ولي فقيه سنّي

حركة النهضة في تونس لم تتخلص من خلال مراجعاتها وممارساتها من ثقافة الزعيم الملهم الذي يعرف أسرارا لا يعرفها غيره تجعله أقرب إلى الولي الفقيه الذي لا راد لرأيه وقراره.
الخميس 2020/10/29
التفاف على القانون الداخلي للنهضة والتمديد في فترات زعامة الغنوشي

كشفت مبادرة قدمها محسوبون على شق راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية، للالتفاف على قانون داخلي والتمديد في فترات زعامة الغنوشي، وجود رغبة دفينة لدى الحركات الإسلامية في الارتقاء بقادتها إلى مرتبة المرشد الذي لا يتنحى إلا بوفاته، بقطع النظر عن كبره أو وجود قيادة يمكن أن تملأ المكان وتعطي نفسا جديدا وخبرة.

وعرض عبدالكريم الهاروني، رئيس مجلس الشورى، ورفيق عبدالسلام (صهر الغنوشي وذراعه اليمنى) مناورة لتأجيل المؤتمر لسنتين أخريين بدل موعده نهاية العام الحالي، على أن يتم اجتراح صيغة قيادية تقوم على الفصل بين الرئيس كمنصب تنفيذي ومنصب الزعيم كقيادة دائمة تمتلك لوحدها أولوية الترشح للمهمات السياسية الكبرى (رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، ورئاسة البرلمان).

والهدف المباشر لهذه المناورة هو تلهية المعارضين (قائمة المئة وجمهورها) باللعب على الوقت وإغراقهم في مبادرات شكلية، ودفعهم إلى الاكتفاء بردود الفعل عليها، بدل التمسك بالمؤتمر في موعده واشتراط عدم ترشح الغنوشي للقيادة، بسبب وجود قانون داخلي يحدد مدة رئاسته بدورتين وحيدتين، وسبق أن وافق عليه الغنوشي نفسه.

سقوط الزعيم كقيمة تاريخية (بمفهوم القائد الحامل للأسرار) مقدمة ضرورية للقطع مع هوية التمدد الخارجي ذات الخلفية الإخوانية

لكن الأهم في هذه المبادرة أنها تكشف محدودية خيار التغيير عند الإسلاميين، خاصة لدى حركة سعت للترويج لنفسها كحزب مدني ليبرالي بعد أن قالت إنها فصلت بين الدعوي والسياسي وقبلت بالشراكة في الحكم خلال السنوات العشر الماضية.

ولا يتعلق الأمر هنا بعدم القدرة على التغيير لاعتبارات تكتيكية مثل غياب قيادات وازنة يمكن أن تقود حركة النهضة في مرحلة قادمة.

كما أن مناخ الديمقراطية يسمح بتجريب القيادات وتأهيلها داخليا وخارجيا، وهو ما يظهر أن الأزمة تتعلق بالفكر وليس بالواقع، ذلك أن تجارب الإسلاميين في العقود الأخيرة كشفت عن بقاء أغلب الزعماء في أماكنهم إلى أن تتم تنحيتهم تحت تأثير موانع مثل الموت أو الاعتقال والمحاكمة لمدد طويلة، وبعض الحركات والجماعات تحتفظ بالزعيم في منصبه رغم غيابه الطويل.

ويؤكد هذا أن الديمقراطية لدى الإسلاميين مفرغة من محتواها، وأنهم يميلون لفكرة الشورى غير الملزمة التي تسمح للزعيم أو المرشد بسماع المحيطين به ثم اتخاذ القرار بقطع النظر عن وجاهته وحججه أو كونه يمثل أغلبية أو أقلية، ويعود القرار له وحده.

وهذا يزيد من الشكوك في مزاعم بعض الحركات الإسلامية تبنّي الديمقراطية والقبول بنتائج الانتخابات والاحتكام للقوانين، ولعل أفضل اختبار لهذا التغيير هو طريقة إدارة هذه الحركات من الداخل، وإنْ كانت تحتكم للديمقراطية في حسم الخلاف أم تناور بالقوانين من خلال تخريجات كتلك التي عرضها الهاروني وعبدالسلام.

ومن الواضح أن حركة النهضة لم تتخلص من خلال مراجعاتها من ثقافة الزعيم الملهم، الذي يعرف أسرارا لا يعرفها غيره تبيح له اتخاذ القرارات ولا يسأل عنها، وتجعله أقرب إلى الولي الفقيه لدى الشيعة الذي لا راد لرأيه وقراره.

