وليم كنتريج المتعدد المفرد في معرض شامل

"قصيدة ليست لنا".. معرض يحتفي بالفنان الشامل كنتريج من خلال رسومه وأفلامه ونصوصه.
الاثنين 2020/07/13
أعمال تمزج بين العبثي والساخر

ممثل ومخرج مسرحي، ومدير فنيّ أشرف على إعداد مسلسلات وأشرطة تلفزيونية، وفنان تشكيلي درس مع الفن العلوم السياسية. هذا الواحد المتعدد هو وليم كنتريج من جنوب أفريقيا، الذي يقام له الآن معرض خاص في متحف الفن الحديث بليل حتى نهاية شهر ديسمبر المقبل.

ولد وليم كنتريج في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا عام 1955، حاز إجازة في العلوم السياسية والدراسات الأفريقية، ثم حصل على دبلوم في الفنون الجميلة في مسقط رأسه. ثم درس فن “الميم” والمسرح في المدرسة العالمية للمسرح بباريس الذي يشرف عليه جاك لوكوك بداية من السبعينات.

وبعد نهاية دراسته، عاد إلى جوهانسبورع ليعمل ممثلا ومخرجا في مسرح جونكسيون، واهتم في الأثناء بالأشرطة المصوّرة والصور المتحركة والمسلسلات والأفلام التلفزيونية مؤلفا ومخرجا ومديرا فنيا. بل أخرج حتى بعض أعمال الأوبرا لمشاهير الفنانين مثل “فوزّيك” للنمساوي ألبان بيرغ، و”المزمار السحري” لموزارت، و”الأنف” للروسي دميتري كوستاكوفيتش، وتعاون مع الملحن الفرنسي فرنسوا ساران في عرض موسيقي بعنوان “برقيات من الأنف”.

وفي عام 1989 صاغ أول عمل أنيميشن بعنوان “أكبر مدينة بعد باريس” ضمن سلسلة “رسوم للبثّ”. وقد استعمل فيه تقنية سينمائية أسماها “أنيميشن الفقير”، وتتمثل في إنجاز رسم مع إدخال بعض تحويرات عليه، ثم تصوير تلك التحويرات صورة صورة، لينتج فيلم أنيميشن قصيرا، يحوي كل المراحل التي مرّ بها ذلك الرسم، الذي يتألف من ورقة واحدة تظهر عليها آخر صيغة للصورة المحوّرة تباعا.

فلا يحتاج لإنتاج ذلك غير ورقة وقلم فحم وطلاّسة وكاميرا، بينما يحتوي الفيلم المنجز على ثراء شاعري كبير. خلافا للتقنية التقليدية للأنيميشن، والتي يتم خلالها رسم كل حركة على ورقة مستقلة. وبذلك أمكن له أن يحتفظ في فيديوهاته وأفلامه بآثار رسومه السابقة.

وكانت إبداعاته تتناول مواضيع سياسية واجتماعية من وجهة نظر ذاتية، وحتى سيريّة، فقد كان يُدمج صورته الخاصة في بعض أعماله. وقد واصل استعمال تلك التقنية في أعمال أنيميشن أخرى، مثل “الرصانة والسمنة والشيخوخة” عام 1991، و”فيليكس في المنفى” عام 1994، و”حكاية الشكوى الرئيسية” عام 1996، و“ستيريوسكوب” عام 1999، وخاصة “موكب الظلّ” في العام نفسه، وكان قد استعمل فيه مقصوصات كراتين سوداء على صفحات كتب وخرائط.

ورغم إنتاجه الغزير في هذا المجال، فقد عرف كفنان تشكيلي ونحّات ونقّاش، أقيمت له معارض عديدة في كاسّل بإسبانيا، وساو باولو بالبرازيل، وفي بينالي البندقية، فضلا عن العواصم الفنية في العالم كلندن وباريس ومدريد وبرلين ونيويورك وسيدني وكيوتو.

