف لـ”العرب” “كانت فكرة المنافسة بين شركات الإنتاج تشكل الحافز الأكبر لإنتاج أفضل الأعمال الدرامية، لكن اليوم هذه المنافسة لم تعد موجودة، فخارطة الإنتاج تغيرت وبقيت شركة واحدة تقوم بالإنتاج، والتنافس أصبح داخليا ضمن الشركة نفسها”.

ومن ثمة، يضيف يوسف “لم يعد هناك حافز لتقديم الأفضل وخاصة على صعيد النص الذي هو أصل العمل الدرامي، فالكاتب أو السيناريست يقدم أفضل ما لديه في حال شعر بالمنافسة، أما لو شعر أنه الوحيد في الساحة، فلن يهتم كثيرا بما سيكتبه، وربما سيؤثر ذلك بشكل سلبي على الكاتب لاحقا فيجعله مغرورا ويعطيه الإحساس بالذاتية مع ما يكتبه“.

ورغم أنه بات واضحا أن شركات الإنتاج، أصبحت تعتمد، رغبة منها في التوفير، على كتّاب شباب تنقصهم الخبرة، أو على ورش الكتابة التي قد لا تطلب الأجر الذي يطلبه الكتّاب المعروفون، إلاّ أن وليد يوسف يرى عكس ذلك فأجور الكتّاب مهما ارتفعت لن تتجاوز 10 بالمئة من قيمة الأجر الذي يتقاضاه النجم، والنص الجيد يصنع النجوم وليس العكس، بل إنه يساعد على  اكتشاف المواهب الفنية الشابة.

ويضرب السيناريست المصري مثلا على ما يقول بمسلسل “الدالي” الذي لعب بطولته نور الشريف والذي أفرز العشرات من الوجوه الشابة التي باتت اليوم نجوما معروفة، موضحا “لكن الفن بطبيعته يتبع الموضة، والموضة حاليا ورش الكتابة، ورغم أن فكرة ورش الكتابة موجودة منذ زمن بعيد، لكنها سابقا كانت تعتمد على اسم كاتب كبير يديرها كالأستاذ فيصل ندا الذي كان معروفا في الدراما التلفزيونية أو على عبدالحي أديب في السينما، فهي قامات كبيرة ومن يعمل تحت إدارتها سيستفيد خبرة ويفيد على اعتباره سيتقاضى أجرا قليلا”.

ورش فاقدة للخبرة

وليد يوسف بدأ بالتحضير لمسلسل "مصطفى محمود" منذ العام 2011
وليد يوسف بدأ بالتحضير لمسلسل "مصطفى محمود" منذ العام 2011

يقر وليد يوسف متأسفا أن “الورش الحالية كلها شباب، ما يعني أنهم فاقدون  للخبرة الكافية، وخاصة من منهم في السنة الأولى في معهد الفنون المسرحية ممن لا يحملون أي نوع من المعرفة على الأقل في ما يخص التصاعد الدرامي، وبالتالي تظهر الأفكار الدرامية متقاربة وربما تشبه بعضها البعض”.

ويضيف “هذا العام مثلا، أول ثلاث حلقات من خمسة مسلسلات رمضانية كانت تدور حول والد يدفن ابنه وكأنهم اتفقوا على نفس البدايات”، مؤكدا أنه مازال في مصر كتّاب مهمون لا يعملون مثل محمد جلال عبدالقوي ويوسف الجندي وغيرهم، وممكن الاستعانة بهم لتقديم الورش أو الإشراف عليها.

وأتى على ذكر تجربته الشخصية ككاتب كان قد بدأ صغيرا وكانت حينها الساحة الدرامية تحمل أسماء كبيرة لكتّاب أمثال أسامة أنور عكاشة ومحفوظ عبدالرحمن ويسري الجندي ولينين الرملي ومحمد جلال عبدالقوي، وكيف كانت شركات الإنتاج ترحب بالعمل معه على اعتباره شابا صغيرا أجره قليل، لكنه حينها لم يقف في وجه أي كاتب كبير، وأنه منذ الأزل كانت ولا تزال شركات الإنتاج تبحث عن الكتّاب الأقل أجرا أو عن الأفكار الشبابية التي  تناسب الموضة، لكن حاليا لا توجد خطة عمل واضحة أو هدف فكري واضح.

أما عن سبب توقف عمليه “الزيبق” الجزء الثاني و”مصطفى محمود”، فيقول “لم يتوقف مسلسل ‘الزيبق’ لوحده، بل توقف معه أيضا مسلسل ‘الصعود للهاوية’ الذي كان من بطولة آسر ياسين وزينة رغم أن ديكوراته كانت قد أنجزت بالفعل”، وهو يعتقد أن ذلك التوقف يعود لأسباب متعلقة بالعلاقات المصرية الخارجية، فالدراما المصرية ليست موجهة للداخل المصري فقط بل للخارج أيضا.