الديمقراطية اختبار على الأرض، وتظهر في التفاصيل الصغيرة، ومن وراء الشعارات الكبرى التي بات الإسلاميون يطلقونها ويناقضونها بشكل علني لتبرير مسار البراغماتية في وضع فرض عليهم إكراهات كبيرة تدفعهم إلى تبني التغيير الجذري والتخلي عن مفاهيم الشريعة والدعوة، والتطبيع مع مدونة قانونية وحقوقية دولية تفرض قيما وسلوكيات تتناقض مع هويتهم الأولى.

وهذه التنازلات هدفها الرئيسي الحصول على قبول دولي والاعتراف بالإسلاميين كشريك أو وكيل حكم في هذه المنطقة أو تلك.

لماذا يتخلى الإسلاميون عن الشريعة ويتنازلون عن الدعوي ويتمسكون ببقاء المرشد، مع أن ثقافة المرشد تتناقض تماما مع “المراجعات” وتبني “مدنية الدولة” و”الاحتكام للديمقراطية”.. إنها لعبة السياسة.

وفي وضعية الغنوشي، يثير التمسك ببقاء المرشد مشكلة ثانية هي الامتداد الخارجي للحركة ذات الخلفية الإخوانية، وكأن الغنوشي هو مفتاح هذا الامتداد لكونه ماسكا بأسرار العلاقات الخارجية، وبينها الحظوة التي يحصل عليها في قطر وتركيا ومناطق إسلامية أخرى.

هل ستسقط مفاتيح العلاقات الخارجية مع الجماعات والمنظمات الإسلامية بسقوط الغنوشي من رئاسة النهضة؟ هل “الإشعاع الخارجي” للغنوشي لا يتم سوى بصفته رئيسا للتنظيم الإسلامي في تونس؟ أليس ذلك ممكنا من خلال التحرر من صفته التنظيمية والإفادة من خلال دوره الاعتباري السياسي والفكري، وهو الدور الذي كان هو نفسه يأمل أن يقوم به من خلال تصريحات كان يطلقها قبل المؤتمر العاشر؟

المبادرة أنها تكشف محدودية خيار التغيير عند الإسلاميين، خاصة لدى حركة سعت للترويج لنفسها كحزب مدني ليبرالي بعد أن قالت إنها فصلت بين الدعوي والسياسي

سيحتاج الإسلاميون في مسار بناء الهوية المحلية إلى تفكيك ملف العلاقات الخارجية للنهضة، متى كانت ضمن التنظيم الدولي ومتى خرجت وأسباب الخلاف الذي دفعها إلى المغادرة، هل الأمر يتعلق بسلطة القرار أم بسعي الحركة لبناء هوية محلية تتناقض مع الفكر الإخواني الرسمي الذي يطبع نفسه بالتشدد وتحريم مراجعة الثوابت، لكنه على الأرض، وفي سياق السعي للتمكين يفعل ما يناقضه في كثير من الأحيان.

وسيظهر هذا التقييم إلى أي مدى تقدر حركة النهضة على تقديم تنازلات حقيقية لوضع أسس هويتها الوطنية، خاصة في ظل غياب مدونة فكرية تؤسس لهذا التحول سوى تصريحات متناثرة هنا وهناك لإرضاء الداخل والخارج، فيما يستمر الخطاب بين جمهور “النهضة” بنفس الثقافة القديمة التي تنظر إلى المراجعات كتنازلات ظرفية، وما تزال تتبنى الهوية العابرة وتحدد المواقف الخارجية من الدول على ضوء علاقتها بالإخوان المسلمين، الجماعة الأم في مصر.

إن سقوط الزعيم كقيمة تاريخية (بمفهوم القائد الحامل للأسرار) مقدمة ضرورية للقطع مع هوية التمدد الخارجي ذات الخلفية الإخوانية، الممزوجة بصراع الأفكار الكبرى في القرن الماضي، والباحثة عن بناء دولة عابرة للانتماء الجغرافي.

هل ستكون معركة تنحية الغنوشي عن رئاسة النهضة انتصارا للهوية المحلية وتثبيت المراجعات كأمر واقع، أم أن الأمر مجرد صراع على المناصب، خاصة أن الغنوشي هو بوابة التعيينات داخل الحكومة ومؤسسات الدولة ولا يقدر خصومه على الحصول على مزايا لهم ولمقربين منهم.

9