ولي العهد السعودي في فرنسا.. العلاقات على سكة شراكة جديدة

باريس والرياض تنسقان الجهود لوقف العبث الإيراني، وماكرون يبني دورا أكبر لفرنسا في الشرق الأوسط.
الاثنين 2018/04/09
علاقات واعدة وإيجابية

باريس  - وصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى العاصمة الفرنسية باريس، الأحد، في زيارة تمتد ثلاثة أيام، وتهدف إلى تعزيز العلاقات بين الجانبين. وتشير مصادر أن الزيارة ستؤسس إلى شراكة جديدة تشمل مجالات عدة. ويحيل الموقف الفرنسي الذي أعاد تموضعه بخصوص دور طهران التخريبي في المنطقة إلى رغبة فرنسية في تحقيق تقارب مع الجانب السعودي لتأكيد ضرورة العمل وتنسيق الجهود لمواجهة العبث الإيراني.. ويفسر المتابعون الالتقاء السعودي الفرنسي حيال ملفات المنطقة بحاجة باريس إلى دعم سعودي لتطوير سياساتها الخارجية من جهة، وبسبب نجاح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حل أزمة استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري من جهة أخرى، ما حفز عزم ولي العهد السعودي على دعم ماكرون ومقارباته في ملفات الإقليم، ويؤكد تقاطع باريس والرياض حول ملف إيران ولبنان أنه سيفتح الباب أمام شراكات في ملفات أخرى، قد تتجاوز الشق السياسي إلى المجال الثقافي وتتعزز هذه الفرضية في ظل إصلاحات الأمير محمد الذي يعمل على بناء سعودية جديدة.

أكدت مصادر فرنسية مطلعة أن فرنسا تعوّل على زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لوضع العلاقات مع السعودية على سكة شراكة جديدة تتقاطع داخلها الرؤى التي يريدها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبلاده مع رؤى “السعودية الجديدة” التي تشهد تحولات تاريخية تراقبها باريس باهتمام.

ويقوم ولي العهد السعودية بحملة لإعطاء صورة أكثر حداثة للمملكة. وقد زار بريطانيا وأمضى ثلاثة أسابيع في الولايات المتحدة حيث التقى رؤساء شركات ووقع اتفاقيات لتشجيع الاستثمار في بلده الذي يريد إعداده لمرحلة ما بعد النفط.

اتفاق فرنسي سعودي على استراتيجية للعقود الدفاعية

باريس - قال مسؤول من وزارة الدفاع الفرنسية، الأحد، إن فرنسا والسعودية اتفقتا على توقيع اتفاقية حكومية جديدة لإبرام صفقات الأسلحة. وتحل الاتفاقية محل إجراء انتقده ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يشغل كذلك منصب وزير الدفاع. وقالت مصادر لوكالة فرانس برس إن الأمير يريد تغيير الإجراءات التي كانت تتم في السابق. وقال المسؤول “بالتعاون مع السلطات السعودية بدأت فرنسا استراتيجية جديدة لتصدير السلاح للسعودية والذي كانت تتولاه حتى الآن شركة (أو.دي.إي.أس)”، مشيرا إلى المؤسسة التي تتولى حاليا المصالح الدفاعية الفرنسية في السعودية. وأضاف المسؤول دون الخوض في المزيد من التفاصيل أن الصادرات “ستصبح الآن مشمولة ضمن اتفاقية حكومية بين البلدين. وشركة (أو.دي.إي.أس) ستتولى فقط استكمال العقود القائمة”. وتعتبر فرنسا، ثالث أكبر مصدر للسلاح في العالم، وتعد السعودية ضمن أكبر المشترين ولدى شركاتها الدفاعية مثل داسو وتاليس عقود ضخمة مع المملكة. وفي السنوات القليلة الماضية اشترت الرياض دبابات وعربات مدرعة وذخيرة ومدفعية وسفنا حربية من فرنسا. وفي عام 2016 أقرت فرنسا تصاريح بتوريد أسلحة ربما تصل قيمتها إلى 18 مليار يورو (22.11 مليار دولار) للسعودية وسلمت بالفعل ما قيمته مليارا يورو. وذكرت صحيفة ليزيكو الفرنسية، الجمعة الماضي، أن اتفاقا قد يوقع لشراء زوارق دوريات من شركة (سي.أم.أن) في حين نشرت صحيفة لو تليغرام أنباء عن صفقة محتملة لمدافع سيزار من شركة نكستر.

