ولي العهد السعودي يستشرف قوة مصر الثقافية في مشروعه التحديثي

التقارب الثقافي أدوات داعمة للتعاون الاستراتيجي بين البلدين، وتتماشى مع سياسة الانفتاح التي دشنها ولي العهد السعودي.
الاثنين 2018/03/05
علاقات متينة

 القاهرة - تتجاوز أبعاد الزيارة التي بدأها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي للقاهرة الأحد، الأبعاد السياسية الظاهرة، فهناك رزمة من الملفات والقضايا المشتركة التي تستحق التوافق حولها بين القاهرة والرياض، لكن أبعادها الثقافية يمكن أن تكون لها نتائج كبيرة في المستقبل.
ويزيل تقارب القوة الناعمة بين البلدين، في الثقافة والسينما والمسرح والرياضة وغيرها، الكثير من الحساسيات التي عكرت صفو العلاقات تاريخيا، وأوجدت واقعا لا يتسم بالمرونة الكافية، وربما تكون خطوة التقارب الجديدة على ملامح سياسية في المعنى النهائي، كفيلة بإزالة رواسب الماضي.

لذلك تتعامل الكثير من الدوائر السياسية في مصر مع المؤشرات الثقافية التي ظهرت مؤخرا وبدأت تتصاعد حاليا، باعتبارها أدوات داعمة للتعاون الاستراتيجي، حتى لو كانت هذه الأدوات غير سياسية بالمعنى الحرفي للكلمة.

ويرى هؤلاء أن اختيار القوة الناعمة والتفاهم والتعاون المشترك من خلال أذرع مختلفة يمكن أن ينقل العلاقات إلى مستوى أقوى، ويخرجها من الإطار الذي ظلت حبيسة فيه، وهو إطار حصرها في نطاق المصالح الضيقة والمباشرة، التي إذا ما اهتزت سقطت جميع الأركان.

التقاء ثقافي

يرفع التركيز على الالتقاء الثقافي الكثير من الحواجز التي أعاقت دوما العلاقات بين مصر والسعودية، فالاهتمام بالأبعاد الثقافية يتجاوز حدود الاستفادة السعودية من الخبرة المصرية العريقة.

لم تعد مصر القوة الناعمة العربية الوحيدة أو ذات الهيمنة كما كانت في السابق، فهناك دول عربية مغاربية وخليجية، بعد تراجع العراق وسوريا ولبنان، حققت تقدما لافتا على هذا الصعيد، وكان بإمكان السعودية توثيق التعاون معها، لذلك يبدو اختيار القاهرة كنقطة انطلاق لنشاط جديد للمملكة هو الذي يؤكد المضامين السياسية للتحركات الثقافية.

المثير في الزيارة عزم الأمير محمد بن سلمان برفقة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، حضور عرض مسرحي في دار الأوبرا المصرية الاثنين، بعنوان “سلم نفسك”، فالعرض ومكانه يحملان من الدلائل ما يفوق معاني التكريم والحفاوة والخصوصية المعروفة.

ويؤكد إصرار ولي العهد السعودي على مواصلة طريقه في الانفتاح، والذي بدأه برفع “فيتو” كبير سكه المجتمع السعودي على مدار عقود ماضية حيال حرية المرأة في بعض المجالات.

يبعث تقارب الرياض مع الكنيسة المصرية برسالة طمأنة للأقباط وينفي عن الحكومة المصرية تهمة التودد إليهم لأهداف سياسية

ويضاعف قناعات السعوديين بأن النشاط الثقافي بمفهومه الشامل لم يعد قاصرا على معارض الكتب ومسابقات الشعر القاصرة على الرجال فقط، بل امتد للتوسع في دور العرض السينمائي وإقامة حفلات غنائية، وتوسيع نطاق الانفتاح بمعناه الكبير الذي يضم جميع أنواع الفنون، بما يتماشى مع الرؤية التي وضعها الأمير الشاب للمملكة في المستقبل.

ورأت الكاتبة المصرية فاطمة ناعوت، أن الانفتاح السعودي يحمل رسالة قوية بأن هناك خطوات إيجابية بدأت تظهر جليا على الأرض لمواجهة أصحاب العقول المتحجرة.

 وأكدت لـ”العرب” أن “الأمير محمد بن سلمان يطبّق تجديد الخطاب الديني كما يجب أن يكون، وهذه رسالة للمؤسسات الدينية والتيارات المتشددة وأصحاب العقول المنغلقة وعليها أن تخرج من البوتقة التي تعيش فيها ومجاراة العالم ومتطلباته”.

ويعد لقاء الأمير محمد بن سلمان مع رئيس أكبر كنيسة مصرية، البابا تواضروس الثاني في مقره البابوي في العباسية بوسط القاهرة، خطوة كبيرة في تعزيز طريق الانفتاح على الآخر، ومحاولة تغيير النظرة السعودية التقليدية.

وبدأت الرياض خطة طموحة لتهيئة الفرص أمام جيل جديد يستطيع أن يستوعب كل المختلفين معه، دينيا وفكريا وسياسيا واجتماعيا، حيث تريد أن تخطو بالسعودية نحو آفاق أرحب مما كان سائدا حتى وقت قريب.

ويبعث تقارب الرياض مع الكنيسة المصرية، برسالة طمأنة للأقباط وينفي عن الحكومة المصرية تهمة التودد إليهم لأهداف سياسية وانتخابية، بدليل أن أهم دولة إسلامية تتعامل معهم بأريحية، ما يؤكد اندماجهم في المجتمع المصري ويفند ادعاءات أصحاب الفتن الطائفية.