وفي المعرض الذي يقام له حاليا في متحف الفن الحديث بليل، تحت عنوان “قصيدة ليست لنا”، بالتعاون مع متحف كونست ببازل، يقع الاحتفاء بهذا الفنان الشامل الذي امتلك كل وسائل التعبير، من خلال رسومه وأفلامه ونصوصه، إكبارا لجهده لا محالة، ولكن تحية له أيضا على مواقفه التي تضمنتها سائر أعماله الفنية، فهو لم يهادن نظام الأبارتيد، إذ أدان جرائمه منذ مسرحيته الأولى “صوفياتاون”، كما أدان الحرب العالمية الأولى وعلاقتها بالاستعمار في “الرأس والحِمل” وهو عمل تشكيلي مسرحي شاعري قريب من مسرح الظل.

إبداعات كنتريج تتناول مواضيع سياسية واجتماعية من وجهة نظر ذاتية وهو الذي يُدمج صورته الخاصة في بعض أعماله
إبداعات كنتريج تتناول مواضيع سياسية واجتماعية من وجهة نظر ذاتية وهو الذي يُدمج صورته الخاصة في بعض أعماله

وعلى غرار الفنانين الجامعين من ليوناردو دافينشي إلى بابلو بيكاسو، يمتلك وليم كنتريج كل أشكال التعبير، من الرسم إلى الإخراج المسرحي، مضيفا إليها الفيديو والأنيميشن والأداء، يتبدى ذلك خاصة على الخشبة، المكان المناسب للمرور والتحوّلات، حيث يتجلى كأبهى ما يكون جمعه بين شتى الفنون، وجانب المشهدية فيها، ما يثير المتفرّج ويحفّز فيه كل حواسّه. أما التمثيل فقد هجره حينما اكتشف أن الجسد وسيلة تعبيرية لا تقل عن الوسائل الأخرى، وأن الممثل بجسده على الخشبة قبل منطوقه، وهو ما لا يتوافر فيه، حسب رأيه، فاختار أن يكتفي بالإخراج.

في أعماله الفنية، كان تأثير الحركة الدادائية واضحا، فقد استوحى منها مفرداتها، القائمة على المفارقات واللامعنى والطرافة، مثلما استلهم منها خطابها الشكلي الذي يقوم على جمالية المقطع والاضطراب البصري والصوتي، فكانت النتيجة أحيانا مزجا بين العبثي والساخر.

هذا الطابع الكوني في فن كنتريج مردّه إلى قدرة صاحبه على الجمع بين التاريخ الصغير والتاريخ الكبير، وربط هزات العالم بتجربته الذاتية، فهو مولود كما أسلفنا في جنوب أفريقيا حين أقام البيض نظام الميز العنصري، ما جعله يهتم داخل تأملاته الفنية بالوضع الإنساني وانحراف النظام، ساعده في ذلك تكوينه في المجال السياسي، وفي هذا يقول “أهتمّ بالسياسة، بمعنى فن الالتباس، والتناقض، والحركات البسيطة والنتائج غير المضمونة”.

وتشهيره بانحراف السلطة جاء بفنية عالية من خلال مسرحية “أوبو ملكا” للفرنسي ألفريد جاري، فلم يجعل من أوبو رمزا لعنف سياسة التفرقة العنصرية في بلاده فحسب، بل جعله رمزا لكل سياسات الجور والاستبداد، أي أنه من خلال تاريخ القارة الأفريقية، كان يدعو المتلقي أو المتفرّج إلى النظر إلى الإنسان الكوني في شموليته مقترحا تاريخا جديدا للإنسانية، دون حدود ولا تراتبية.

قال عنه سيباستيان دولو مفوض المعرض “وليم كنتريج فنان كامل، غزير الإنتاج، متعدد الأوجه الفنية، يتناول مناطق الغروب في تاريخنا ليجعل المخفي مرئيا، بطريقة فنية مميزة، هي بصمته”.

16