ويضيف “يبدو أن القيادة الحالية ترى أن عملا كـ’الزيبق’ غير مناسب للطرح في الوقت الحالي وممكن تأجيله إلى وقت آخر، فهو عمل كتبته وفي ذهني أنه عمل وطني لدرجة أن إحساسي الوطني فيه تفوّق على إحساسي الفني، بالإضافة إلى أن الاتجاه العام حاليا ذاهب نحو إنتاج أعمال درامية غير مكلفة إنتاجيا، تكون في أضيق الحدود، ولا تحتاج لأماكن تصوير خارج مصر، و’الزيبق’ كان سيزور خمس دول أوروبية”.

شخصية ثرية

أما بالنسبة إلى مسلسل “مصطفى محمود” الذي كان قد بدأ بكتابته منذ العام 2012 بعد رحلة بحث شاقة، والذي كان سيرصد الحياة في مصر منذ العام 1920 ولغاية العام 2009، أي ما يقارب 89 عاما من عمر المفكر الراحل مصطفى محمود، فإنه توقف لأسباب مادية وإنتاجية بحتة.

ويقول وليد يوسف “من وقع العقد معي ومع ورثة الأستاذ مصطفى محمود وبعد أن بانت ملامح العمل، اكتشف إنتاجيا أنه غير قادر على إنتاجه بمفرده وأنه بحاجة لشريك وبالتالي توقف العمل، فشخصية مصطفى محمود ثرية، ولا يمكن اقتطاع جزء منها، فهو متعدد المواهب ومتعدد المهن؛ فيلسوف وأديب وطبيب وفلكي وصوفي، وبالتالي كان له أصدقاء في كل المجالات السابقة، هو شاهد على العصر الذي كان فيه كل عباقرة الفن والأدب والإعلام والدين والعلوم والصحافة”.

ومسلسل “مصطفى محمود” مكلف جدا، خصوصا أنه سيخوض في فترات زمنية طويلة تتطلب إنتاجيا تغيير الديكورات باستمرار وما يشمله ذلك من إكسسوارات وسيارات وغيرها، بالإضافة إلى وجود حوالي 157 شخصية درامية كبيرة وهامة، فرحلته من الشك إلى الإيمان التي استغرقت 12 سنة من العام 1956 وحتى العام 1968، كانت فترة ثرية من تاريخ مصر والوطن العربي والعالم.

مازال في مصر كتّاب مهمون لا يعملون مثل محمد جلال عبدالقوي ويوسف الجندي، يمكن الاستعانة بهم لتقديم الورش أو الإشراف عليها

ويتابع “كنت أراه ثريا من حيث قصصه وصداقاته، فحين عمل في روز اليوسف صحافيا في المرحلة الأولى من شبابه كان مرافقا للكتّاب أمثال أحمد بهاءالدين ومحمود السعدني وصلاح جاهين وروز اليوسف وإحسان عبدالقدوس وكلها قامات كبيرة وعملاقة، وكانت لديه أيضا علاقاته مع صحافيين من خارج روز اليوسف أمثال مأمون الشناوي وأحمد ماهر في الأهرام، ومع فنانين أمثال سعاد حسني وناديا لطفي وفريد الأطرش وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وفي الدين كان على علاقة مع الإمام الغزالي والشيخ كشكش والشيخ الشعراوي وبنت الشاطئ وعمر عبدالكافي وغيرهم، وعندما عمل في المسرح عمل مع جلال الشرقاوي وكرم مطاوع، هذا بالإضافة إلى مؤلفاته التي تجاوزت الثمانين كتابا، وحوالي 75 مؤلفا كتبت لصالحه أو ضده، فضلا عن 400 حلقة تلفزيونية من برنامج ‘العلم والإيمان'”.

والبطل المقترح حينها للعمل، وهو خالد النبيوي، لم يكن مرحبا به على اعتباره ممثلا غير قادر على حمل هذه الشخصية الغنية، في حين أن ممثلا مثل إياد نصار وضع على عاتقه شخصية هامة كشخصية حسن البنا وكان حينها غير معروف، وكان بالإمكان إيجاد حل في إحضار نجوم كبار كضيوف شرف لحمل شخصيات العمل  كشخصية محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم.

وكان وليد يوسف الذي بدأ بالتحضير للعمل منذ العام 2011، قام بالتسجيل مع بعض الشخصيات التي عاصرت وعرفت مصطفى محمود ممن هم على قيد الحياة أمثال لويس جريس وإبراهيم عماشة مخرج برنامج “العلم والدين” والممثل عزة العلايلي وجلال الشرقاوي وعمر حلمي الذي كان يوما ما وزيرا للصحة ومديحة عزة زميلته في روز اليوسف وأولاده أدهم وأمل وزوجتيه، كما استعان بالتسجيلات التي أرسلها له وجدي الحكيم، لكنه اليوم يشعر بالإحباط لتوقف العمل كل هذه الفترة ويجد صعوبة في العودة إليه واستكماله في ظل الظروف الحالية.

16