وليلي عاصمة المغرب القديم ومعقل الأساطير

الثلاثاء 2014/11/11
صنفت منظمة يونيسكو مدينة وليلي المغربية تراثا عالميا سنة 1997

وليلي (المغرب) – يجول السياح في مدينة وليلي الأثرية الواقعة على بعد حوالي 160 كلم شمال العاصمة الرباط، بعيون تتقصى تواريخ غابرة ومآثر قديمة خلفتها شعوب عديدة استوطنت على مدى عصور هناك.

يُصارع هرقل البطل الأسطوري أفعى “الهيدرا” اللاذعة، ويقاتل بشراسة طيور “ستيمفالوس” آكلة لحوم البشر، وتشهر “ديانا” إلهة القمر ومحبة الصيد أقواسها، فيما يُمعن “باخوس” إله الخمر في قسماتها الهادئة، مسجاة على البحر المقدس، تلك بعض من شخوص الأساطير الإغريقية القديمة، التي نسج حولها السكان الأقدمون لمدينة وليلي (شمالي المغرب) روايات وحفظت دورهم ومعابدهم لوحات فنية تروي صراعات وانتصارات أبطالها، لتسفر لذلك وليلي عن نفسها للجائل المعاصر بين أطلالها كموطن قديم للترف والأسطورة.

عشرات السياح الأجانب الذين يتوافدون على هذه المدينة الأثرية، الواقعة على بعد حوالي 160 كلم شمال العاصمة الرباط، التي صنفتها مُنظمة يونيسكو سنة 1997 تراثا عالميا، يجولون بعيون متقصية عن تواريخ غابرة ومآثر قديمة خلفتها شعوب الرومان والأمازيغ القدامى والبزنطيون وغيرهم من الأعراق المستوطنة على مدى عصور لهذه الحاضرة، التي يعود تاريخها، حسب الحفريات الأركيولوجية، إلى القرن الثالث قبل الميلاد، قبل أن تصير في تواريخ وأزمنة لاحقة إحدى أهم مدن البحر الأبيض المتوسط، وأكثرها ثراء ورواجا.

وإن بدت للناظر أكواما من الحجر المتناثر، وبعضا من الأسوار البعيدة، والأعمدة المتفرقة، ما زالت وليلي تحافظ على ملامحها كمدينة عريقة، لا يقل تصميمها وطرائق بنائها عن المدن المعاصرة، فباب المدينة الرئيس، المُستقبل تجاه الشمال، حيث طنجة (أقصى شمال المغرب) أهم حواضر المتوسط، تمتد على طول الطريق المؤدية إليه مبان فخمة تضم قصورا لوجهاء المدينة، ورصيفا مظلالا يفصل طرق العربات، عن مسلك الراجلين، ينضبط تصميمه لتوزيع دقيق للمحال التجارية حسب التخصص والحرف، تليها أزقة تضم دورا سكنية واسعة تقطنها عائلات رومانية ثرية، تعيش على “الزيت والخمر والألعاب”.

وليلي تحيط بها الحقول الخصبة والمنابع الطبيعية

ويقول عبدالكبير محمد، الدليل السياحي بموقع “وليلي الأثري”، إن شعوب “المور” نسبة إلى القبائل الأمازيغية القديمة التي سكنت المغرب الأقصى، أنشأت “مملكة موريطانية” إحدى ممالك الشمال الأفريقي، واتخذت من مدينة مليلي عاصمة لها، ومع حُكم الملكين الأمازيغيين يوبا الثاني وابنه بطليموس ما بين 25 ق.م و40 ميلادية، انتعشت بوليلي الحركة الفكرية والثقافية والفنية، لتبنى بها معابد وتزدهر الفنون والأساطير.

سقوط “المملكة الموريطانية ” سنة 44 ميلادية، مع الاحتلال الروماني للمدينة، لم يوقف عجلة التاريخ الممتد لمئات السنين بوليلي، بل كانت هذه المدينة على موعد مع أحداث تاريخية كبرى، وتحولات عمرانية وثقافية أسهمت في جعلها إحدى أهم حواضر البحر الأبيض المتوسط، ومُستقرا لنبلاء الرومان، وسوقا لتجارتهم وموطنا للآداب الأسطورية وفنون القتال وبذخ العيش.

في باحات البيوت الرومانية، تستقر الأساطير الغابرة على الجدران والبلاطات، فكل “سيد روماني” يزين فناء قصره بصور “الإله” الذي يعبده والأساطير التي تفسر منشأه وأسباب وجوده، فوليلي مدينة مُشرعة على الميثولوجيا اليونانية والإغريقية القديمة، تُؤرخ لحقبة من التصور الإنساني لمفاهيم الوجود والقوى المسيطرة عليه، وما تزال هذه الأساطير، ورغم مضي آلاف السنين، تلف المدينة برذاذ من السحر والغموض.