وقد بدأ ولي العهد زيارته لفرنسا، الأحد، على أن يلتقي الرئيس الفرنسي بعد ظهر الثلاثاء لتعزيز العلاقات بين البلدين في وقت تلعب السعودية فيه دورا مفصليا في عدد من الملفات التي تهز الشرق الأوسط.

ولفتت المصادر الفرنسية إلى أن فرنسا تتطلع إلى لعب دور متقدم في السياسة الخارجية، بما في ذلك في الشرق الأوسط، وأن باريس تدرك أن نجاح تلك السياسة يعتمد على تطوير العلاقة مع الرياض ورفعها إلى مستوى الشراكة.

ملفات مشتركة

تضيف المصادر أن تناغما لافتا طرأ على علاقة إدارة ماكرون في فرنسا مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وأن باريس وواشنطن تجتمعان على تشجيع الإصلاحات التي يسعى إليها ولي العهد السعودي في بلاده.

وقالت مصادر متابعة لزيارة ولي العهد السعودي لفرنسا أنه لن يتم التوقيع على الأرجح على أي عقد كبير. فقد قال الإليزيه إن الرئيس ماكرون يرغب قبل كل شيء في إقامة “تعاون جديد” مع المملكة التي يتوقع أن تدخل مرحلة اجتماعية واقتصادية جديدة برعاية الأمير محمد بن سلمان.

ونقل عن مصدر قريب من الوفد السعودي إن الآمر “يتعلق ببناء شراكة جديدة مع فرنسا وليس الجري وراء العقود فقط”.

التصدي للدور الإيراني

ترى أوساط فرنسية قريبة من وزارة الخارجية أن “ملفات مشتركة في الشرق الأوسط تتقاطع داخلها مصالح باريس والرياض، وأن التعويل على شراكة سعودية فرنسية من شأنه تحقيق إنجازات نوعية رائدة داخل هذه الملفات”.

وسيتناول اللقاء بين ولي العهد السعودي وماكرون الثلاثاء الأزمات الإقليمية من سوريا إلى الاتفاق النووي الإيراني واليمن والوضع في لبنان. كما سيتم بحث الوضع في منطقة الساحل حيث تساهم السعودية في تمويل مجموعة الدول الخمس بينما تعتبر فرنسا أمن المنطقة وتنميتها أساسيا بالنسبة لها.

وتكشف أوساط قريبة من الإليزيه أن فرنسا والسعودية ستعملان على تنسيق الجهود لوقف العبث الذي تمارسه إيران في المنطقة، خصوصا أن باريس أعادت تموضعها حيال ملف إيران متخذة مواقف متشددة حيال مستقبل الاتفاق النووي والمسائل المتعلقة ببرنامج إيران للصواريخ الباليستية وتدخّل طهران في شؤون المنطقة.

ويعتبر خبراء فرنسيون في شؤون الشرق الأوسط أن باريس تقود جبهة أوروبية تسعى إلى فرض ضغوط على إيران تقنع الرئيس ترامب بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي، وأن الدور الفرنسي من شأنه أن يروق للشركاء السعوديين الذين ما انفكوا يحذرون من الدور الذي تلعبه إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن والذي استفاد من “السماح” الدولي الذي أتاحه الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني الذي وقعته مجموعة 1+5 مع إيران.

ويرى مصدر خليجي مطلع أن الرياض وحلفاءها قد لاحظوا باهتمام المقاربة التي يعتمدها الرئيس الفرنسي في تناول علاقات بلاده في الشرق الأوسط من حيث الحيوية في التعامل مع الملفات بما يذكر بالدور الريادي للسياسة الفرنسية الشرق أوسطية والتي ميّزت دائما فرنسا عن بقية دول الاتحاد الأوروبي.

وأضاف المصدر أن ماكرون أعاد أثناء زيارته الأخيرة في نوفمبر الماضي إلى الإمارات والسعودية تأكيد ما سبق أن صرح به على هامش المؤتمر السنوي العام لمنظمة الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي من أن “الاتفاق النووي مع إيران لم يعد كافيا”.

وقال المصدر الخليجي إن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى طهران عبّرت عن نفس الموقف داخل إيران، وأن محادثاته في طهران كانت صعبة إلى درجة أن لودريان اعترف بصعوبة العلاقة مع إيران معتبرا في ختام تلك الزيارة في 6 مارس الماضي أنه “مازال هناك الكثير من العمل الذي ينبغي القيام به”. ورأى المصدر أن توافق باريس والرياض حول ملف إيران يفتح الطريق أمام شراكة فرنسية سعودية داخل ملفات أخرى.

