ولي العهد السعودي ومنطق الدولة

الجمعة 2016/09/23

في إطلالة نادرة، حالف التوفيق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود وهو يلقي كلمة المملكة في الأمم المتحدة.

وقبل الخوض في مضمون الكلمة لا بد من التنويه إلى الشكل، حيث تميزت كلمة المملكة بتمثيل عال ورصين وشـاب وحيوي يدعو إلى الإعجاب، خصوصا مع نبرة الثقة التي استخدمها ولي العهد.

وقد احتل موضوع الإرهاب المساحة الأوسع من الكلمة، وهذا ليس مستغربا، خصوصا وأن الرصيد الدولي للأمير محمد بن نايف تكوّن نظير دوره الفعال في مكافحة الإرهاب، والتذكير بهذا الدور رد رادع لكل متجاوز.

وقد أشار ولي العهد الأمير محمد بن نايف باستفاضة إلى الجهود الأمنية التي بذلتها المملكة لدحر الإرهاب، ومع ثقتي بصحة المعلومات التي وردت في الكلمة، لكنني أعتقد أن العالم لا يحتاج فقـط أن نذكره بهـذه الحقائق، إذ يغلب ظني أن تهمة الإرهاب ستبقى ورقة في يد الدعاية المعادية ما لم ير العالم كله نموذجا لسعودية جديدة تتبنى صراحة النموذج المضـاد لمشروع الإرهـاب، على صعيد الدولة والمرأة وحقوق الإنسان.

لن ننتصر على الإرهاب أبدا وهناك من يظن أن الخلاف بيننا وبين الإرهابيين محصور في شرعية استخدام العنف من عدمها، إنما يتعدى ذلك إلى رؤيتنا إلى الذات والآخر والعالم والدين والله، ما الفائدة من إدانة العمليات الإرهابية أو قتل الإرهابيين أو إيقافهم ومشروع الإرهابيين “الفكري” و“الثقافي” والاجتماعي حاضر في المشهد السعودي العام عبر مسؤولين رسميين أو قرارات حكومية أو مناهج تعليمية وإعلامية للأسف.

في الأشهر القليلة الماضية حققنا خطوات جيدة بتهذيب ما يسمى بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإطلاق رؤية 2030، لكن الواقع يحتاج جرعات أكبر وأشجع وأسرع، خصوصا مع نشاط الأعداء وفداحة أثر الإرهابيين علينا وعلى دول الجوار وعلى العالم ككل.

انتقلت كلمة ولي العهد من الإرهاب إلى فلسطين، حيث تم تجديد موقف المملكة المتمسك بالمبادرة العربية للسلام، وإدانة جرائم إسرائيل واعتداءاتها ضد الفلسطينيين وضد المسجد الأقصى، وقد أجاد ولي العهد تلخيص موقفنا وتأكيده، والإشارة إليه في بداية الكلمة نقطة موفقة لتأكيد اهتمام المملكة بفلسطين والإشارة إلى أثر هذه القضية في كل ملفات المنطقة، وهذه فرصة لدعوة مسيري السياسة الخارجية السعودية إلى تبني سياسة أكثر حيوية في الصراع العربي-الإسرائيلي، والثقة معقودة على أصحاب القرار لاتخاذ المبادرات الجريئة واللازمة.

ثم تطرق إلى الوضع اليمني، وهذه الزاوية كان الأجدى من وجهة نظري تناولها من منظور آخر، إذ كنت أتمنى تصعيدا أكبر ضد الحوثيين وضد إيران وحلفائها، فالسؤال المطروح منذ أشهر هو موعد دخول قوات التحالف أو عودة الحكومة إلى صنعاء، وهناك من يتساءل مثلي لماذا لم تدك قوات التحالف رأس الأفعى في صعدة؟ والإجابة عن هذه الأسئلة، سواء في كلمة المملكة أو في كلمة اليمن، لمصلحة التحالف ولمصلحة الشرعية اليمنية.

ثم جاءت جزئية الملف السوري التي أثارها بعض الإعلام الممانع بطريقة مغرضة، حيث قال ولي العهد إن المملكة تؤيد الحل السياسي في سوريا، لكنه أكد أن أساس الحل السياسي كامن في مقررات “جنيف1”، أي رحيل بشار الأسد، وهذا ما تغاضى عنه عمدا بعض الإعلام الممانع، ويغلب ظني أننا لو صعدنا النبرة في هذه الجزئية أيضا ما خسرنا شيئا، ولعل التصعيد المعنوي أقل ما يمكن تقديمه للشعب السوري في هذه اللحظات الصعبة، فلم تبق دولة لم تدخل أرضه، وفـوق ذلك يتنافس على تقـرير مصيره كيري ولافروف وليس في المتنافسين سوري مطلقا.

إن الحـديث عن المسـاعدات الإنسانية التي قدمتها المملكة في اليمن وللشعب السوري في محله، لكن التصعيد السياسي أو المعنوي في هذين الملفين كان واجبا، فحديث المساعدات ضروري للأصدقاء، أما خطاب التصعيد المأمول فهو أقل رسالة تنديد نوجهها إلى الخصوم ونسند بها الحلفاء.

ونال الشأن الليبي الحصة الأقل من خطاب ولي العهد الأمير محمد بن نايف حيث لم يتجاوز 16 كلمة، وزاد عدد كلمات العراق فوق عدد كلمات ليبيا بضع كلمات (27 كلمة)، وكنت أتمنى لو التفـت إلى لبنان وفراغها الرئاسي واختطاف الدولة من ميليشيا ما يسمى بحزب الله، ولعلهـا كانت فرصة جيدة تذكر العالم بجرائم الحزب الإلهي وتجاوزاته.

أما الجزئية الإيرانية في كلمة الأمير محمد بن نايف، يغلب ظني أنها احتاجت بعض التوسع، فقد أجاد في الإشارة إلى قضية احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، لكن صياغة الخطاب أوحت بأن مشكلتنا مع إيران قائمة أساسا نظير اعتدائها على سفارتنا، بينما مشكلتنا الحقيقية مع إيران موجودة في بقية محاور الكلمة من دون تسمية، وأظن أن منبر الأمم المتحدة موقع مناسب لتعرية إيران وأتباعها.

كلمة المملكة التي ألقاها الأمير محمد بن نايف تعكس منطق الدولة الذي تؤمن به المملكة والذي يؤمن به ولي العهد، وحتى لو حضرت بعض وجهات النظر فهي تأتي على يمين الكلمة لا على يسارها، والهدف هو مقاربة الكمال قدر المتاح، ولعل أهم ما استنتجته بعد متابعة كلمة ولي العهد هو ضرورة كسر الحواجز بينه وبين الإعلام، فليس هناك أي سبب يبرر احتجابه عن الأضواء، وأهم ملاحظة لي على الكلمة، أنها أظهرت المملكة وكأنها في موقع الدفاع عن النفس وهذا غير مقبول.

لكن هذا الوضع إشارة إلى أن السعودية بحاجة إلى أن تخوض معركة الإعلام عربيا ودوليا، لقد سبقنا الآخرون إعلاميا وسياسيـا وأحيـانا عسكـريا لكـن ليست هناك أي موانع تعيقنا عن اللحاق بهم وهزيمتهم.

كاتب سعودي

9