وتضم المدينة، حمامات رومانية شعبية وأخرى خاصة بطبقة الأسياد، ومعابد من أشهرها معبد “الكابتول” الذي أنشئ سنة 217 م، وقوس النصر الذي أقيم احتفاء بأحد قادة المدينة وحكامها، إلى جانب محكمة وساحة عمومية شاسعة، كان سكان وليلي، على غرار الإغريق والرومان، يتداولون فيها شؤونهم العامة وقضاياهم، ويعرضون فيها منتجاتهم وسلعهم، كما تحوي المدينة عددا وافرا من معاصر زيت الزيتون، إحدى أكثر المواد استهلاكا ورواجا بالمنطقة، ومطاحن للحبوب وقصورا وبيوتا مزينة بنقوش رومانية وأمازيغية رفيعة.

المدينة المُحاطة بحقول خصبة، وبمزارع لأشجار الزيتون، ومياه عذبة جارية طوال أيام السنة لقربها من منابع طبيعية عدة كوادي “الخمان” ووادي “فرطاسة”، والمسيجة بسور يضم ثمانية أبواب، تعد منافذ المدينة ومغالقها، شاهدة على فاصل حياة صاخبة عاشها الأمازيغ القدامى أيام حكم “الدولة الموريطانية”، وأخرى تُحاكي نمط العيش الروماني الباذخ خلال حكم الإمبراطورية الرومانية للمدينة إلى حدود أواخر القرن الثالث الميلادي، وستتقلب بعدها وليلي في منازل عدة، خلال فترات حكم مختلف المماليك والإمبراطوريات التي بسطت سيطرتها على المغرب.

يتوافد السياح يوميا على وليلي لاكتشاف تاريخ حضارات عايشتها المدينة الأثرية

قبل أن تُقام غير بعيد عنها “مدينة زرهون” النواة لأول دولة تدين بالحكم الإسلامي في المغرب سنة 789م، وينطلق مؤسسها “إدريس الأول” القادم من المشرق العربي، فارا من ملاحقة العباسيين ومن بعده خلفه “إدريس الثاني” في إنشاء مدينة فاس المغربية، ويختارها عاصمة لملكه، ليخفت وهج وليلي كمستقر وعاصمة لكل الأقوام الذين عاشوا في المغرب الأقصى، ويتوالى بناء الحواضر بعيدا عن وليلي، دون أن تفقد هذه المدينة صيتها كإحدى أعرق مدن المغرب القديم.

العديد من المآثر التاريخية، والبنايات الأثرية بوليلي، كما يروي ذلك الدليل السياحي عبدالكبير محمد، دمرها زلزال “لشبونة” الضارب الذي هز ضفاف المتوسط سنة 1755م، ونُهبت أقواسها الرخامية لبناء قصور مدينة مكناس المجاورة، وغداة احتلالها المغرب بداية القرن الماضي، عملت السلطات الفرنسية التي سيطرت على المنطقة، على التنقيب على مآثر وليلي، وترميم بعضها، وإلحاق بعضها الآخر بالمتاحف الفرنسية، ومع استقلال البلاد سنة 1956 خضعت عمليات التنقيب والحفر الأركيولوجي بالمنطقة للسلطات المغربية، حيث نقلت العديد من الثماثيل البرونزية والأواني الفخارية والنقوش التي تضم كتابات تؤرخ لعصور مختلفة إلى المتحف الأثري بالعاصمة الرباط.

ويضم المغرب عددا مهما من المواقع الأثرية التاريخية التي يعود بعضها إلى عهد “ماقبل التاريخ” كموقع “طوما” بالقرب من مدينة الدار البيضاء (90 كلم جنوب الرباط) الذي اكتشفت به آثار تواجد بشري تعود إلى أكثر من 700 ألف سنة، وموقع “جبل يغود” (جنوب المغرب)، الذي يضم آثارا تعود إلى الفترة التي ظهر فيها أول “إنسان عاقل” بالشرق الأوسط قبل 190 ألف سنة، حسب مؤرخين.

كما يعد المغرب من بين البلدان الغنية بالنقوش الصخرية المنتشرة بشكل واسع في كهوف جبال الأطلس (أكبر سلسلة جبلية بالمغرب وتمتد من شمال المغرب إلى تخوم الصحراء جنوبا) يعود بعضها، حسب الدراسات الأثرية، إلى عهد الإنسان البرونزي، كما يوجد بالمغرب عدد من المدن الأثرية القديمة التي يعود بناؤها إلى العهد القرطاجي والروماني.

20