وأوضح كمال زاخر، المفكر القبطي، لـ”العرب”، أن “الكنيسة المصرية ليست دار عبادة للأقباط، لكنها أحد مكونات المجتمع وتمثل جزءا رصينا من الوجدان المصري”.

وتابع بقوله “الزيارة تحمل رسالة مهمة في توقيت بالغ الحساسية، باعتبار أنها تأتي من قيادة كبيرة في أهم دولة في العالم الإسلامي، وصاحبة المكان الأقدس، وهو ما ينعكس على العلاقات بين المسلمين والأقباط”.

وأشار إلى أن “الانفتاح السعودي على الكنيسة القبطية رسالة للمتشددين في المجتمع المصري، مفادها أن الثقافة وتحرير المرأة من القيود المجتمعية وإقامة علاقة مع أصحاب الديانات الأخرى من صميم المبادئ الإسلامية”.

ولفت زاخر إلى أن زيارة الأمير محمد للكنيسة المصرية، مؤشر قوي على تأكيده الاستمرار في سياسة الانفتاح، وهذا يرتبط بالتغيرات التي تحدث في السعودية، بعد ظهور جيل جديد من العائلة المالكة تلقى تعليمه في جامعات غربية مؤمنة بالانفتاح.

ويعي الجيل الجديد في السعودية بأهمية الانفتاح حاليا أكثر من أي وقت مضى، فالأمير محمد بن سلمان بدأ توجها لتجديد الخطاب الديني بشكل مثالي، بعدما دشن خطة عميقة لمواجهة أفكار جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل الفئات التي وضعت المجتمع السعودي في خانة ضيقة.

 

وصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، مساء الأحد، في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه في يونيو الماضي. ورغم الأبعاد السياسية للزيارة بين بلدين تجمعهما علاقات اقتصادية وتحالف استراتيجي يولي الاهتمام بمصلحة وأمن المنطقة العربية وتحصينها من التطرف والمؤامرات الخارجية كالطموح الإيراني التوسعي، إلا أن الزيارة تحمل مضامين ثقافية تؤكد أن سياسة الانفتاح التي دشنها ولي العهد السعودي بإحداثه تغييرا إيجابيا وثورة على التقاليد المعطلة للتطور ستسمر، كما سيحرص على مواجهة التطرف بنشر التسامح واحترام الأديان التي تعدّ من مبادئ الإسلام الراسخة.

ويعتبر الانفتاح الثقافي والديني  والسياسي، من العوامل التي تنطلق منها رؤية الأمير محمد بن سلمان خلال الفترة المقبلة، وهو مفتاح يتماشى مع مقتضيات العصر، والتي تؤكد أن هناك رغبة حقيقية للتطوير والخروج نحو مستقبل أفضل.

رسائل للمتشددين

تحركات ولي العهد على المستوى الثقافي في مصر، سوف تفضي إلى تغيير انطباع انتشر لدى قطاع كبير من المصريين، حمل السعودية مسؤولية إيواء أعداد كبيرة من قيادات وكوادر جماعة الإخوان المسلمين في حقب سابقة، منهم من عاد إلى مصر محملا بأفكار متطرفة، وساهم في تغيير طبقة اجتماعية كانت من الممكن أن تكون أكثر فائدة.

من هنا تكمن واحدة من المعاني الدقيقة لزيارة ولي العهد لدار الأوبرا المصرية وحضور عرض مسرحي، حافل بالأغاني والموسيقى والاستعراضات، في إشارة إلى عمق التحول الحاصل في السعودية، والرغبة في تدعيم التعاون السياسي والاقتصادي بآخر ثقافي.

لعل التطورات التي يشهدها البلدان، على الصعيد الرياضي أيضا، ليست بعيدة عن الأصعدة السابقة، وتشي بأن هناك تفاهما مشتركا يمهد الطريق أمام التوصل إلى درجة عالية من التحالف الاستراتيجي.

وقال أسامة الغزالي حرب الكاتب السياسي المصري، إن الانفتاح السعودي ينعكس إيجابا على العلاقات مع القاهرة، لأنه يتطلب توسيع أطر التعاون وعدم اقتصارها على مجال محدد، وعندما يتعزز التعاون في الثقافة والفنون والمسرح والرياضة وغيرها، سوف تتطور أواصر العلاقات تلقائيا.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن هذه النوعية من الزيارات، غير التقليدية، متعددة الأهداف لقيادة بحجم ولي العهد السعودي سوف يكون لها مردود جيد، ويمكن أن تحدث طفرة في نظرة كل من الشعبين إلى الآخر.

وأشار إلى أن الانفتاح السعودي ينطوي على رسالة مباشرة لأصحاب الفكر المتطرف في كلا البلدين، حيث يستوجب أن تستعد كل حكومة لمواجهة غير تقليدية مع هذه الفئة الرافضة للانفتاح، وغير مستبعد أن يرد أصحاب هذا الفكر بهجمات تستهدف أمن البلدين كمحاولة لعرقلة التطور العلاقات.

وما لم تكن هناك جرأة عالية لمواجهة حقول الألغام التقليدية لن تستطيع السعودية، ومعها الدول العربية، أن تكون لها مكانة سياسية، وهو ما يكشف أن الطموحات التي يحملها الأمير محمد بن سلمان لن تتوقف كما أن هناك أشواطا طويلة على الاستعداد لأن يخوضها.

7