تقاطع في الملف اللبناني

لعب الرئيس الفرنسي دورا محوريا في حلّ الإشكالات التي واكبت استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في 5 نوفمبر الماضي.

ورأت مصادر خليجية أن اللقاء الذي جمع ماكرون بالأمير محمد بن سلمان في الرياض حول هذه المسألة كشف عن اهتمام الطرفين في الحوار والتعاون، وأن نجاح الرئيس الفرنسي في الاهتداء إلى خواتيم ناجحة لهذه الأزمة يعكس عزما سعوديا على دعم ماكرون ومقارباته في ملفات المنطقة، كما يؤكد تقاطع باريس والرياض داخل ملف لبنان.

وتؤكد مصادر فرنسية سعودية متطابقة أن باريس والرياض طورتا بشكل متواز علاقاتهما بلبنان وفقا لاتفاق الرؤى بين الأمير محمد بن سلمان وماكرون في اجتماعهما الشهير بالرياض.

يتوقع مراقبون أن تتوج الزيارة الحالية التي يقوم بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس بتوقيع شراكات اقتصادية مماثلة للاتفاقيات الاقتصادية الجديدة التي أبرمتها السعودية مؤخرا مع نظيرتها الولايات المتحدة. حيث وقع الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، التي اختتمت مساء السبت، مذكرتي تفاهم بقيمة تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار مع الجانب الأميركي.
يتوقع مراقبون أن تتوج الزيارة الحالية التي يقوم بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس بتوقيع شراكات اقتصادية مماثلة للاتفاقيات الاقتصادية الجديدة التي أبرمتها السعودية مؤخرا مع نظيرتها الولايات المتحدة. حيث وقع الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، التي اختتمت مساء السبت، مذكرتي تفاهم بقيمة تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار مع الجانب الأميركي.

فقد شهدت باريس في السادس من أبريل الحالي مؤتمر “سيدر” الدولي برعاية الإليزيه لدعم لبنان والذي سجل نجاحا لبيروت وباريس، فيما طورت الرياض علاقاتها بلبنان منذ أن تسلّم المستشار الملكي نزار العلولا هذا الملف، على نحو يعد بإعادة العلاقات السعودية اللبنانية إلى مرحلة إيجابية واعدة.

وتلفت مراجع سياسية فرنسية إلى أن باريس تحتاج إلى تحصين حضورها في العالم العربي، وأن موقفها المتقدم في سوريا بعد استقبال ماكرون لوفد ضمّ قيادات كردية في سوريا وما أثير بعد ذلك من أنباء عن إرسال قوات فرنسية إلى منبج، يحتاج إلى موقف سعودي داعم يمثل رعاية عربية للمساعي الدولية لإيجاد تسوية تنهي الصراع السوري.

وتكشف هذه المراجع أن توتر العلاقات الفرنسية-التركية على خلفية ذلك يجعل من تطور العلاقات السعودية الفرنسية مطلبا وهدفا بالنسبة للجانب الفرنسي والجانب السعودي.

وتؤكد مصادر سعودية مواكبة لزيارة ولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة ومن قبلها بريطانيا، أن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تندرج داخل سياق واحد هدفه تقديم السعودية إلى العالم بالوجه الجديد الذي يسعى ولي العهد إلى تحقيقه في بلاده.

وتتجاوز الجولة الأخيرة التي شملت عواصم هذه الدول ومدنا أخرى، الأهداف السياسية والاقتصادية التقليدية باتجاه ما هو ثقافي يتناول موقف الرياض من الدين ومن الثقافات والتقاليد العالمية الأخرى، كما شغف المملكة بالانتقال إلى طور تروّج به أنشطة الموسيقى والفنون والأدب والتكنولوجيا.

وقال مصدر قريب من الوفد السعودي أن الأمير محمد بن سلمان قد يحضر الحفل الموسيقي لاختتام مهرجان الفصح في مدينة أكس إن بروفانس بجنوب فرنسا، حيث ستعزف مقطوعات للمؤلفين الموسيقيين؛ دوبوسي وروبرت شومان وفيليكس مندلسون.

وفي باريس سيتم التركيز على الثقافة والسياحة والاستثمارات المستقبلية والتقنيات الجديدة، خصوصا خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى مركز للشركات الناشئة. وذكر مصدر قريب من الوفد السعودي أنه سيتم توقيع نحو 12 بروتوكول اتفاق في مجالات السياحة والطاقة والنقل. وسيعلن أيضا عن اتفاقية للتعاون لتطوير موقع العلا الذي يضم آثارا مهمة سيعلن عنها أيضا.

7